ثقافة السرد

فصل 18

عليك أن تفعل الأشياء التي تظن أنه ليس

باستطاعتك أن تفعلها.

الرئيس الأمريكي روزفلت

ربّ إني قريبة منك الآن، في هذه الساعات الطويلة الممرضة، يسّر لي منفذاً من أقطار سماواتك يارب، وهيئ لهذا العقل من أمره رشدا،ً وموقعاً عربياً أميناً، إنني قريب دائماً منك يا رباه، ولكنني اليوم أوهن من فراشة، الفراشة تتحكم بطيرانها وعلوها وهبوطها في جو معتدل، وتختار أي زهرة تنزل عليها، أما أنا ففي آفاق السموات العلى مفقودة، أقترب منك أكثر في علاك، أطلب بقعة عربية ولو صغيرة أشعر فيها بأمان واستقرار، يسرها لنا يا رب! ليس لي وحدي، بل لكل النساء العربيات ليكنّ في أمان وحرية وكرامة، يظن الرجال أنهم هم الذين يحاولون الهرب من أي أرض عربية بالهجرة والمجازفة، كثيرون تنقطع بهم السبل وتصبح حيواتهم أكثر شقاء من وجودهم بين أهليهم، وكثيرون يذهبون إلى العدم والموت الفاجع والمجهول، قليلون الذين يسعدون، فالأشقياء يشقى معهم وبجرائرهم أسرهم وزوجاتهم وأطفالهم، وربما الآباء والأمهات، من واقع تجربتي الطويلة في الاغتراب، وبلقاءاتي مع الكثيرات ممن عرفت وجدت الكثير من  النساء يحملن رغبة في الهرب والابتعاد عن أقاليمنا العربية، لا أنسى صديقتي المقدسية والتي كانت متزوجة من رجل غزي من عائلة البسيسو، أهل الزوجة أغنياء، وأهل زوجها ملاكون وأغنياء، ومع ذلك حضر زوجها بحجة الدراسة ثم حاولوا المستحيل للحصول على الجنسية الأمريكية، وحين سألتها عن سبب ذلك، قالت إنها لا ترغب في العودة للعيش في أي قطرعربي، إما فلسطين وإلا فلا، الفشل يلاحق أهلنا وديارنا والهمّ والاستعباد، وحياة المخلصين والجادين والمصلحين الحقيقيين شاقة ومعقدة، لأن السلطة الحقيقية والتقدم متاحة للمتسلقين والمنافقين والكسالى والشلل وبائعي ضمائرهم، وذوي النظرات الأسرية المحدودة.

سامحني ياربي، وسامح شقيقي شريف، أعرف أنه أضرّ بي كثيراً، وأضرّ بزكي أكثر، وأنا أضررت بالإثنين، أسهم شريف المطّ في رسم علاقتي بزكي حسب نمط تفكيره، ومع ادعائي أنني كنت أملك عينيه وقلبه، لكن شقيقي شريف عرف كل شيء عن حياتي، أصرّ على أن يطلع على تفاصيل حياتنا وكيف تسير أمورنا، مع أنه كان يمازح زكي ويجامله بعد زواجنا، وبعد أن زاد عدد أطفالنا، زارني في السعودية، ثم تبعني إلى أمريكا، يضخم عيوب زكي أمام ناظري، يتفاخر بصفاته وبعقليته الوظيفية وطباعه (النموذجية كما يعتقد ويصرّ)، وبعد أن تزوج شقيقي وأنجب لم يستطع أن يتفرغ لبيته ولزوجته ولأطفاله، وأكاد أقول أنه لم تختلف طبيعته ولم تتغير بعد زواجه المتأخر، حتى بعد أن تقاعد من الوظيفة  وشاخ وكثرت أمراضه، شجعني على إبقاء مسافة كافيه بيني وبين نصيبي، سذاجة مني، ومضى أكثر من ربع قرن على زواجنا، ومع ذلك ظلّ يخوفني من زكي. وزكي يقول لي “أنت عاقلة راكزة مسالمة يا فهيمة” ولست متأكدةة هل كان زكي يضحك عليّ؟ أم إنها سذاجة فيه؟ أو مجاملة إلى حين؟ وأنا أظن في أعماقي “إنني قوية، صابرة، أخطئ كثيراً، وكثيراً ما ساءلت نفسي

هل أنا قادرة على تحمل نتيجة أخطائي؟ ، وزكي يعترف أنه يخطئ ويصيب مثل كل إنسان، لكنني أعرف أنه طيب وغير حقود،

أنا بين يديك يا رباه، اللهم يسر لي ولغيري مكاناً نجني فيه نتائج إيجابية في حرية وكرامة وإنسانية، وأمل كل امرأة التكامل والتوحد مع رجل، فالاستقرار النفسي سيعود على الزوجين، وبالتالي على الأسرة العربية ككل، حيث يتعلم الرجال ويعملون وينتجون ويخترعون ويلاقون من يقدر علمهم وعملهم وجهودهم، والمرأة أقدر كثيراً من الرجل على تحقيق الحياة الجميلة والاستقرار، يا رب أنت أدرى بحالنا، إننا نحن النساء العربيات مظلومات، وأنا نفسي وعيت الكثير وتعلمت الكثير وعانيت الكثير، وما زلت في ترحال وتحري عما عجزت عن تحقيقه حتى هذه اللحظة، سفر كل عامين أو ثلاثة، علني أستقر أو أهتدي إلى حقيقة ما أنا فيه، أريد أن أنصح بناتي بأمور ذي قيمة، بل أريد أن أرتاح وأنفع غيري وأريحهم، لست ضد أحد، ولا أكره أحداً أيا كان موقعه وعمله أو مهمته، لكنني أتمنى أن أجمع كل النساء العربيات لأقول لهن كلمات مختصرة.

لا شك أنك تسمعني هذه اللحظات وأنا أقرب إليك اليوم من أي يوم يارب، سابحة في أجوائك الفسيحة وفوق ماخلقت لنا من هواء وأجواء بين السماء والأرض، اسمع همسي يارب ورجائي لكل امرأة عربية للحفاظ على مستقبل حياتها أولاً، وعلى زوجها وأسرتها ثانياً وبالتالي مستقبلنا جميعاً، ربّ لا تخيب رجاءنا فيك، اللهم حقق ما أتمنى وأنا على قيد الحياة وبقواي العقلية والجسدية حتى أهنأ ولو لأسابيع قليلة في مدينة عربية تكرمنا ونكرمها.

طبعت السفارة السعودية التأشيرة لزكي على جواز سفره استعداداً للسفر للسعودية وبعد مرور أربع شهور وعشرين يوماً على  زواجنا، خرجت أم جريس صاحبة المنزل في زيارة لأحدى قريبابتها المقيمات بعيداً عن بيتها، استمتعنا بالجلوس وحدنا على شرفة منزلها الجميل، التصق بي، ثم قال بصوت ضعيف مخذول: انا مضطرب يا فهيمة، قرار سفري فاجأني وحطم كل ما خططت له، لم أفكر يوماً بترك بلدي فلسطين والأردن، وأول خسارة لي هي فراقك، قالها وتنهد ثم نظر بعيداً إلى الشمال الشرقي، حيث منتزه رام الله والمنارة الصغيرة الأعلى من موقعنا، ألتف بجسمه النحيل في شبه استسلام وتضاؤل، لكنه كان صلب العود، ريفي تربى على منتجات الطبيعة الخالصة، دون أن يخالطها شوائب، لم يألف أكل المعلبات إلا بعد زواجنا، عاش على الحليب والزبد والجبن واللبن من منتجات الغنيمات التي كانت والدته تحرص على اقتنائها، ومن البقرة التي كانت تقيم معهم في نفس المنزل، كما قال لي، ومن بيض الدجاج البلدي الذي ينتج فائضاً عن حاجة البيت، وتبيع والدته بعضاً منه للمساعدة في تغطية بعض المصاريف البسيطة في القرية، وخاصة قبل إنهاء زكي لدراسته الثانوية، لم تكن الكهرباء ولا أنابيب المياه قد وصلت لقرية زكي، لم تنتشر الكهرباء في كل قرى فلسطين، عفواً الباقي من قرى فلسطين أو ما نسميه (الضفة الغربية) إلا بعد نكسة حزيران، ومن محطات الكهرباء الإسرائيلية، ضاع جزء من فلسطين عام 1948 فسموها نكبة، وحين خسر العرب حرب 1967 وخسروا ربع سوريا ونصف مصر وباقي فلسطين سموها نكسة؟ وفهيمة تقول إنها كارثة وأكبر بكثير من نكبة 1948، وستعاني أجيال طويلة مخاضات العذاب والموت والتخلف والكراهية والتشتت نتيجة لها.

بعد سبع سنوات من عمل زكي في السعودية، انتقلنا في السكن إلى حي وزارة الدفاع، كانت مباني كل وزارات الحكومة السعودية في مدينة  الرياض متجاورة وفي صف واحد على الطريق الخارج من سوق البطحاء قلب مدينة الرياض إلى مطار الرياض القديم، كان شارع المطار القديم هو الشارع الوحيد حسن التنظيم في مدينة الرياض حتى اواسط السبعينيات من القرن العشرين، وتقوم عليه فنادق الدرجة الأولى مثل فندق اليمامة وفندق صحارى بلاس وفنادق أخرى لم أعد أذكر أسماءها،

ولم تنقطع حواراتنا حول كارثة عام 1967 حيث والتي جعلت زوجي زكي غير متحمس للعودة للأردن كل عام في إجازته السنوية، لأنه لم يعد مسموحاً له زيارة  قريته وبيته وأملاكه في فلسطين، أو ماكان يسمى (بالضفة الغربية من الدولة الأردنية) ومما سمعناه من زوج شقيقتي مطاوع بإن أحد كبار الضباط في جيش الأردن قام  باستغلال سيارات الجيش في نقل ممتلكاته الخاصة مثل الأغنام والأثاث والبضائع أثناء سقوط الضفة الغربية، وأثناء الانسحاب المهين للجيش الأردني من الجبهة، بدل من الانشغال بالخطط ومواجهة العدو، وبدل نقل المعدات العسكرية أو مساعدة الشعب الأردني الفلسطيني واللاجئين الهائمين على وجوههم، وهم يرون جيشهم ينسحب من معسكراته دون مجابهة الصهاينة، قالوا انسحاب؟ ولماذا انسحاب؟ سنبقى نجلد أنفسنا على ما اقترفنا على مدى التاريخ العسكري العربي، حتى يقوم منا من يمحو هذه اللطخة الملازمة لحياتنا ووجودنا، إنه ليس انسحاباً مشرفاً، ولست متأكدة إن كان فراراً، دون مقاومة ليسجلها التاريخ، أرضنا، مقدساتنا، تضيع ولا يقتل دفاعاً عنها مائة عسكري، أو ألف مقاتل؟ أو. . . أو حسب المثل العربي القائل: (الهريبة ثلثين المراجل) ولماذا لاينجون بأنفسهم، من يريد الموت؟ النتيجة سقطت الضفة الغربية كاملة بيد الإسرائيليين، وسقطت سيناء الدرع الواقي لمصر والحاجز الطبيعي الذي يحمي قلبها، وسقطت هضبة الجولان السورية مصدر المياه والأنهار والخيرات لسوريا وفلسطين والأردن، وحتى للبنان، أوه أيتها العزلة والتخريف، أورثتني الهوان والضعف، إنني أشعر بدوار وهموم تتراكم في كبدي، صرت أخجل من زوجي زكي، وانا أتذكر افتخاري كأردنية، وانتقادي لتصرفات بنات اللاجئين ونسائهم في مدن الأردن عمان وحول سيلها وفي الزرقاء وحول سيلها، أيام مرت وما زالت تمضي بلا حساب.

كانت أجهزة الراديو في الرياض لا تلتقط المحطات الإذاعية مثل محطة الإذاعة البريطانية من لندن وإذاعة عمان والقاهرة وصوت العرب، ومونت كارلو أثناء النهار، كان زكي حين يثور ناقماً على رؤوس العرب، يقول دعونا من محطة صوت الجرب وليس العرب، زعيق وطنطنات، أحزاب ومنظمات، وعود وترهات، وأناشيد حماسية وخزعبلات، حمصتنا وجعلتنا نحسّ أننا سنمتلك المريخ، أو سنسكن القمر قريباً، ونستوطنه إن لم يكن به بشر، بعد هزيمة العرب الكبرى في حزيران عام 1967 تغير زكي كثيراً، أصبحت الكآبة تغلب عليه والسوداوية، نقل همومه تلك على أجواء أسرتنا، فصار يتحدث عن الاغتراب، وعن البعد عن مواقع الفشل والهزيمة، صمم على الهجرة أو تغيير مجرى حياته كلها، كنا سعداء مرتاحين في مدينة الرياض، والسعوديون دمثون إذا عرف الوافد لهم كيف يتعامل معهم، يحبون الادعاء بالإسلام والتظاهر به، ويكرهون التعالي، ولأنهم شعب لم يسبق أن استعمرته دولة أجنبية، ولوجود الحرم المكي والحرم المدني تحت الحماية السعودية، ولدى معظم السعوديين نعرة غرست فيهم شيئاً من التعالي على غيرهم من العرب، وإن تفاخر عربي بنسبه أو بحضارة بلده أمام أي سعودي فالويل لمثل هذا الشخص عندهم، فإما أن يقلبوا حياته جحيماً فيملّ ويستقيل من عمله، أو يجد شخص ما سبباً شرعياً للحكم بإبعاده عن العمل في السعودية، لكن زكي كان يذكر لي حين يعود للمنزل أن له أصدقاء سعوديين طيبون، حتى أنني حفظت أسماء الكثيرين منهم مثل محمد الغامدي، وفهد النصار، وعبدالله السنان، وسلطان مناحي، وصفوق العديلي، وعلى عسيري، وعبد العزيز  الشمبا،  لكنه كان يردد إسم سلطان مناحي كثيراً، وهو من مدينة “شقرا”، وكان كثير التفاخر بمدينته وبأهلها، كما قال زكي، ومثل عبدالعزيز الشمبا الشيعي من الإحساء، شاركه زكي في شراء أرض في حي  الناصرية  بالرياض وبمبلغ ثلاثين ألف ريال سعودي، ساهم فيها زكي بمبلغ ستة آلاف، وعندما علم عبد العزيزالشمبا بعزم زكي السفر إلى أمريكا، رفض إعطاءه ما يستحق من قيمتها التي حلّقت بعد سنتين، وعلمنا بعد شهرين من سفر زكي إلى أمريكا أنها بيعت بما يقارب المليون ريال سعودي، والذي اشتراها باعها في اليوم التالي لأميرة  بثلاثة ملايين ريال، وساهم زكي مع أشخاص آخرين بشراء قطع أراضي صغيرة عددها ثلاثة، رفض شركاؤه بيعها ليحصل على حصته قبل سفره لأمريكا، لكنهم أعطوه أخيراً ما دفعه فقط، مع أن أسعار الأراضي ارتفعت في السماء فوصلت إلى ثلاثين أو خمسين ضعفاً، بدءأ من خطوة  الملك فيصل الجريئة والناجحة حين تجرأ وقطع النفط لأيام قلائل عن الغرب، فارتفع سعر برميل النفط من ثلاثة دولارات إلى خمسة عشر دولاراً ثم واصل ارتفاعه كل عام بعد ذلك، سافر زكي إلى أمريكا للدراسة، وتركني مع الأطفال في الرياض برعاية شقيقيه اللذين يصغرانه، أحدهما متزوج وعنده أطفال، والآخر على وشك الزواح، وكان أصغر أطفالي يبلغ ثلاث سنوات، لا أدري كيف استطاع زكي أن يجازف بالسفر إلى بلاد لم يعرفها من قبل، لكنه اليأس حسب اعتقادي، وتنفيذاً لما خطط له بهدوء في أعماقه، هذا من ناحية، ثم كيف خالف رغبتي وتمرد على رفضي غير المتشدد، وترك زوجته وأطفاله الثمانية تحت رحمة شقيقه الأصغر في الرياض، قال لي أنه كان يفكر بالسفر لأمريكا، فجاءت له المبررات لتحقيق امنيته القديمة، وخاصة بعد أن حصل على الشهادة  الجامعية الأولى، فوجد فرصته مواتية للسفر لدراسة الماجستير في أمريكا، للاستفادة من مالها أو علمها، وكان شقيقي شريف هوأكبر المتشككين فيه وفي هدفه من السفر، إذ صار يردد دائماً وفي كل محفل عائلي قائلاً: إن زكي سافر للعبث والتحرر من التقاليد العربية، ولهاثاً وراء النساء والجمال والموسيقى والرقص ومتع الدنيا، لكن زكي حصل على شهادة الماجستير وبسرعة، واستفاد كثيراً من سفرته، أما عني فقد شقيت بعده، لم أستطع تحمل غيابه عنا بعد مرور أربعة شهور، شعرت أنني وأولادي عبء على شقيق زكي الأصغر، مع أنه كان يحترمني ويطيعني  ولزكي فضل كبير على كل إخوانه، حيث هو الذي رعاهم ورباهم وأجبرهم على الدراسة، وخاصة  أصغرهم الذي ظل يضغط عليه ويشجعه على الدراسة والاجتهاد، وأفلح في مسعاه، أكمل الجامعة بنجاح بتخصص علمي أكسبه مركزاً لائقاً في السعودية، بل ومحترماً وبدخل مرتفع عاملاً في شركة كبرى في الرياض، لم يقصّر شقيقه بنا لكنني لم أتعود على التبعية لأحد غير إخوتي، ولم يسبق أن هانت نفسي ولا رخصت لمخلوق رجلاً كان أو امرأة، معتبرةً أن الكرامة والشرف وصيانة النفس هما أساس استقرار حياة الإنسان، هذا الإصرار والخصوصية في مسلكي وفكري سببت لي الكثير من المتاعب والحسد، وكثر الناقمون عليّ والحاسدون والحاسدات، من أقاربي المقربين ومن أقارب زكي، ومن بعض الجارات والمعارف الذين كان زكي يريدني أن نبقى على صلات بهم إما لمصلحته أو لأنه اجتماعي جداً ويكره الوحدة والعزلة والتفرد، ويضحي بالكثير من وقته وماله في سبيل الإكثار من الأصدقاء، يحب لعب ورق الشدة وطاولة الزهر وقراءة الكتب وخاصة الروايات، كي يكسر نمط التكرار ويطرد الملل الذي كان يصيبه في الرياض، حيث لا دور سينما، ولا مطاعم ذات مستوى لائق للعائلات متوسطة الدخل في الأحياء المتوسطة والشعبية، ولا حرية أو اطمئنان في الخروج للسوق بصحبتي، وخاصة في شارع الملك فيصل (وكانوا يسمونه شارع الوزير) في تلك الأيام، وكذلك في سوق شارع البطحاء  وسوق الديرة، قرب وحول سجن المصمك الأثري، والذي كان قصراً لأمير الرياض أيام  حكم آل الرشيد، حتى اغتاله الملك عبد العزيز آل سعود في ذلك القصر، وأنهى حكم آل الرشيد بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى.

في السنوات التي تلت نقل زكي إلى مدينة الرياض، اضطر أن يعمل ساعات إضافية لدى شركات خاصة، فتصل معدل ساعات عمله اليومي مايقارب اثنتي عشرة ساعة في أغلب الأيام، كانت الجالية المصرية فالفلسطينية فالسودانية على التوالي هي التي تتصدر الجاليات العربية الأخرى العاملة في السعودية، أما اليمانيون والحضارم والعمانيون، فكل له اختصاصه، فالحضارم يختصون بالعمل لدى التجار، واليمانيون يختصون بالمتاجر الصغيرة كالبقالات والملابس، والعمانيون لتنظيف الشوارع والنظافة، عدا عن السوريين واللبنانيين فكان معظمهم يعمل لدى عائلات الأسر الحاكمة، كان السعوديون يصرون على تسمية العرب العاملين في بلادهم بالأجانب، وأما الأوربيون والأمريكان فيسمونهم الخواجات، وكثيراً ما سمعنا تحذيرات ممن سبقنا من الفلسطينيين والأردنيين كي نتجنب توطيد علاقات أسرية مع عائلات سعودية أو مع أفراد سعوديين، وخاصة إن كانوا رجالاً، وحدث مرة أن وثق فلسطيني بشباب من الرياض يعملون معه، استضافهم لمنزله وكان مدنياً متحرراً أو ساذجاً كما سمعت زكي يقول، وثق بأصدقائه السعوديين الثلاثة، على طريقة عادات بلاد الشام، ومن أكل أو شرب من بيت لا يخونه، وسمح لزوجته أن تظهر على زوار زوجها لتقدم مشروب الضيافة من الشاي أو القهوة لهم، تكررت زياراتهم، ثم حضر بعدها ثلاثة منهم لمنزل الموظف الفلسطيني نهاراً، ودخلوا منزله أثناء تواجده في العمل، وثقت زوجة صديقهم بهم، وصدقت ادعاءهم  بأنهم يريدون شرب الماء البارد، حجة ابتدعوها لدخول منزلها في غياب زوجها، لكن عرفنا أن المرأة عارضت اغتصابها، فلم يلتفتوا لتوسلاتها وخانوا العهد والتقاليد والشرف، فما كان من السلطات إلا اتخاذ قرار بطرد الموظف الفلسطيني وحرمانه من العمل في بلادهم كرادع له ولغيره من التمهيد لنشر الفساد الأخلاقي في البلد، هكذا قيل لنا وتكرر ترديد مثل هذا القول حول الموضوع نفسه، لكنني أنا المرأة الشكاكة الحريصة حتى النخاع، فلم يخطر ببالي يوما ما أن يحدث معي حادث محرج أو مخز كهذا يسيء لزوجي أو لأسرتي وشرفي وحتى لقبيلتي، فأنا ابنة عمان وأصيلة الجذور، أجمع بين الصفات الأردنية البدوية وبين تحفظ العمّانية المتحضرة، نعرف المعيب والممنوع ونتجنب كل ما يعيب اسمنا وسمعتنا، عمان جنة الزمان.

وحين كان موضوع المنابت والأصول يبرز للواجهة بين الحين والآخر في الأردن، زكي يقول

–        أنا قومي، ولا أفرق بين أردني ولا فلسطيني، ولا فرق عندي بين شامي وأردني، ولا بين مصري  وسوري، ولا أعتقد أن أحداً اولى مني بحب الأردن والتعلق به والدفاع عنه،  كلنا عرب، لا كرامة ولا حرية ولا تقدم لنا إلا بالتوحد تحت راية اللغة العربية والمصالح المشتركة والمتبادلة والمشاركة في الأرض والعادات والتقاليد والدين، وتحت راية التراث المشترك والتاريخ الواحد، والقوانين والرؤساء والحكام لا يمكن أن يوحدوا شعبين قلباً وقالباً دون رغبة من أي من  الشعبين، والحرية لا تمنح للبشر، بل تؤخذ بالمطالبة أوبالقوة أوبالقانون، مئات الملايين من الدولارات تنفق على التسليح والتدريب في كل قطر، لكنها لا جدوى منها في حفظ ماء الوجه للعربي. أنفث نفساً طويلاً قبل أن أجيبه، أهدأ وأهدئه

– قلنا مرات عدة أن تنسى حماس الماضي والأوهام، كن مثلي ملكياً، نحن عمانيون هاشميون أردنيون، وعلينا أن نحافظ على هذا الرابط والإحساس، فكرامتنا أن نتمسك برمز واحد نتفق عليه، نظام يحمي نفسه ويحمينا معه، ويعمل على تقوية النسيج الوطني وتركيز فاعليته.

–        إنني لست ضد التماسك بين كل من يقيم على الأرض الأردنية، لكنك تتمادين يا فهيمة، مع انني كرهت الأحزاب وأنانية قادتها إلا أنك تتعصبين كثيراً لعمان، وتنسين أن معظم سكانها أصبحوا من الفلسطينيين، ثم  ألسنا من عشيرة واحدة؟، ومن فخذ واحد من العشيرة!، ألأنك ولدت في عمان تتعالين عليّ لأنني ولدت في فلسطين، ثم أسمعك تكررين القول إن كل الفلسطينيين لاجئون أو متسولون وبعضهم مخربون، ثم كم من مرة قلت لي أن معظم المتسولات والفاسدات نساء فلسطينيات. مللت هذه الكلام وهذا الغمز، وأخشى أن تزداد الهوة  بيننا يوماً بعد يوم.

–        وحتى مع وجود أطفال كثر لنا؟

يسكت زكي ولا ينبس ببنت شفة، ينفث بعدها هواء طوبلاً من فمه، ثم ينشغل في قراءة أوهواية ما، إنه يحب العمل في الخشب أوإصلاح الأثاث أو تسجيل أغاني الحفلات، ويحب صوت أم كلثوم ونجاة الصغيرة وعفاف راضي وفيروز وأغانيهن لدرجة الاكتئاب أو الانسجام، ويؤثر أغاني أم كلثوم ليلاً وبعد العاشرة مساء، ويزداد هذا الأثر والانسجام كلما تأخر الليل أو بعد منتصفه. إنني أحب الأغاني كلها، لكن تعلق زكي بنصوص الأغاني بهذا العمق ظل يثيرني ويجعله لغزاً لا أتجرأ على بحثه، هذا عدا عن اندماجه في قراءة القصص والروايات، فحين يمسك كتاباً لايطلقه حتى ينتهي من قراءته، وبرغم غموض زكي الظاهر، إلا أنه مرن سلس انزلاقي كالأفعى أو أنه يتمدد وينكمش بسرعة وفي سهولة ويسر كالأخطبوط. ولا بد أن  أستدرك هنا لأؤكد أنه ليس عدوانياً ولا يتشفى بخصمه أو بمنافسه، ولا يقبل أن يسحق  غيره في حال سيطرته على الموقف، يصارع ويجادل حتى يوجد لنفسه مكاناً، أو يثبت صحة وجهة نظره، بعدها يصبح ذلك الإنسان حسن المعشر، كريم النفس  والهوى.

يا عفاريت العالم ومجانينها أعيدوني ابنة المهاجرين، أبعدوني عن الظالمة القاسية المجنونة أمريكا، مع انني أرتدي الملابس الإسلامية الكاملة وحججت مرات ثلاث، إلا أنني لست نفسي، فهل سأكونها يوماً ما؟ أيها العابث المتمرد! يا لاعباً بالعقول ومدبلجها أعد لي فهيمة الساذجة! حولني وخوّلني أن أتفاهم مع واحدة من شقيقاتي على الأقل!، أتوق لسواد الأيام الغابرة أكثر من البيضاء منها في حي المهاجرين، علقم لكنها ذات طعم مميز، تشعرك بإنسانيتك، وتفتح قلبك لكل شاردة وواردة، كم مرة أجلست امرأة من الشحادات المتسولات على درجات جبل عمان الوعرة الصعبة المؤدية لمنزلنا، أستمع لها ولشكاواها، أغريها ببعض مما لدي من المال البسيط، لتكشف لي عما يحدث معها في الزوايا والأركان المظلمة، وفي الخيام والعشش المتلاصقة وعلى ضفاف سيل نبع رأس العين في عمان قرب الفجر، وقت صلاة الصبح، ووقت الخروج لملء الأواني بالماء النظيفة، معظمهن وهن كثر يستجبن ويبتسمن، ويتساءلن لماذا هذا التحقيق معهن، فأتظاهر السذاجة والفضول، جنون؟ أليس كذلك؟ سخف وتعدي على الحرية الشخصية؟ المهم حصل ذلك أكثر من مرة، معظمهن يبحن بالإغراءات والإغواءات التافهة التي كن يحصلن عليها من رجال قد يكونوا هم أهل حاجة مثلهن، وحتى تعود الواحدة منهن بطعام أو كساء أو مال قليل تساعد أطفالها وتدعم زوجها الذي يحاول البحث عن عمل، والفلسطينية تقوم بإعالة أسرتها إن كان زوجها بلا عمل، وقليل من الرجال كانوا يجدون عملاً ثابتاً في تلك الأيام، أنهم بمئات الآلاف، لا مشاريع ولا مصانع ولا تجارات ولا مشاريع إعمارية كبيرة في الأردن، بلد البساطة تعيش على الإعانات الخارجية الشحيحة، لكنه يظل بلد حب وبلد استقبال وترحيب واستيعاب.

مرض زكي المسكين مرة  في الخرج،  خفت عليه من الموت وقتها، وخفت على نفسي، إسهال شديد ونزف دم، لم يكن العلاح والفحوصات الفورية ممكنة أيامها في مدينة الخرج السعودية الصغيرة، وكل ما بها مستوصف صغير، لا يوجد في المستوصف مختبر لفحص الدم والبول والبراز، أعطاه مسكنات وأدوية لوقف الإسهال، وفرنا من ثمن قوتنا البسيط، واشترينا الدواء له من الصيدلية الخاصة لعدم توفر معظم الأدوية في المستوصف الحكومي، لكن زكي لم يشعر بالتحسن، بل ازداد ارتخاء وضعفاً من الإسهال والنزف، أصيب زكي بهزال، ولم يعد يقوى على صعود درج المنزل الذي كنا نقيم فيه، خفت عليه وعلى نفسي في أرض لا يعرفني فيها أحد، ممرض فلسطيني صديق له كان يعمل بالمستشفى العسكري في قاعدة الخرج، حمله بسيارته وكان فاقد العزم والقوة، توسط له لفحص برازه ودمه وبوله دون علم إدارة المستشفى، حمل النتيجة لطبيب فلسطيني متعاقد مع المستشفى العسكري، وصف له أدوية وطمأننا على أن الأمر لا يعدو كونه تسمم غذائي وجرثومي، أو انه انفلونزا في الأمعاء كما خمن الطبيب، وكل ما يلزمه هي الماء،  والماء النظيفة أيامها معدومة، اعترف زكي أنه دخل إلى فمه الكثير من ماء سيل الخرج دون قصد، وهو يتعلم السباحة فيه، مع ان سنه كانت ستاً وعشرين عاماً إلا أنه يتصرف كالأطفال أحيانا أوكالبدو أحياناً أخرى، ولم يسبق له أن تعلم السباحة في طفولته لعدم توفر البحر أو النهر أو العيون قرب قريتهم في فلسطين، يغافلني أو يدعي أي شيئ ليغيب ثلاث ساعات أوأكثر، يحاول تعلم السباحة في سيل الخرج، وليبترد بماء ذاك السيح في أيام الصيف الحارة، لأنه لم يكن لدينا أي نوع من التبريد، وحتى المروحة التي كنت أستعملها كانت مكسورة عند القاعدة، أما مياه ذلك السيح الغزيرة فهي من انهدام جيولوجي عظيم وعجيب وسط الصحراء، جرف كبير واسع كأنه البحيرة، ماؤها عميقة لا تنقص، ولا يعرف لها غور، وقد مضى على ضخ الماء منها لأكثر من خمسين عاماً أيامها، والماء الجاري شبه نهر صغير لا ينقطع جريانه مدى العام.

لا أنسى حنانك يا زكي، حرصك على قلب مفاهيمي وأفكاري عنك، حين تكاثرت عليّ الالتهابات النسائية كنت تستمع بآذان مرهفة للطبيبة الهندية في الرياض وهي تحثني على متابعة العلاج وتحملني لها ولكل طبيب تسمع مدحاً عنه، ولا أنسى سرورك حين أنبأتك أن إخواني ساعدوني في دخول المستشفى العسكري الأردني في ماركا بعمان، أجريت لي عملية إزالة الرحم لاشتباه بمرض خبيث، وفي العام التالي كاد زكي أن يطير فرحاً حين أبلغه أخي أنهم أجروا لي عملية  ثانية في عمان وفي نفس المستشفى لإزالة المبايض، حتى أتخلص من شكوك العاهات الخطيرة، والمحظوظة من النساء  من يكتشفون مرضها مبكراً، وهاقد مضى على إجراء العملية الثانية مايقارب الثلاثين عاماً، وأنا أنعم بصحة جيدة، ولولا السمنة التي تفرض وجودها على جسمي لكنت أبدو أصغر من عمري بعشر سنوات، أفكر وأعمل وأجتهد وأسافر وأفرح وأحزن وأطرب وأحياناً أقرأ، الصفات التي ذكرت أصيلة كلها في إلا القراءة والأسفار، فهما من زرع زكي، وها أنا أقرأ بشكل جيد في اللغتين العربية والإنجليزية، وأبحث في أمريكا عن أي مادة أحب قراءتها باللغة العربية، وخاصة الصحف والمجلات والقصص والروايات وقصائد نزار قباني، ومع أنني في أوائل  الثماينيات من العمر إلا أنني ما زلت أتماهي مع قصائد نزار وأرددها، سبحان الله، تذكرت هذه اللحظة الفيلم العربي الجريء (أبي فوق الشجرة) قبل أربعين سنة، نعم لقد انتزعني زكي من حوشي الأساطير والخرافات ومع انني أعيش على نبض الماضي إلا أني أصبحت أدرك أثر قوة الأنثى.

فتحت عيني على نور الكهرباء في المدينة، أما في القرية التي كان يعيش بها زكي فمصباح بترولي لا يكاد يضيء مترين إنارة خفيفة، وحين يكون القمر بدراً في ليلة صيف صافية، فإن ضوءه يغلب ضوء سراجهم، هذا من ناحية، اما الأشد بلاء فهو فزعي وصياحي من الصراصير والحشرات الكبيرة الطيارة. في المساء أجلس القرفصاء في السرير داخل الغرفة والجو حار وخانق، لا أجرؤ على الحركة، عيناي تجوبان الغرفة، أرفع ضوء السراج، أحركه بيدي يساراً ويميناً، أرفعه وأنزله، أحدق في كل بقعة على كل جدار أو زاوية أو في السقف أو أرضية الغرفة، صراصير طيارة وحشرات صغيرة تئز وتزن في الجو من كل مكان، ويبدو أن الصهاينة سلطوا تلك الحشرات على الناس الذين أصروا على البقاء في بيوتهم وفي قراهم المحاذية لخط الهدنة، وإلا لماذا لا تصل تلك الحشرات بالملايين إلى القرى التي تبعد أكثر من ميلين عن قرية زوجي؟ وحين سألت إن كان سبق وهاجمت الحشرات الناس بمثل هذه الغيوم الهائجة ليلاً، استنكروا الأمر، وأفاد جميع من سألت أنها المرة الأولى التي تهاجمهم الحشرات القارصة والصراصير في حياتهم، تتراقص الصراصير وتنبثق من كل مكان، تدخل وتتسلل إلى كل مكان، على وجوه الناس وسيقانهم، تحت الملابس وشعر الرأس والعنق، وتحت اللحاف وحول المخدات والصحون، أما عن أطباق الطعام فلا تسل، وخاصة تلك التي تجد فيها بقية أو أثراً لطعام، تتنادى وتتجمع في حركة مجنونة، يصعد بعضها فوق بعض، تغطي الطبق بألوانها الغامقة المختلفة، تتشاور وتتهامس وتتطاير وتتصارع، أو تتفق بعضها مع بعض على خطط لمهاجمة القاطنين وإرهابهم بل وإرعابهم، ليت الأمر اقتصر على كثرتها ومضايقتها وقرصاتها، فرائحتها الكريهة تملأ المكان، كأنّ رائحة خراء تقادم وتعفن في جو حار ورطب، بعوض وأبو مقرف وأم علي وصراصير حمراء وسوداء، بعضها له أجنحة طويلة وسريع الطيران، وأخرى بأجنحة قصيرة بطيئة الحركة، لا تهرب منك حين تجفل أو تحاول طردها، تضربها فتقتلها على جسمك أو ملابسك، وتفوح روائحها، كريهة لا يمكن وصفها أو تحملها، كل تلك ظننت في نفسي أنه من فعل جيش الهجوم الإسرائيلي ومن أبحاثه البيولوجية، وربما لا يفطن عربي أيامها أن الإسرائيليين أو أي عدو سيفعل ذلك، حشرات تملأ الأرض والسماء كغيوم من السموم المرشوشة بآلات قوية، تكاد تطمس الأرض بألوانها وأشكالها المختلفة، ثم بروائحها الكريهة إن نجوت من قرصاتها، حين يقترب صرصار مني أجفل في جنون، وأقفز من مكاني كجندب أو زنبرك ينطلق من رباط شديد، أنسى نفسي أنني في ليل وأنني امرأة كبيرة وفي قرية وبين عائلة، فيعلو صياحي كطفل أهوج يشبه صياح الصرع والخوف وفقدان الأعصاب، زكي جاهز لي دائماً، مستعد لقفزاتي وجنوني، لا يدري إلا وأنا أطوقه وألتصق بصدره، وأحياناً أرفع قدمي عن الأرض متعلقة بعنقه، مع أنني أثقل وزناً منه. وحين شكوت لأخواتي وإخواني سخروا مني، ويقولون “نعلم جنونك وخفة عقلك، تغيري واكبري وتصرفي كالنساء لا كالطفلات”، ليت والدتي كانت على قيد الحياة وقتها، كنت ربما سأسمع تشجيعاً أو نصيحة أو وقوفاً صلباً منها بجانبي. رحمك الله يا والدتي. على كل حال فلقد قدمت لي الحياة ما يكفي من الأسباب لأعرف أن لا وجود لهزيمة أخيرة، أو . . . نصر أخير حاسم.

خلال السنوات الأخيرة من عمر والدتي، تضايقت من الصوفيين وقبل وفاتها، وانتقل ذلك الضيق إلينا نحن البنات، لا نستطيع النوم ولا عمل أي شيء أثناء تجمعهم في خلوة العبادة في بيت أهلي في حي المهاجرين بعمان، جهزي الشاي يا بنت، اعملي قهوة للمرة الثانية، هاتوا ما عندكم من طعام، حتى لو لقمة خبز وزيت وزعتر، أو اطحني قطعاً من جميد اللبن وهاتيها مع ما تيسر من أرغفة الخبز، يعلو زئيرهم، الله حي، الله حي، لااله إلا الله، تخرج الكلمات مندمجة متوحدة متكاملة في نغم متجانس وفي زفير واحد، لا تتسع الحجرة لذلك الهدير المتفجر والمتعالي دقيقة بعد دقيقة، من صدور الرجال، نحس كأن الحجرة سوف تنفجر، يفتح أحدهم بابها كاملاً، بعد أن كان ربع فتحة، فيعلو صوت أحدهم بالترديد والترويد، وفي شبه غناء حزين مظلوم مكلوم، في رجاء وتوسل ودعاء، وبعد ساعة أو ساعتين يتوقف الجمع بعد أن أعيتهم الحركات وهز الرؤوس وتحريك الرقاب وانحناءت الظهر، تدرك أن التعب أصابهم والإنهاك من استغاثاتهم المتكررة المتعالية بأنفاس عالية ولحوحة، تسمع بعضهم يتفوه في نشيج، وآخر يردد ما يقوله في بكاء مسموع، من قلب متألم مترجّ موجوع، يتوقف النشيح والزئير والهدير والزفير فجأة، وكأن زراً كهربائيا أوقف سير جهاز ضخم عن العزف العنيف أوالضجيج، ويبرز صوت الرجل الحادي فجأة من بينهم، يتوسط حلقة الذكر، وينشد بنغمة حزينة كأنها النعي:

يا سيدي يا رسول الله يا سندي  يا سيدي قدوة النساك والأبرار

جئناك سيراً على الأقدام فامنحنا  شفاعة ترضي الواحد القهار.

ينصتون له خاشعين، يتأملهم وعيون بعضهم معلقة بالسماء وبسقف الغرفة، وعيون مطاطية مطأطئة خاشعة مستسلمة تنشد الراحة وتتأمل الحصير والأقدام، عيون لا تقوى حتى على النظر إلى وجوه الآخرين وبطونهم الممتلئة إن كان العشاء منسفاً على كبش أو تيس.

ضعف الأنثى يحتويني في بعض المواقف، التصق بزكي خياري الوحيد في السعودية، بعد أن تحسنت حالنا المادية صرت أبتاع ملابس بتصاميم تكشف أكثر مما تغطي من جسد الأنثى، وفي أمريكا سعد زكي بمحاولات تحرري في المنزل بالملابس الأمريكية المتحررة، مستمتع بكل ذلك، مع أنه لم يشجعني ولم يعترض، لكن السكوت رضا، ولسان حاله يقول هل من مزيد، كنت أهتم بنظراته، حين يتوقف عند أي مانيكان في المتاجر أو يحدق بشغف لصور الصبايا الجميلات الكاشفات في المجلات والأفلام، متمرد عابث في وعاء واسع من تراث ثقيل يحيق به أو يغلفه، يحب التجديد والجمال واللهو، لكنه لا يجرؤ على تخطي قيود تربيته أو اختراق خطوط التراث الحمراء في العلن.

 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق