ثقافة السرد

أنا وعبد الله أو ما كانَ منْ حديثٍ بَيْنَ دينا وَبَيني

عبد الله يقتحم خلوتي

( بداية عمل نثري شبه روائي رأى النور في خريف عام 2006 . وقد استوحيتُ شكل الرواية كفكرة من أعمال أدبية سبق وقرأتها من قبل ، ك” حي ابن يقظان ” لابن طفيل و” هكذا تكلَّمَ زرادشت ” لنيتشه والأعمال النثرية الكثيرة لجبران خليل جبران و” الأمير الصغير” لأكسوبري و ” صوفي ” لغوستين غارد ، فالفكرة هي بطل هذا العمل الأدبي وليس الشخص أو الشخوص أو بيئتهم الإنسانية ، المحددة زمانًا ومكانًا . وقد انطلقت من قناعة ، كتبتها في المقدمة ” أن شكل الإناء يعنيني كثيرا ، لكنًّ أكثر ما يعنيني هو ما فيه ” .
ابراهيم مالك*

ما أضعه بين أيديكم شيء لا يصدِّقهُ العقل السليم. لكن صدقوه فقد حدث لي ، وإن كنتم لا تصدِّقونه ، فلأنكم أصلاً لا تريدون تصديقه ، لأمرٍ في نفس يعقوب.
أعترِفُ لكم منذ البِدايةِ، وأنا أطلب تصديقكم، أنّي صرت في حيرةٍ من أمري:
كيف وبم نبدأ ؟ بالملوك أم بالرعية ؟
فبعد خصامٍ مَعَ عقلي، أو ما قنعتُ بهِ عَقلاً يُحرِّكني ، رضيتُ بما نصحني به هذا العقل :
أن نبدأ بإصلاح أنفسنا!
فلا يَصْلحُ حالٌ في عالمنا، إلاّ إذا صلُحَتْ نفوسُنا أوَّلاً ولا تصلح ملوك إلاّ إذا صلُحَتْ ناسُها.
ما حدث لي، تلك الليلة من تموز ، وكنتُ لا أزالُ في حيرَةٍ مِنْ أمري، شيءٌ يصعب تصديقه.
لكنَّني صدَّقته حقًا.
أعرِفُ، أنَّ ما أحكيه لكم عن ظهور عبد الله المُفاجئ، هُوَ حقيقة مُتخيَّلة وما أفكر فيه أنا الراوي ، هو ما تجمَّعَ في ذاكِرَتي من حَكايا ، وقعت فِعْلاً، ومن أفكارٍ علَّمتني الحياة ، واشتدَّتْ في داخِلي الرغبَةُ ، التي لا تقاوَمُ ، لأرويها لَكُم .
وحينَ أقولُ لكم إنَّ ما أحكيه حَقيقةٌ مُتخيَّلة، فإنّي هُنا ألتزِمُ الصِّدْقَ ، مما يجعلني أكثرَ وثوقا بأنَّ ما أحكيه لكم هو حقيقة مُحْتملة ، وقعتْ فعلاً في تلك الليلة من تمّوز ، ما سبقها وما لحقها.
لكنِّي في كلِّ ما أحكيه لكم حَلِمْتُ بأن تسكننا القدْرَةُ والجُرْأةُ في الخروجِ على منطق صاحبنا ” شكسبير ” الإنجليزي القديم، حين همس صائحًا على لِسان بطله :
” إنَّ المسألة تكمنُ في أن نكون أو لا نكون ” .
فأنا ومُنذُ البداية أرفض هذا الخيار ، أريد لإنساننا ، أيا كان وفي أي أرض يكون ، أريد له أن يكون ما يشاء أن يكون !
تبقى المسألة يومها :
ما يشاءُ أن يكون !
كلُّ ما في الأمرِ، حين أحكي لكم ما كان معي، إنَّما لأشرككم، كما أشركتُ دينا، بمخاوِفي مما هو حاصلٌ وواقع، لأنَّ الخوف، وإنْ كنتُ أدرك أنَّهُ لا يعوَّلُ عليه وحدهُ ، يبقى آمَنَ طريق لوعي ضرورة تغيير هذا الواقع.

حدَّثتُ دينا، يومَها، بكلِّ ما كان معي وما حدث لي في تلكَ الليلة من تموز الحار.
كنتُ نائماً في سريري، حين شعرتُ أنَّ الحائط ينشق، فانتابني خوفٌ. ومما زاد من خوفي ليلتها، أني سبق وانهدَّ بيتي من قبل وعصفت بكل جدرانه ريح صرصر، ما زالت آخِذةً، من شِدَّةِ بردها، بكلِّ عروقي . غطَّيتُ وجهي، لكنَّ الغبارَ كاد يخنقني، فلم أعرف، حقيقة، أهُوَ الغبارُ المُتناثرُ في سماء قانا الجنوب، التي انتكبت ثانيةً واصطبغتْ بيوتها بلون الدم الأرجواني، أم مما يصِلُنا قادمًا مع البحر من شاطىءٍ ثاكِلٍ في جنوب الجنوب، حيثُ اختلط الدم بالدم، فلم يعد ساكنوه يدرون من أين يجيئهم الموت ويختطفهم، وما إذا كان غبارُ بيتي أو ما سَلِمَ منه وقد انشق فجأةً وطلع منه عبد الله!
رفعتُ الغِطاء قليلا وبخوفٍ مُميت، فهالني ما رأيتُ. كان ثمّة من يشاطرني الغرفة، فخفت والمَّ بي خوف شديد، لأنَّني صرت من يومها كذلك المؤمن، الذي يخشى، خشية الموت، أن يُلدَغَ من الجُحْرِ ذاتِهِ مرَّتينِ ، فيبطل إيمانه. صراحةً ، قلتُ:
أعترف لك يا دينا وأبوحُ بسرٍّ ما عادَ سرًا. سبق أن لُدِغتُ ممن جاء يشاطِرُني السريرَ والمسكن، وزيَّنَ للناس جميعًا أساطيره، التي امتطى ظهرها لاقتحام بيتي وأخفى عني وعن الكثيرين من الناس، بعباءته المُمَزقة، حقيقة ما ينوي، حتى صلب عوده ، فبان مخلبه الذي أخفاه زمنًا ولكن سرعان ما غرزهُ عميقًا فيما كان من جسدي وحتى كان ما كان.
فبينَ لحظةٍ وضحاها وفي غفلة مني انتهز غبائي وعجزي واستقوى عليَّ بعبث الزمن ومكر بعض ناسه وراح يتمدَّد شمالاً وجنوباً، غربًا وشرقًا، ويحكم ما كان غرفتي، بعنفه وغلوائه، وطاب له فيها المقام حتى آلت غرفتي وما فيها من ثمين المتاع إليه وحده، وصرت من يومها أعيش حصاري بين نار آخذة بفراشي وصحراءَ لا ظلَّ فيها. ولم يكتف بما آل إليه، فما زال يبغي المزيد:
كأنَّ الشهيَّةَ أو اشتهاء المحرمات تأتي مع الطعام، أو كأنَّه بات من سدنتها! وقد كشفت التجربة الحياتية حقيقة معدنه، فبت أسمعه بعد كلٍّ صولةٍ:
هل من مزيد ؟

وفيما أنا أتأمَّل ما صرته، ألَمَّ بي ألمٌ كبير، أشبهَ بما يبقيه السكين الحاد في الجسد العاري، حين يستفرد منه بالنحر.
حدَّثت دينا عن كلٍّ ما راح يؤلمني وينغص عيشي، فأكدت لها:
أكثر ما يؤلمني أنه بات في تمدده وغطرسته يستقوي عليَّ ، ليهزمني ويخلص من دم أهلي، ببعض إخوتي القريبين منّي والبعيدين وببعض ساكني الشمال الغربي، القريب منه والبعيد، كي يخلو الميدان لحميدان، كما يقال، فيأتيهم زيت الأرض، وحدهم، وينعمون به دون خلقها !

حين ذكرتُ زيت الأرضِ، أفاق أبي من نومه وظهر لي بكل وقار الأب المُفتقد، مُتكئا على عصاه ، تتبعه أمّي وقد تركت ما يشبه الحجاب يتدلّى من رقبتها.
وبدون مقدمات قال أبي :
سأحكي لك، يا ولدي، ما سمعته من عارفين وكان لي به تجربة. وهي خير عليم وخير من دلَّ .
يُحْكى أنَّ أرضَ الجنوب، أرض الصخر المسكون بروح الجن يشقها وادٍ، جُفّت غدرانه ومياهه من زمن بعيد، لكنَّ صخورَهُ لا تزال تنزُّ زَيْتاً، شربه بعض أهل واديه ، فماتوا بلعنة الجنِّ. وهي – أي حجارة الوادي- عند شحذها تشع نارًا وتبعث وميضًا حادَّ اللمعان ، يسرق عقل من يجرؤ على المشي فيه ، وتخفي في باطنها الزيت الذي يطفو سائلاً، سَرعانَ ما يتبدَّل لونه، فيصير أحمر، كالبرقوق البري الذي يكثر في وعرنا بعد كلِّ زخة دم ، وكان في أصله أسودَ.
قالت أمي معترضةً:
يَحْكي أنَّ مَنْ صدف ومرَّ في الوادي غالبا ما سمِعَ طقطقة حجارته المتساقطة من أعلى الصخور ومندفعة على عجل ، يُخيفُ كل من تزيِّن له نفسُهُ لوثةَ أن يخاف، وقد سمع صدى الريح العابثة بزواياه ومنحنياته، فخالها جِنّاً، ظهر له فجأة من وراء الصخر، الذي بدا أشبه بحجب الغيب ، يلوذ بالفرار خائفا مما سمع وخيِّل له، وفي ذهنه تتراكض قولة :
“الهزيمة ثلثا المراجل “.
وهي القولة التي باتت خلاص بعضنا – أكدت أمي – كلَّما اعترضتهم مُعْضِلة:
يهربون أمامًا أو وراءً طلبا للخلاص، تحركهم حكمة مكتسبة:
” أللهمَّ نفسي! أنجُ سعد فقد هلك سُعَيْد ! ”
هزت أمي رأسها، محزونة، وتابعت كلامها: يا تعس من سار في بطن الوادي المسكون جنّا، يُدْرِكهُ جِنٌّ ويركبه، فيصيبه ما أصاب جارتنا.
سألتُ أمي مُتطفلا ورغبة بالمعرفة :
لكن ما أصاب جارتنا ؟
التزمت أمي الصمت قليلاً، تذكرت ما أصابها بحزن عميقٍ، لكن سَرْعانَ ما عادت إلى الكلام :
حين أراد زوج جارتنا أن يمسك بطيختين في يد واحدة، أفتى له شيخ الحارة بالزواج مثنىً وثُلاثًا ورُباعًا، وإنِ اعترضت زوجته على مشيئته ومشيئة الله، فإنَّ جنا يكون ركبها، وَهُوَ، أي شيخ الحارة ، يتكفل أمر الجِن ويخرجه منها.
وَهْوَ ما كان.
أفلحَ شيخ الحارة في ضربه، ضَرَبَ الجنَّ حتى ماتت.
قالت أمي باكية، لكن بلا دموع :
أراد الشيخ طرد الجن، لكنَّه قتل المرأة. وترك الجن، كعادته، يفلت من عصاه، ليركب امرأة أخرى، فيضمن له ولشبهه عملاً.
قال أبي وكان التزم الصمت طويلاً، مؤكدًا حديث أمي:
سمعت من روى عن آخرين، سبق وسمعوه مرْوِيّاً على عُهدَةِ راوٍ، أنَّ الجن كثيرًا ما يسكن الأرض الخراب ويسكن بعضنا، مِمَّنْ فَسُدَتْ عقولهم، بعد طول كساد، ولم يُصْلِحوا ما بأنفسهم فظلّوا محتفظين بما ورثوه من سُننِ الأقدمينَ أو بما ظنوا أنهم اكتسبوه في عيشهم.
قالت أمي:
تحزنني حكاية جارتنا، لكن أكثر ما يحزنني هو حال حارتنا وما أصاب الوادي وأهله. فلا عجبٌ أن يسكنَ بعضَنا جنُّ! ومِنا مَنْ هم أقرب الخلق إليه.
قال أبي، قافزًا من موضعه ، وكأنه أدرك سرَّ البلاء :
هذا الصخر وما فيه من زيت، كأنه الجن، هُوَ ما يحرك جشع من جاءوا يقاسمونك بيتك، يحميهم بعض من دفعهم إليك من عسكر الشمال وقد أمِنوا شرَّ من ركبهم جن من أولاد حارتنا ، فراحوا يصرخون بعد كل صولةٍ :
هل من مزيد؟
أكدت أمي ما قاله أبي عن الجشع ، قائلة :
هو الجشع بلوى عالمنا وقد يكون فيه مقتله، قتل من ركبه، قديمًا وحديثًا، وقتلَ حتى قطنًا، حين ركبه !
لم تكمل أمي ما أرادت قوله، فرجوناها أن تكمل حديثها، ربَّما نستنير، فالقطط كثيرة، تتوالد في بقع عديدة من عالمنا، شماله وجنوبه، شرقه وغربه، استشرى أمرها لِما ألمَّ بها من سُمنة زائدة. صارت هذه السمنة جُلَّ ما يعنيها.
قالت:
كان عندنا قِطٌّ ، ألِفَ أكلَ اللحوم، ما كان مُجازاً أكلُهُ وما كان محرَّماً، يأكلها بجشع مُخيف ، مثل أكثر القطط ، ضامرها وسمينها.
توقفت أمي عن الكلام، راجية ألاّ نظن بها سوءًا، فلا نفهم من حديثها عن القطط، تلك السمينة من القطط الآدمية، التي راحت تتكاثر في جنوب عالمنا مع تكاثر جياعه ، فالمسألة هنا مجرد صدفة.
تابعت حكيها، أو ما ابتدأته:
ذات زمن أصابنا ضيق معيشة ، فلم نعد نجد ما يفيض عن جوعنا لنطعمه. وحين ملَّ القط عندنا شحَّ الطعام، وجد بعض ما يسكت جوعه وجشعه في محددة قديمة. وصُدْفة حملتني رجلاي إلى المحددة ، رأيته هناك وكان يلهو بمبرد حديد قديم ، ظنه مبتغاه ، فراح يقلبه، يُقربه إليه ويقصيه، ثمَّ يعاود شمَّهُ وسرعان ما أخذ يلحسه بلسانه، فسال دمه ، أفقدته رائحة الدم توازنه ، فراح يلحس الدم من جديد ويحسبه دم المبرد، وكان دم لسانه، وكلما طاب له ولذَّ مذاق الدم، بات أكثر شرها، جشعًا وإمعانًا في اللعبة:
يلحس المبرد الحديدي ويستطيب مذاق دمه.
كنتُ أرقبه ، حكتْ أمّي ، شفقتُ عليه ، أحزنني كيف كان يستطيب دمه وقد حسبه دم المبرد . وحين أدرك بغريزته، أني أريد آخذ المبرد منه، هرب مني بمبرده، ليواصل لحس الدم، لكنني وجدته في اليوم التالي، حين أتيت أتفقد مصيره، مُلقىً على الأرض وكان المبرد ملقى إلى جانبه ، وقد اكتسى بدم جاف.

خيَّمَ صمتٌ مُفاجِأٌ ، غمرنا ، فكنا كمن على رأسه الطير أو كمن أصابته رجفة خوف مُباغِت ، عقدت ألسننا ، فخفنا حقًا مما هو جارٍ في جنوبنا وشمالنا، غربنا وشرقنا، وقد هالنا كيف استحال الزيت دمًا ؟ وخفنا مما سيأتي ويلد الغيب ، فالمخفي أعظم، اعتادت أمي القول ، دون أن توضح ما تعنيه .
خرجت أمِّي مُتألِّمَةً، دون أن تقولَ وداعاً، فلم تصافحني، كعادتها، ولم تصافح أبي ، وكانت لم تخفِ عنا ، عن أبي وعني ، سِرَّ حُزنِها وألمها.
( 2 )
حِكايَتا الذِئب والجرْد
لم أكتم دينا ما حدث لي من قبل في تلك الليلة الحارة من تموز، قبل أنِ انشقّ حائط بيتي وظهر عبد الله ، فجأةً ، لحظتها تناوب أبي وأمي الظهور، أطلاّ بوجهيهما السموحيْن، جاءا من حيث لا أدري، كمن جاءا بغتة من وراء الحجب أو من بطن الغيب.
أفرحني أبي كثيرًا، فحين طرح السلام، قال:
السلامُ عليكم.
صارحت دينا:
أعجبني كثيرًا طرحه السلام، فلم يقل السلام عليك وحسب، لم يخُصَّني بالسلام وحدي دون غيري وإن كنت في حينها وحيدًا، بل خصَّ الجميع .
شعرت لحظتها بنشوة لا تخلو من أمل:
ما أجملَ أن يتمنى الانسان السلام للجميع، ” للصغير والكبير والمْقمّط في السْرير ” ، كما اعتادت أمي القول.
سارعني أبي إلى القول :
أنا، يا ولدي، على عجل، فدرب عودتي طويل وعسير، لكنني سأعود إن لم تفرِّطْ !
وسكت ، ليقول لي ما جاء من أجل قوله حقًا ، قال :
يا ولدي، يحكون أنَّ ذئباً كان مُعتدّاً بأنيابه، اعتاد السطو الليلي على قريةٍ يسرق ما جَمُلَ في عينيه من معز وعجول ودجاج ويزدردها بشره. وذات يوم اجتمع أهل القرية على رأي ، استحسنوه ، أن يقفوا عند مدخل القرية صفًا واحدًا ، حيث اعتاد الذئب ولوجها للسطو، فيلقون القبض عليه مجتمعين ويلقون به بعيدًا عن قريتهم .
وما إن رآهم يقفون صفًا واحدا كالبنيان المرصوص، هرب إلى داخل القرية ، ليلوذ هربًا منهم في بيوتِ مَنِ اعتادَ السطوَ عليهم، فوجد امرأة عجوزا في أوّل بيتٍ لجأ إليه يطلب النجاة ، فقالت له المرأة العجوز :
” كيف أحضنك في بيتي وكنتَ قبل عام سطوْتَ على عنزتي الوحيدة التي كنت أعيش من حليبها ” !
وأحكمت غلقَ بيتها في وجهه .
انتقل الذئب على عجل يطلب النجاة في بيت ثانِ ، فكان رجل عجوز في انتظاره ، قال الرجل العجوز :
” كيف تطلب عوني وكنت من سطا قبل شهر على عجلي الصغير الوحيد ، فلم تأخذك به رحمة وكان الحليب يقطر من فمه” !
وحرص الرجل العجوز على ألاّ يُبقي منفذًا في بيته ، تدخل منه الريح ويتسلل منه الذئب ، عملاً بحكمة قديمة :
” أغلق الباب إلّي بيجيك منو لسع الريح، بتستريح “.
سمع الذئب الكلام ذاته عند مدخل البيت الثالث والبيت الذي كان يليه والآخر الذي كان بجواره، فلاذ بالفرار، يلاحقه أهلُ القرية والخوْفُ من قبضاتهم المُشهرة غضبًا وعزيمة، يملأه اليأس من حاله ومما أصابه، حتى وقع في حفرة عميقة عند مدخل القرية الآخر .
نسِيَ الذئب ، في هلعه، أنه كان حفر الحفرة ، ليُحكِمَ الحِصارَ على القرية فلا تفلت منه دابة ابتغى افتراسها ، لا من أنيابه ولا من أظافره ، فصدق ، يومها ، فيه القول :
” من حفر حفرة لغيره وقع فيها ” .
حين انتهى أبي من حكايته ، التي سمعها من غيره ، فاجأني ، إذ غمزني ، على غير عادته ، بطرف عينه ، مضيفًا:
لا تنس ، يا ولدي ، ما علمتنيه الحياة:
حكمة البنيان المرصوص !
لاحظت أنه كان بعدها على عجل ، كما سبق وأسرَّ لي ، تأمَّلَ عكازه ، تفاجأ وفوجئتُ، إذ بدا عكّازُهُ أخضر، كأن الحياة عادت إليه. وعندها اختفى من حيث أتى.
ولم يُبق لي متسعا للسؤال عما نحن فيه.

* * *

حَضَرَتْ أمي بعدها مهللة ومستبشرة، إذ علمت أن أبي حضرنا وربما عاد من أسره، نفض عنه ذلَّ نومه وجاء للبقاء بيننا، كما ألفناه سِنينَ قبل الأسر.
حادثتني، وقد تطلعت صوب الأفق، علها ترى ما يفرح القلب والمحزون، قالت:
لست متشائمة، فربما يكون قدومه فجأة دلالة خير، فقد يعود. وكانت لم تفقد الأمل ، إذ عُرِفَ عنها قديما جلوسها عند عتبة الباب من مطلع الفجر وحتى المساء ، لمّا يَدُبُّ الغسق وتأخذ العتمة بأطراف الحارة وطرقاتها، وحين يسألها أحفادها عما هي ناطرة ، كانت تجيب وقد عضت على شفتيها، حتى تدْمَيا:
” يا حَبايْبي ليس سرًا، فأنتم العارفون ومَنْ مِنْكُمْ لا يعرف سري، ناطرة عودة الغُيّاب “.
ومن ثمَّ تعود إلى عادة قديمة ، النظر بعيدًا ، شرقًا ، فلعل من الشرق تطلع شمْسٌ ويجيء معها فَرَجٌ .
واعتادت ، كما عَهِدْناها ، تطيل الجلوس عند عتبة البيت وتستعيذ بالله من خيانات بعض ناس هذا الزمن .
سألتني أمي في لهفة :
هل طيبت خاطر أبيك، فردَّدْتَ على مسامعه أغنية قديمة، سَمعها من جدته ، حين كان طفلاً، وأنشدَها لأحفاده ، حين صارَ كهلاً :
” الله … الله ربّي لا حالْ يْدوم ” .
وأردفت متسائلة :
هل طمأنتَ أباكَ وطمأنتَ نفسَكَ، فما كان، ثبتت لاعقلانيته وما هوحاصل فاقه لاعقلانيةً، فلا بُدَّ من فرَج قريبٍ يحمله عقلٌ، يُحْدِثُ قطيعَةً مَعَ ما كانَ وَمَعَ ما هو كائِنٌ، إذا كان ثمة ما يراد له أن يكون، فتنطفىء النارُ الآخذة بناس الجنوب ، فلا يطال لفحها الحار ، بعد ذاك اليوم ، بَرَّ الشمال، لا ناسه ولا فضاءَهُ، ويسلم من لسعها شرق وغرب وينجو من هولها كلُّ جنوب .
وابتسمت فرحة بما خلصت إليه وقالت ، ثانية ، قبل أن تمضي مُسْرِعَةً :
يا ولدي، أعذرني فأنا على عجلة من أمري، أودُّ اللحاق بموكب المغيثين وراحت تقفز مُنشِدَةً :
” يا ربّ الغيث غيثينا​ ومن الشرِّ الأعظم نجينا ”
لم أتمالك نفسي ولا قدميَّ، فرحتُ أعدو لاحِقا بها ووجدتني أصيح في ركضي :
لكن ما هو الشر الأعظم ، يا أمّي !
قالت ، دون أن تلتفتَ وراءً ودونَ تأتأة :
أن يفقد الناس عُقولهم ، فيُصيبُهم ما أصابَ ذلك الجرذ .
صِحتُ :
ولكن ما قِصَّةُ ذاك الجرذ ؟
توقفت أمي عن الجريِ وعادت إلى حيثُ كنا ، تلتقط أنفاسها، فاستبشرتُ خيرًا .
قالت ، بعد أن استراحت قليلاً واستردَّتْ بعضَ أنفاسِها:
أعذرني ، يا ولدي ، جئتك بعد طول سبيٍ ، لأطمئن ، ألم تزل حيثُ تركتك ناطرًا في زاوية من بيتك ؟ وقد حسبت أن أباك عاد لنعود ، صدِّق ، يا ولدي ، ضاقت نفسي وضاق عقلي بعيش السَّبْيِ وثقيل حباله!
أمّا حكاية الجرذ ، فتلك حكاية مرعبة ، كحكايتنا، أخافُ ما ستنتهي إليه !
قالت :
يحكون ، يا ولدي ، أنَّ سفينة كانت تنتظر في عرض الميناء صوت البوق، لتبدأ الانطلاق إلى حيث شاءت. تسلل إليها جرذ ، أتاها من بلاد بعيدة ، من شمال الغرب المثلج البعيد ، لكنه ككل جرذ كان يحب العتمة وما فيها من جرار زيت وسمن. انتهز عتمة الليل وهرج البحارة ، لحظة الانطلاق ، فدخل عنابرها السفلية بحثًا عما كان بلغ أنفه من روائح زيت وسمن، راح، في شرهه وجشعه، يقضم خشب السفينة بحثًا عن جرارٍ، وُضِعَتْ في أسفلها.
فجأة سكتت أمي وتوقفت عن الحديث .
اغتنمتُ فرصةَ الصمتِ ، فسألتُها :
ولكن أين اليوم تقيمين ؟ من أين وكيف جئتِ ؟ وهل حقًا إليْنا ستعودين ؟
رفعت رأسها ، محزونةً ، نظرت في عيني وقالت :
حين أفقت من صدمة السبيِ ، وجدتني وناسًا كثيرين من ناسي عند ميناء خربٍ، كان واقفًا عند رأسي وأطرافي بعض من حسبتهم من أهلي، يرعون وثاقي ويحكمون شدَّه بقفل ، كان أثقل من رجليَّ وعقلي ، ألزَمَني ذاكَ القفْل النوم حاسرة الرأس وشبه عارية فوق بلاط أرضية الميناء ، شديدة البرد ، تحولُ جرذان سائبة دون نومي ، فما كان يجيئني نوم.
رُحْتُ من يومها أنظر دنيا الميناء، أرقب حركة الشمس البطيئة فوقها، فكنتُ كمن ينتظر طيفًا، يَحْسبُهُ آتيًا من بعيد ليحملني على جنحِهِ كيما أعودُ إلى حَيْثُ وُلِدَتْ أمّي وحيثُ مَنحْتُكَ الحياة، لكن لما يأتِ ما ندعوه فَرَجاً. وكنتُ لا أكِفُّ أسألُ نفسي :
أحقا ما هو واقع وحاصل ؟
وهل ستلوح بشائر فرَجٍ ، فنخلصُ من عيشة السبي في الميناء !
سمعتها، كانت كمن يحدث نفسه، تشكو لنفسها هموم نفسها، بعد أن عافتْ عاهة الصمم التي أصابت كثيرين ممن كانوا حولها وكادت تفقد كلَّ أمل، قالت في شبه همسٍ :
حُرِمْتُ في سبيي حتى الحلم ،
ولا أزال أحرم منه ومن العيش في بيت دفيء حنون .
وما إن تفوهتْ، غير عامِدَةٍ، بكلمة بيت حنون، شعَرَتْ أنَّ غصَّة ألمٍ ألمَّت بها فطاف في عينيها دمع ، حاولت أن تخفيه عني بكبرياءٍ موجوعٍ، عرفته فيها.

***

عاودت أمي بعد لحظة صمت ، أخفت معه دمعها ، عاودت جريها مواصلة الرحيل صوب الميناء.
كان جريها ، هذه المرَّة ، ثقيلاً ، فكانت كمن يسحب أثقاله خلفه وكمن نسي غناءه القديم:
” يا ربِّ الغيث غيثينا ومن شرِّ العتمة نجّينا ”
( 3 )
طائرُ الإلْسْتَرْ
ما إن اختفت أمِّي ، حتى عاودَ أبي الظهورَ ثانيةً .
قال وكأنه على عجلة من أمره:
فاتني أن أحدثك بما أصابَ ذاك الطير، وقد جاءني علمه من أساطير كثيرة ، كنتُ أقرأها ، حين كان لا يزال فيَّ بقيَّة من عقل.
يحكون ، قال:
كان اسمه طائر الإلستر ، بلغة أهل الشمال ، ويقول عارفون، والمعرفة الحقيقية في طيِّ العقول وفي صفحات الكتب ، إن اسمه كان الكوكو، وكان مُدَلَّلَ ناسه حتى بات دلاله شططًا وعبئًا ، عافته شتى أجناس الطير. وكان متوسط الحجم ، أسود ريش الرقبة والصدر ، تتخلله ريشات بيضاء ، فكان ، يا ولدي ، أقربَ للغراب وشؤمه ، كما اعتاد الناس القول والحكم ، لكنه أصغر منه ، يعيش في الغابات المثلجة والمعتمة للشمال البعيد. وكان من عاداته، عند مواسم التفريخ ، يرقب أعشاش الطير ، فحين يكون أهلها ابتعدوا عنها قليلاً ، طلبًا لما بقي في الأرض من بذور، كان يجيئها في غفلةٍ من طيرهم ، فيُلقي أرضاً ما كان فيها من بيض وصغار طير، ويضع مكانها بيضه ، ليرعوه له ، ثمَّ يطير يبحث عن أكله ولهوه ، وكان ، كما يروون ، يسطو على ما كان قريبا من بيوت الناس ، بحثا عما كان يلمع في خزائنهم ، يحسبه ذهبًا ، يجعله حلية في رقبته ورقبة من هم على شاكلته .
تنهد أبي، قليلاً، خرجت منه زفرة حارقة، صمت بعدها، ثم عاود حديثه :
عافه طير الغابة المعتمة وعاف كسله وسطوه على كلِّ ما كان يلمع ، حتى ارتحل جنوبًا ، وكان بعض طير الشمال حبب له أرض الجنوب لما في بعضها من غابات غنية بصغار الطير ، ملونة الريش ولا ينبت لها ناب ، وما في بعضها من زيت شديد اللمعان ، وإن كان في أصله يميل إلى السواد قليلاً ، فابتلي به كلُّ الجنوب وما فيه من طير .
قال أبي :
حين وطأت أجنحته أرض الجنوب ورحيب سمائها ، لم يتعلم مما كان معه ومع غيره ، نسي حاله ، فعاد إلى ما كان عليه ، كأنَّ الطبع غالب على التطبُّع.
قطع أبي كلامه ، فأحزنني حين لم يأتني نبأ ما أصاب طير الجنوب ، أعشاشها وصغارها ، وقد رأيت الجنوبَ مُشتعِلاً ، فسألت نفسي عما إذا كان نبت له نابٌ ، وكنتُ أحب في طير الجنوب وداعة عيشها، غناءها ولون ريشها ولا أحب أن أرى لها نابًا ، فليسَ هذا هُوَ ما تحتاجه ونحتاجه.
أدرك أبي ما كان لحظتها يدور في خلدي ، التزم الصمت ، نظر إلى عصاه المورقة ، فاستبشر خيرًا ، وقال فيما يشبه الهمس:
سأسْرِعُّ السيرَ بحثًا عما يمكن أن يضمن عودتي ، لكنه لم يفصح ما أراد قوله وما كان هدفه. حسبته راح جادًا في أثر أمي ، اختفى فجأة ، فغمرني يومها حزن شديد ولا يزال يُكدِّرُ صفوَ عيشي .

* * *
أحزنني اختفاءه ثانيةً ، فلم يكمل ما ابتدأه من حديث ، وكان جاءني لينبئني بما أصاب طائر الإلستر ، بعدما حاول فرض نفسه على غابات الجنوب ، طيرها وشجرها وما عليه من ثمر وما في باطن أرضه من خير عميم.
* * *

كان عبد الله ، كما شبه لي ساعتها ، يشبهني ولا يشبهني، يشبه الكثيرين من خلق الأرض ولا يشبههم، يقف قبالة سريري، يتنكبُ سِلاحَهُ، ينوء تحت عِبء صليبه وتحت عبء ما حسبه عقلاً ، كان يبدو مُثخن الجراح ، فاطمأنَّ عقلي إذ عرفته على حقيقته ، لكن زاد خوفي منه ومن حاله ، خِفتُ سلاحَهُ ، خفتُ عليه وعليَّ ، إذ ما كنت لأطمئنَّ لأيِّ سلاحٍ. فالسلاح عدوُّ حامله وعدوُّ من هو على مقربة منه.
قلتُ مُحدِّثاً نفسي وبصوت مرتجف :
هذا هو عبد الله ، وقد أتاني على غير موعد ، ونحن في أسوأ حال ، فلا طعامَ عندنا نزين به مائدة الضيف ولا شرابَ يَبلُّ ريقه ، ولا خبر سعيدا نُسِرُّ به خاطره وينسيه الهموم ، حتى كِدْتُ أصيح وأردد موجوعًا صيحة أحمد من قبل ألف عام وقد يزيد :
بأية حالٍ عدتنا يا عبد الله ؟

***

كان من عاداتنا، دينا وأنا، أن ننزوي فيما يشبه خلوة المتعبد، نهرب من واقع، صارت فيه الحياة مجرد صدفة وصار القتل فيه شيئًا عاديًا ، نوهم أنفسنا ، فنطمئن لأنَّ أحدا لا يرانا ولا يرى ما نحن فيه ، وإن يكن على علم متصور به ، ونأخذ ننبش ، مثل جميع خلق الأرض، عن أجمل ما في الطيون ، فنغيب في حلم وردي الضفاف ، لا نفيق منه إلاَّ وقد تصببت أطرافنا بحبات عرق شبيهة باللؤلؤ المنثور وقطرات ماء الحياة المتدفقة من ” بين الصلب والترائب ” ، فنعود إلى واقعنا بكل ما فيه من منغصات وأفراح .
وكنت أحدثها في كل ما اعترض ويعترض مسار حياتي، سيان ما كان عادياً وما كان محرجًا، يصعب تصور وقوعه وحدوثه، وهو الشيء المخيف ، وكثير منه ما يحدث في يومنا ، ذي العين الواحدة ، والفم الواحد ، وذي النبرة الواحدة ، الواعدة والمتوعدة ، التي ليس ثمة من يردعها عن تهديدنا بالعودة بنا ، أمواتًا أو أحياء أمواتًا ، إلى ما كناه ما قبل التاريخ ، أو هدم بيوت ما اصطلحت عليه في حديثي المتكرر مع دينا ، بجنوب الجنوب ، هدمها بيتاً بيتًا ، كيما يكف أهلها عن الحياة أو أن يرضوا بما لن يرضى به آدمي .
وكان التائه في صحراء يهودا، أدرك بحدسه المتوقد خطر ما نعيشه، فأمِلَ في لحظة تجلٍ :
“أن يحوِّل من يمتلك سيوفًا وحرابًا ، أن يحولها إلى سكك ومناجل تنبش قلب الأرض بحثاً عما فيها من كنوز ، لا قلب الناس . “
كان حضرني فجأة تلك اللحظة وأحسبه عنى حكومتنا، حين هتف يومها ، قبل ما يزيد عن ألفي عام :
” خيوطهم لا تصير ثوبا ولا يكتسون بأعمالهم
أعمالهم أعمال إثم وفعل الظلم في أرجلهم .
أرجلهم إلى الشرِّ تجري وتسرع إلى سفك الدم الزكي .
أفكارهم أفكار إثمٍ، في طرقهم اغتصاب وسحق.
طريق السلام لم يعرفوه ،
وليس في مسالكهم عدل ،
جعلوا لأنفسهم سُبُلاً مُعوَّجة ،
كل من يسير فيها لا يعرف سلامًا ” .
وعنى هذا التائه في الصحراء ، أظُنُّهُ كان يعني ذا النياشين المجدولة من جلود آدمية ومن سبقوه ولحقوه، وقد قبل طوعًا أن يخدم سيِّدَهُ وسيِّدَ سيِّدِهِ وأن يكون سيفهما وضابط إمرة العسس عندهما والجالس عند أرجل مائدتهما . وكان ضُبط هو وعسكرهُ متلبساً بجريمة ، لم تكن الأولى ولم تكن اليتيمة، فشقيقتاها كُثر، كما لم تكن تلك مذبحة العيد، إذ اختلف فريقان فيما بينهما حول ظهور الهلال وعدم ظهوره لمعرفة أوان العيد ، فاستغلَّ جنده الواقعة ورأوا فيها متسعًا ينفذون منها، للنيْلِ من ساكني جنوب الجنوب ، فكان لهم ما أرادوا وقتلوا يومها الكثيرين ، كما كان من قبل وما حدث من بعد .
حين سأل نفرٌ ذا النياشين ، سأله نفرٌ من أهله عما حدث في موقع الجريمة آنذاك ؟ قال :
يُزْعَمُ أنَّ طفلةً صغيرةً، لا يزيد عمرها عن عشر سنوات ، قتلت فوق مقعدها الدراسي ، وغالب الظنِّ ، أكَّدَ ، أنَّ الجندي المسئول عن إطلاق الرصاص اشتبه بحقيبة مدرسية كانت فوق مقعدها ، فصَوَّبَ نحو الحقيبة النار، لكن أخطأها وأصاب الفتاة الطفلة ، فقتِلَتْ .
فرك القائد يديه ، قائلاً بثقة :
لم يكن القتل مُتعمَّداً !
وأوضح لناسه ، ممازحًا ولكن بجدية :
التعليمات واضحة ، حقيبة المدرسة المليئة بالكتب والقرطاسيات أم الفارغة وما تعنيه أخطر في نظري من المتفجرات. الحقائب المدرسية وما تعنيه أكثر ما يخيفنا. نفى ، وكان ساعتها يزين صدره وكتفيه بنياشين من ريش وجلود آدمية ، نفى أن يكون الجندي ، وهو ضابط صغير العمر ذو سيرة عسكرية حسنة ، أفرغ رصاصاته في جثتها الهامدة للتأكد من القتل ، وإن كان ذلك ، كما قال ، متبعاً بين جندنا ، إلاّ أنه استبعد حدوث ذلك ، فالتعليمات لا عيب ولا لبس فيها ، شديدة الوضوح ، وهي توصي أن يفرغ الجندي الرصاص في الرؤوس.
وحين أحرِج بالسؤال أن الحديث يدور عن مقتل طفلة فوق مقعد الدراسة، استدرك أمره وضبط لسانه ووعد بتقديم ذلك الجندي المشتبه بإطلاق الرصاص المميت إلى التحقيق الجذري في ملابسات الواقعة. وبعد سلسلة من المشاورات الهامسة قال :
إنَّ المعلومات التي توفرت لديه تؤكد أنَّ ما يُشاعُ مِنْ حادِثَةِ قتلٍ أمْرٌ لم يقع ، فما كان ثمة قتل ، ونفى أن تكون هناك ثمة مدرسة!
وأردف موضحًا :
كان ثمة مدرسة في المكان، لكنها لم تعد صالحة من زمن بعد التجريفات المتكررة، وكل ما في الأمر، قال :
إن الجندي المكلف بالقنص في منطقة محظورة أثارته ملامح البراءة في تلك الطفلة ، فخاف منها ومن حقيبتها المدرسية ، وأمطرها بالرصاص.
سكت قليلاً عَن الكلام ومن ثمَّ راح يُحدِّثُ صَحْبَهُ وكل من لديه أسئلة عن طهارة السلاح بين جنده .
شعرتُ كأن التاريخ يعيد نفسه ولكن بصورة مأساوية أكثر ، ففي المرة الأولى كان وهمًا ووليد خيال بدائي، وفي الثانية وليد واقع نعيشه ويذكرني بحكمة قديمة سَوَّغتْ هذا الواقع الجديد :
لا تشته موت أخيك وقبره.
حدَّثتُ نفسي موجوعًا :
ما أفظع أن يقتل المرء أخاه لغاية في نفس جشع ويرث ما كان قبره.
ورحت أستحضر، في صمت ناطق ، ما حكاه ذلك التائه في صحراء يهودا، ذات يوم :
” فمن سار على أثرهم لم يعرف سلامًا، لم يعرفوا عدلاً ويجري الظلم في أرجلهم “.
وكنتُ لحظتها أرقبُ ما فعلوه في جنوب الشمال وفي جنوب الجنوب. فما أشبه اليوم بالأمس ، ذاك يقتل الفلستا بفك حمار، كما تقول الأسطورة ، وهذا يقتل أهل الجنوب وكل جنوب بحبات عنب عنقودية وأخواتها ، ويُتْخِمُنا ذو النياشين العصري بالحديث عن طهارة السلاح .
وقد تذكرت عندها ما قاله واحد مرة :
” وعن الأطفال لم نقل بعد الكلمة الأخيرة ” .
فالمخفي ، طيَّ الآبار المهجورة وغير المهجورة، أعظم وأفظع .
أذكر أمي في مثل هذا اليوم الحار من تموز ، دومًا ، كانت ، كما عرفتها، تخاف ما يُعِدّونَه في الغيب، حين تصير يومها قانا، جارتنا المنكوبة ، نسيًا منسيًا من هول ما يُعِدّونَ ليوْمٍ لا يطلع فيه قمر وفيه تسوَدُّ وجوه .
وكان كثيرون من أهل ذوي النياشين رضعوا حليب أمِّ من هدم الهيكل على رأسه ورأس من فيه ، حين كان يصيح :
” الموت لي ولأعدائي يا رب ” .
وكنت لم أكتم عبد الله حقيقة خوفي من هذا القَصَص المروي ومن نفسية تتغذى منه ، فكثيرًا ما تأخذني الرجفة وأنا أسمع أمهات وأطفال الحويين والكنعانيين والحثيين وهم يجرون “تطاردهم زنابير الرب ” ، وقد وعدهم هذا الربُّ بتوسيع تخومهم ” من بحر سوف إلى بحر فلسطين، ومن البرية إلى النهر “، وكان الرب يومها يكلمهم وقد قال لهم :
” إني أدفع إلى أيديكم كل سكان الأرض ، فتطردهم من أمامك. لا تقطع معهم ولا مع آلهتهم عهدًا. لا يسكنوا في أرضك لئلاّ يجعلوك تخطِأ إليَّ ” .
أخاف تلك الاستغاثات وأخاف أكثر أن تكون هي أصوات أمي، التي استحال رَحْمُها مُوَلِّداً لمن سَيُلقى بهم في كل عام عند مَوْسِم الحصاد في أفظع مِحْرَقة، و ” تطاردهم زنابير الرب ” .

***

حقيقة خفتُ يومها ، لا أكتمكم سرًا ، وما في الحياة سِرٌّ يبقى سرًا ، حين يصير معروفًا لعبد الله ، لدينا ولي. لم أخف عنهما ولن أخفي عنكَ حقيقة خوفي وخجلي مما هو حاصل وواقع في جنوب الجنوب وقد ملأت أنوفنا رائحة الدم المنبعث من شط ثاكل فيه.
حسبت أن مسًا أصاب عقلي، صار التمايز بين ناسه تمليه الألوان، لا الخصال والفعال ولا منابت الشجر، حيث انقسموا على ذاتهم بين حمر وخضر وقد نسوا ما يراد بهم ولهم.
( 4 )
المقبرة
قالت أمي:
يحكون، في قريب الزمان، أنَّ مقبرةً كانت تحاذي شارع الرشيد، راحت تتسع باستمرار حتى بلغت شطَّ بحرٍ، اصطبغت رماله بحمرة قانية من هول ما رأت ذات يوم.
روت:
شاهد رجل من ساكني الشارع، ذات مساء، شواهد القبور فيها تتحرَّك وتتحرك فوقها أزهار ” المْريِمِيِّة ” في شبه تململ غاضِبٍ على كثرة ما يأتيها من الزائرين الأموات. وسرعان ما انتشر الخبر كالنار الشمالية التي راحت تعبث في بيوتٍ ، كانت تعمر جنوب الشمال وجنوب الجنوب. اختلف الناس فيما حسبوا أنهم رأوْهُ ، رَأيَ العين، فتحركوا لتسييج المقبرة.
لكن قال الحمر من ناس ذلك الشارع ، يومها: نسيّجها فقط بأعلامنا وأرواحنا ونسكنها جميل شبابنا، أمّا الخضر فأقسموا أغلظ الإيمان :
سنحيطها بأجسادنا وأعلامنا ونبقى ساكنين فيها إلى يوم يزوغ فيه البصر .
وكانت الحارة انقسمت فيما بينها، بين من يناصر الخضر وبين من يناصبهم العداء. واشتدَّ اللغط في الساحات واتسعت جدران المقبرة. وكان من تملي مصلحتهم توسيع المقبرة والجفاء القاتل بين المتخاصمين يطلقون الوعود بولائم عامِرةٍ، مَسْمومَةٍ وبخبزٍ مُشْتبَه .
نسي المتخاصمون موتاهم وأحزانهم ، فاشتدَّ بينهم التدافع والعراك. كان العقلُ أوّلَ قتيل في عبثهم القاتل ، ومات نتيجة لذلك خلق كثيرون. وحين أنهِكتْ أجسادُهُم، أفاقوا قليلا وطلبوا أن ترتاح أجسادهم وأجساد من بقي حيا يرزق وتهامسوا في مجالس عزائهم:
دفن الموتى إكرام لهم ولمن بقوا أحياء.
لحظتها هالهم ما جاءهم من علم وما سمعوا من نبأ :
أنَّ المقبرة تتسع وتتسع ، فباتت تشارف شطَّ البحر، الذي لم تعد رماله آمنة وأنَّ أهل الشمال وصحبهم من أهل الكهف ، المكلفين بضمان استمرار توسُّع المقبرة وزيادة عدد زائريها للإقامة المقيمة فيها ، قد وَضعوا باطن المقبرة وأجواءها تحت تصرفهم عملاً بحكمة قديمةٍ ومنسيَّةٍ، تقول : ” لا تشته قبْرَ أخيك ولا مَوْتَهُ ” ، فثبت لهم عندها وبعد أن خربت قبل ذلك بصرى العراق وأخواتها وصار يصدق فيهم قول الطامعين بهم وبالمقبرة : الإخوة الأعداء، ثبت لهم أن ليس ثمة ما يختلفون عليه وأن كل ما كان موضع خلافٍ كان مجرد مقبرة ، تتسع لأجساد من يراد له أن يدفن فيها حيّاً أو ميْتاً .

***

لم تتمكن أمي من مُتابَعَةِ الكلام، فما حدث ولا يزال يحدث في زمننا يصبغ شعر اليافعين قبل الأوان باللون الأبيض، وقد سَوَّدَ شعر كهولتي.
وكان ما يحدث وما حدث ذكّرَ أمي بما كان وما حدث قبل حين من الدهر، في ذلك العام المشئوم ، من نزاع بين ملكين والطامع في عرشهما. وكان ثلاثتهم يتصارعون في الحقيقة على ما أريد له أن يصير مقبرة لأهله.
غمغمت أمي، محزونةً، لكن بصوت مسموع للقريب وللبعيد :
اتضح، للقاصي والداني بعدها ولمن تبقى في رأسه عقل ، أنَّ فعال أيدينا مكنت الطامعين فينا ويسَّرتْ أمرهم ، فبات الشمال والجنوب من جنوبنا مقبرة حقًا ، ولم ينج من اتساعها وزحفها السريع لا شرقٌ ولا غرب.
ولم أدعها تُتِمُ كلامَها، فسألتُها، كعادة الأطفال الراغبين في أن يأتيهم علم كثير :
لكن، يا أمي، ما قِصَّةُ هذيْن الملكيْن والطامِع فيهما.
غابت أمي عندها في صفنة محزنة وخرساء ، ثمَّ قالت :
حدث ذلك قبل زمن طويل. وكانت صِلة الرحم تربط بين من كان ملكًا على حارة كبيرة وبين من صار، ببيعة غير أهله، ملكًا كذلك ولكن على حُوَيْرَة وبين من كان يوهم نفسه وناسه أنَّ مفاتيح الجنة، يا ولدي، في جيوبه وبين حاجبيه وأنه خير من يسوس أمور الناس في المملكة. وكان يطمح في أن يصير هو ورهطه الأعلون أمير أمارتها.
وشاءت الصدفُ أن هبَّتْ ريح شمالية باردة، فاجتمع الثلاثة يتداولون في مسألة مواجهة الريح.
قال الأوَّلُ:
أنا الأجدرُ بمواجهة الريح، فعلاقات صداقة تربطني بمن حركها وخبر مسار هبوبها ورعى أمر ولادتها! وكانت إذا رأت طلَّتي ، ازدادت انحناء وصارت كالنسيم الرَّخي. وكان يحلم ساعتها كيف يصير ملكًا ولو على حُوَيْرَةٍ وتؤول جوهرة التاج إليه.
قال الثاني:
وأنا صديق من سيضبط هبوبها ، فيصيبنا منها برد وسلام. فلا خطر من الريح ، إذا أحسنا معاملتها. وختم كلامه بكلام ملوك : عندي حكمة العرش وحلمه.
أما الثالث، فقال:
أنا أجدر منكما، فأنا طوع يد من بيده مجراها ومسراها. وحمد ربه على جميل ما حباه .
وسَرْعانَ ما ظهر بينهم الخلاف:
أيُّ الطرق أنجعها في مواجهة عصف الريح؟!
وحين اشتدَّ الخلاف فيما بينهم، تفتق عقل الأول عما فكر به الثاني ونواه الثالث، أن يقتطع كلٌّ منهم جوهرة من خصمه ويلقم الجوهرة فم الريح المفتوح على كلِّ الاتجاهات، علَّ الريح تجانب في هبوبها موقع جوهرته .
قالت أمّي بعد أن رفعت رأسها، وكانت خفضته في أثناء الكلام قليلاً:
كلٌّ حاول أن يُديرَ النارَ إلى قرصِهِ، حتى أخذت أدخِنة النار بعيون كلِّ مَنِ اعترض طريقها وكادت تطال كلَّ ما كان خامِراً وما كان عويصاً. ثمَّ أردفت بلهجة حزينة:
هبَّتِ الرّيح وكانت شديدة، فأطفأتِ القناديل في البيوت وفي الطرقات وسادت عندها وبعدها عتمة مخيفة. ففقد الأوَّلُ حصته من العرش وجوهرة التاج ، أما الثاني فلم يحمه المُلْكُ الذي أعطيه ولم يستطع صيانة هذا المُلْكِ، ففقد رأسه وفقد ما توهَّمه تاجًا وهربت من بين كفيهِ الجوهرة، وخسر الثالث ما ظنه جوهرةً ومات بعيدًا في غمه وأسره، بعيدًا عن الجوهرة، مات وفي قلبه غصَّة.
أمّا الريح، وشوشت أمّي محزونة العينين، اللهجة والقلب، فاستشرى هبوبها وباتت عِقبَهُ أبواب ما كان مملكة، بكل حاراتها وحويراتها، مُشرَعَةً ينوشها فم الريح!
ما إن أتمَّتْ أمي كلامها عما كان من نبأ الثلاثة ونبأ الريح، انفجرت ضاحِكةً، كعادتها، كلَّما انتابها ألمٌ شديدٌ وخوفٌ أشدُّ من هول ما كان وما يمكن أن يكون. ولم تتوقفْ عَنِ الضحكِ إلاّ على وقع صراخها:
كُفّوا، فما تتنازعون عليه ، لن يوصلكم إلاّ إلى مَقبرة .
كانت تصيح :
كان الموت القادم يجيئكم محمولاً ومنقولاً من الشمال القريب، بصورة مُرْعِبة، وأمّا اليوم فبات يأتيكم من بين أيديكم ومن كلِّ فجٍّ وعلى كلِّ ضامرٍ ، فتتسع به المقبرة.
واعتادت تضيف:
واهاً حُزني، كان العقلُ أوَّلَ قتلاكم.
كفَّتْ أمّي، فجأةً، عن الصراخ الحاد، لتقول لي برويّة ولكلِ مَنْ فيهِ سَمْعٌ:
أخاف، يا ولدي، أنَّ ما حدث من سنين هو ما سيكون، اختلفوا على توزيع الأدوار طمعًا واهمًا بالفوز بالسلطة وما في التاج من جواهر، فما فازوا بسُلْطةٍ وخسروا التاج والجواهر وحصدوا، في صيف ذاك العام، ما زرعت مخالب الريح.
قالت، يا ولدي، وقد رفعت صوتها قليلاً :
الريح لا تبدِّلُ جلدَها، قد تتبدل حالاتها وأسماءها، لكن الريح هي الريح، سَمِّها ما شِئتَ، ريحًا صرصر قاسية البرودة أو ريحَ سُموم شديدة الحرارة، أو قل إنها الهواء الأصفر، فكيفما بدَّلْتَ اسمها واتجاه هبوبها، تظل هي الريح ولن تصير خِلافَ ذلك ، إلاّ حين تصير شيئًا مختلفًا، نسميه النسيم .
حركت أمي طرف فستانها مؤكدة أن ما نحتاجه في هذه الأيام الحارة، كالستينات، هو هبة نسيم، تبعثُ الحياة في العظام، فتنعش النفس بعد طول جفاف.

***

شعرتُ، عندها، أن أمّيَ تبكي بصمت ، لكن بلا دموع، فتوقفتُ عَنِ الكلام . رفعت أمي عينيها، فبدتا تسِحَّانِ دمعًا ساخنًا، مسحت ما سحَّ من دمع بطرف فستانها ونظرت محدِّقة في عيني لتستجلي حقيقة هواجسي، ما خفي منها وما بان. وتابعت كلامها :
أكثر ما يخيفني، يا ولدي، أنَّ بعض من يتعجلون الإصباح الموهوم باتوا يساومون على الربط الموجع بين عقل الناس ولقمة عيشهم، فراحوا يسهلون نزع اللقمة من أفواه أطفالٍ، حرموا أصلاً منها، ونزع فتيل العقل فلا يشتعل.
قالت بعد وقفة مع ذاتها :
الجوع، يا ولدي، كافر والشيطان يلتهم الذباب حين يجوع. والمحزن أنَّ الضحية حين تجوع ويشتدُّ عليها الألم تعضُّ ذاتها، بلا رحمة، وتفقد المقدرة على التفكير وتؤذي آخرين، فلا يجوز لومها، الملوم هُوَ من تركها تتألم وتجوع .
أحسَّتْ أمي بقليل من الإجهاد بعدها، فسكتت مؤكدة لي في همس أو ما يشبه الهمس أن السكوت قد يكون أنطق الألم وأبلغ من نطق.

***

دُهِشتْ دينا مما حدث ويحدث في باحة بيتنا الخلفية وقالت إنَّهُ لأمرٌ عُجاب، لا يقبل به العقلُ ولا مُسَوِّغَ لهُ، قد يعصف بما تبقى ولن يعيدَ بعضَ ما ضاع. وأضافت بعد برهة صمت :
كنتُ ولا أزالُ أحسب أنَّ مُشكِلتنا تكمن في طمع الشمال فينا، وَهْوَ حَقيقة سِرُّ البلاوي، لكنَّ ما يحدث في جنوب الجنوب جعلني أرى الصورة بجانبيها، فالمُشكِلة تبدأُ فينا، ولن يصلح حالنا ما لم نُصْلِحْهُ بعقولنا وأيدينا ونهزم الجوع والمذلة، ونذكر حكمة الثيران:
” أوكل يوم يُؤكلُ الثوْرُ المُختلف ” .
وأنهت حديثها، بعد صمت، مردِّدَة بصوت أليم، لكن جهوري: ” المشكلة تبدأ فينا ” . وخفضت رأسها خجلاً مما كان.
تأمَّلتُ دينا. كانت وقتها مُضطجعةً فوق سريري، فبدت مغريةً كأجمل ما تكون. لاحظتْ نظرتي وتطلعي إلى جسدها، فأدْرَكتْ ما دارَ في عقلي، حتى حسبتُها سمِعَتْ ما قلتُهُ في سِرّي وفي همسٍ، فغمرها فرحٌ، شعرتُ معه أنَّ دينا كانت كأكثر نِساء الأرض يقتلهن الثناءُ.
حدثتُها، لنعود إلى ما كُنّا فيه، قلتُ يا دينا، أكثر ما يحيرني هو ما بلغناه، يُفرِّط الإنسان بأجمل ما يملك ويحرِمُهُ الآخرين، فيصحبهم عنوةً إلى مَوْتِهِ!
قالت دينا :
حين لا يبقى للإنسان خيار آخر، يتساوى عنده النقيضان، الحياة والموت، ويصير سيَّانَ لديْهِ عتم القبور أم عيشة الأموات فوقها وتصير الحَياةُ رخيصةً، حدَّ التفاهة، ويصير الموت فضيلة.
قلتُ :
آهِ ما أفظع أن يُخَيَّرَ الإنسان بين ما يحسبها باقية وبين ما يظنها فانية! فالأولى خير من الثانية، وَهِيَ الأبقى، هذا ما يعتقده كثيرون واهمون ، وفي سبيلها تهون الحياة .
قالت دينا :
تلك هي المأساة، أن يقف الإنسان أمام خيارين وكلاهما علقم.
قلت:
أخاف أن يفهمنا البعض وكأننا نبرر ما نقول، فكل ما في الأمر أننا نصوِّرُ واقعا لا نتمنى له أن يدوم.
قالت دينا :
لكن ما هو حاصل يكشف عن لاعقلانية مُفرَطةً، واللاعقلانية الحاصلة تُفرِّخُ لاعقلانية رد الفعل.
قلتُ لِدينا بحزن:
ما نعيشه هو لا عقلانية في الفعل والردِّ عليه.
قالت دينا :
تلك هي المأساة في عالم يمتاز بلاعقلانية الفعل والردِّ عليه، فما يحدث في جنوب الجنوب وجنوب الشمال وكل جنوب هو لاعقلانية في الفعل والردِّ عليه.
***
وبلا طول سيرة، استجمعتُ شجاعتي وفككتُ عُقدَةَ لِساني وحدَّثتها عما اعترضني وظهر لي في تلك الليلة الحارة من تموز.
***
كنتُ أقنعتُ نفسي، فالناس ، كما خبرتها ودينا منهم، يصدِّقون أكثر ما يقال لهم وإن يكن مما لا تصدِّقه العقول، إن هِيَ شُغِّلتْ! وهو ما أمِلتهُ: أنْ تصدِّقني دينا حقًا، رُغمَ ما في حكايتي من غرائب. ولا أخفي عنكم حقيقة أمري، فكم صدَّقتُ في حياتي ما لا يصدِّقه العقل، وكنتُ أرضى لنفسي ما كنتُ سأرفضه لو حكمتُ عقلي !
كانت نُذُرُ الحرب قد كثرت في ذلك الحين، الذي سبق بدء القتال في تلك الليلة الحارة من تموز والتي شهدت ظهور عبد الله فجأةً وكان السبب في ذهابي، عاريًا، أجري في الزقاق بحثًا عن دينا، وكانت في معيتي ولم أكتشف ذلك إلاّ متأخرًا، فقد هالني ما وقع، عدوتُ لأكشف لها سري وظهور عبد الله في تلك الليلة الحارة من تموز الذي تبدَّلت أحواله، فصار الدم، وليس الماء، يغلي في العروق لا في الكوز.
وإن اختلف بعض الناس في أسباب الحرب، إلاّ أنَّ أمي، سبق وعرفت الكثير من المحن، قديمها وحديثها ، كانت تؤكد :
ابحثوا عن الجشع، فهو مصدر الداء وسبب البلاء!
وكانت ، يومها، تصر أنَّ رائحة قوية لزيت محروق تفوح في الأفق، دون الدخول في أيٍّ من التفاصيل المحزنة والمثيرة، فلم تجد لزامًا عليها قول أكثر مما يجب أن تقول وتوضيح ما لا غبار عليه وما إذا كانت ريح السموم هي التي تهب من بعيد وتقطع البحار والجبال والسهول، لتجتمع عندنا، مثيرة الزوابع الحارقة، فتشتعل حرب الشمال على الجنوب وحربه المقيمة على جنوب الجنوب، وأكثر العالم كان في قيلولة، كما أتذكر، يتجنب حَرِّ ذلك النهار وشرَّ هاجرته، وينعم بقضم البذور المُسَلِّية والحديث المثير عن سيقان الصوماليات والسودانيات. ويحتدُّ الجدل والتنابذ بالألقاب بين هذا البعض الملتزم قيلولته: أيُّ السيقان أكثر إغراءً للجيوب ولتمتع المعد المتخمة، الصوماليات أمِ السودانيات، فتهب على البلدين، في أعقاب الجدل، ريح سموم.
قالت أمي مستدركة :
إنَّ من يحسب نفسه سيِّدَ عالمه وقومه تعرض للوم زوجته حين اعترف، للقريب وللبعيد، أنَّهُ قتيل هوى السيقان، حين تكون معطرة بزيت الجنوب الحار، وهو ما قاله لزوجته ولمن بات من نزلاء ناديه وأضاف :
” قولوا لكل من يعنيني إخافته وبلواه من أهل الجنوب ولبعض من يسكن الشمال إنّي مجنون، فلعلَّ يأتيهم من هذا القول خوف شديد “.
وكان صاح، في أكثر من باحة وأكثر من حفل، صاح مُسَلِّيًا نفسه:
” يجدر بأهل الجنوب أن يأتيهم مَنْ يُعلِمُهُم أنَّ ثمَّة من يُخيف . ”
***
حين رأيتُ الدَّمَ ينزُّ من جراح عبد الله، وقد انشق الحائط عنه وظهر أمامي بغتةً، خفتُ الدمَ وخفتُ الجراح وأصابتني، أمسَكتْ بكل أطراف جسدي، رعدة الدهشة، فسألتُ نفسي خائفاً :
كيف بعد كلِّ هذه السنين الطويلة ظلَّتِ الجراح ماثِلةً للعين وتنزُّ دَماً ؟
ليلتها قلتُ لِدينا صراحة :
ذكرتني جراح عبد الله بجراح ودم ناس الجنوب، التي راحت تنزُّ في عزِّ الظهيرة، وكان بعض الناس في عالمنا، ممن تحسبهم من الكبار وبعضهم كان إخوة رَحْمٍ ، ظلوا يحتفظون بمتعة قيلولتهم، ظلوا كما تقول غنوة قديمة: ” والعالم في غيبوبة ” ، فسحَّتْ عندها دماء كثيرة، ملأت السهل والجبل وروت كروم العنب والتفاح والميس، العالقة بين الصخور المبعثرة، وظلَّ البعضُ وكأنَّ ما عند قُرَيْش خبر. ولم يكتف هذا البعض بالتزام صمت أهل القبور، إنَّما انضمَّ إلى حلقة الرقص ابتهاجًا بليالي العزاء.
قلتُ لِدينا متحسرًا وجعًا :
ما أفظع أن يرقص البعض في جنائز الآخرين، كما رأيتهم يرقصون فوق فوَّهات المنجنيق طربًا، يوم عاد قصف جنوب الجنوب وعاد الحزن يسكن بيوت الصفيح فيه.
قالت دينا مُعْترِضَةً :
تعني فوَّهاتِ المدافع لا المنجنيق!
أجبتها، ملاحظًا ما خبره عبد الله حقًا وحدَّثني به وما خبرته وحدَّثتني به الحياة :
الأمرُ سيّان، فلا فرقَ بين أن يُقتلَ الإنسانُ بزيت المنجنيق المحترق وحجارته المُدَمِّرَة أو أن يُقتلَ ، في وضح النهار وعلى مسمع مَن احترفوا الصمتَ حين يكون الموت جنوبياً، فلا فرق، قلت، بين القتل بالمنجنيق أوْ بغيره، فالقتل صورته واحدة ومصيره الموجع واحد، سيان كيف يكون، بشظايا القنابل العنقودية أم التي بلا عناقيد، تلك التي غطاها وحل الشتاء وتلك التي لم يطمرها وحل، لتواصل فعلتها بعد حين :
خطف أرواح ساكني الجنوب !
سكتتْ دينا ألماً وسكتتُ أنا كذلك، فجراح عبد الله الغائرة، العميقة والمزمنة ذكرتني، تلك الليلة، بجراح ناس الجنوب وكادت تُفقدني القدرة على الكلام. وكنتُ فقدتُ القدرة على الكلام حقًا يوم قرأت ما رويته لعبد الله، ليلتها، عن ذلك المُسِنِّ المُقعَدِ والمَطروح أرضاً، وقد راحَ يُجيبُ على أسئلة مَنْ أنيطت به مُهِمَّةُ التحقيق فيما وحَوْل ما كانَ سيفعلهُ لَوِ انقلبَ الزمنُ وعاد المسن فتيًا، أذكر ما قرأته جيدا :
قال المُسِنُّ :
تتهمني بما ليس فيَّ وليس من خصالي ولا يسوِّغه العقل، فلن أعود فتيًا، كما تقول وتزعم، وكل ما عشتُ أحلم به أن تعيشَ وأعيشَ، كل في سمائه وبين ناسه، وننعم بما حبتنا الطبيعة.
شعر المُسِنُّ بما يشبه الاختناق، فالسلك الكهربائي المتصل بأطراف عدة من جسده الموهن ، لتقدم عمره ولكثرة ما عرف من ساعات تعذيب، كان إذا ما شُغِّلَ يتركه في رجفة صاعقة، فلا يأتيه بعدها كلام، لا من خلف ولا من أمام، ولا يسمع ما يقوله المُحَققُ أو يُقالُ لهُ وعنهُ. وحين توقفت نوبة التعذيب وكفَّ السلك عن أن يكون متصلاً، غالبه شعور قوي بفقدان التنفس. ولكن حين استعاد وتيرة أنفاسه المضطربة، التي وحدها كانت تؤكد أنه ما زال حياً، غالباً ما كان يتذكر حديث أمِّهِ عن الحسنة في وصل الرحم، فيتساءل هامسا :
ما أفظع أن يكون الوصل بالسلك الكهربائي! كأنَّ الرحمَ لم يعد يجمع بيننا.
كان يصحو، فيستعيد قواه العقلية، ويصحو على حاله مُقعَداً، مطروحًا أرضًا، يمثل بين يديِّ المحقق، يحضره سؤال المحقق ووجوب الإجابة عليه، فيقول بصوت عاجز أنهكته سنوات العمر وما تعرض له من مصير:
كل ما أستطيع أن أرويه لك هو حالي، الذي بات مصيري في سجن شيَّدته أنتَ. فأنا مقعد ومطروح أرضًا وأنت تجلس فوق مقعد وثير، بكامل قواك وعسفك ، تسومني شرَّ عذاب، تطفِأ أعقاب السجائر فيما كان جسدي، يُشَكِّلُ هذا السلك، وقد أشار بيده الراجفة إلى سلك معدني موصول بالتيار الكهربائي، ومسلكك هذا، قال ، هما كل ما بَقِيَ يربط بيننا، وتسألني عما ليس لي به علم، تسألني كيف سأكون، إذا ما رجعت فتيًا، وما ستفعله يداي وعقلي!؟
قال المسن وبعد استراحةٍ أملتها حاجة المحقق:
أحسبك تخاف مصير من سبقوك إلى هذا المقعد الوثير أكثر من خوفك مني، فمثلي لا يخيف ولا يخاف ، ولن أكذبك الأمر، فلن يقبل عقلي، ولو في لحظة جُنونٍ واهِمٍ ، تبدُّلَ الأدوار، فأصير محققًا، بكامل قواي وعسفي، وتكون مقعدًا، أرغمك على افتراش الأرضية الباردة، فلن أسوم أحداً غيري ما خبرته هنا، تجلبون المرء عنوة ولا تخلون سبيله إلاّ في حالتين، إمّا مَيْتاً أو بقايا آدمي.
***
كنت أمثل عارياً بين يديْ دينا الحانيتين، كما ولدتني أمي في أحسن صوري ، حين حدثتها :
رأيت عبد الله، كان يتنكبُ سلاحه، السيف والدرع، وكان كما تصورته ، مثخن الجراح ويحمل صليبه الذي ظلَّ يُلازمه.
استغربت دينا كيف عرفته ولم يكن لي سابق معرفة به. عرفته من جراحه وطلعته . أجبتها بلا تردّد. وأضفت ، دون أن أشغل فكري ملياً ودون روية:
ظهر واقفاً بكل هيبة سلاحه!
شعرتُ عِنْدَها أني كبوتُ ، مثل كل ابن أو ابنة آدم ، حين زعمتُ :
أنَّ للسلاح هيبة!
لكن نهضتُ سريعاً، فقلت مُتسائلاً، محدثًا نفسي بصوت مسموع ومستدركاً، كي ما تسمعني دينا وأسمعني، فتطمئن نفسي:
وهل للسلاح من هيبة ؟ وهو الذي شُحِذَ لحرمان المرء أجمل ما فيه!
حدثت نفسي هامساً :
وهل يخطأ المرء في معرفته؟ ساءلت نفسي همسًا وسألت دينا.
قلت مضيفًا :
من يتنكب السلاح، لا بدَّ أنه يحمل الصليب على كتفيه وتنزف جراحه، فحيث يكون السلاح، يكون صليب العذاب وتكثر الجراح.
أضفت :
هذا ما علمته التجربة، وهي خير معلم. فهذا ما كان وما سيكون، إلى أن يجيء يوم، يحوِّلُ العقل فيه السيوف إلى مناجل ، فتجْمُلُ ليالي الحصاد في تموز، تعطِّرُهُ النسائم ولا يعود يعرف ثِقلَ الغبار، الذي تثيره القنابل العنقودية وغير العنقودية.
قلتُ لِدينا، وقد غادرتني نشوة الحلم بعالم بلا قنابل، قلتُ لها بصوت مسموع:
هُوَ عبدالله! لن يلتبس الأمر عليَّ، فلا يعقل أن يكون غيره، ولن تكونَ طلعته مغايرة، حتى بعد موته، طالما ما زال يحمل سلاحاً!
أوضحتُ ما أردت قوله :
قد تختلف ألوان الحجارة فوق رقعة الشطرنج، لكن مصير المحارب الواقف فوقها، في كل زمان ومكان، واحِد :
الصليب والجراح، أن يَقتُلَ أو أن يُقتلَ، فالمُحارِبُ على رقعة الشطرنج قد يعترض، يدافع أو يهاجم، لكن مصيره القتل في نهاية اللعبة. وما أخشاه هو أنَّ الملكة وسادَةَ القلعَةِ، من سرقوا القلعة فعلاً ، صاروا، في غفلة من الزمن وناسه ، مُلوكَ عالمنا وحوَّلوه إلى ما يشبه رقعة الشطرنج، ساحة قتل.
وشوشتُ دينا ولكن بصوت حازم:
أتأمل مسار عالمنا وواقعه، فأخلُصُ إلى نتيجة، علمتنيها تجربة الحياة، فالفقراء لا يمكن أن يصنعوا حرباً، ليسَ لهم مصلحة في ذلك ولا قدرة على إشعالها، لكنهم، أعجب لغبائهم وقلة حيلتهم، كثيرًا ما يرغمون، بمختلف الوسائل والذرائع، ليكونوا وقودها الآدمي، فتشتعل بهم وتُشعلهم. يُساقون إليها سوق النعاج إلى المجزرة. وتحَوِّلُ في أوارها قطرات دمهم المسفوك على قارعة الطريق زيتا يملأ الخوابي المتخمة أصلاً في أنابيب من أشعلوا حقًا قتال الإخوة .
قلت عندها وبصوت يخنقه الألم :
كيف نظرتِ شمالاً وجنوبًا، شرقًا وغربًا، قديمًا وحديثًا، تطالعك حقيقة مرعبة:
يقرر الحرب الجالسون في البيوت العالية ويتدافع، لقتل الواحد الآخر، ساكنو الكهوف وعلب الصفيح.
بدتْ دينا، بدت لي مُطرِقة حزناً، سألتها وبألم:
ألا يجمُلُ بنا أن نرَدِّدَ صَيْحَة أمِّه، أوْضَحْتُ أمِّ عبد الله، حين رأته يعتلي الصليب بين أسوار مكة المستباحة وكان مُطأطأ الرأس حزنًا على سلطة ظنَّها ستؤول إليه ، لكنها قتلته، إذ صاحت:
أما آن لعبد الله أن يترجل! ويكفَّ عن أن يتنكب سلاحه، فلا يحمل صليبًا ولا يعرف جراحاً.
قالت دينا :
أحْسَبُك أصَبْتَ إذ قلتَ يترجَّل، كان عبد الله فارسًا ولم يكن راجلاً، والفارس هو من يترجل، لم يكن مجرد عبد الله، أي لم يكن واحدًا من ناسنا العاديين، فأولئك حين يقتلون، لا يُتركون لينتصبوا، فيترجلوا، يُرمَوْنَ إلى قتلهم. وأحسبه كان زمنًا طويلاً، كأترابه، يسوق الكثيرين إلى موتهم، وقد سيق إلى موته، حين ظهر أنَّ من تخاصم معهم من أترابه، كانوا أوفر حظا وأشدّ حيلة ومكراً وأغنى مالاً وأكثر عدةً وعديداً وأفظع فتكاً وأقلَّ مشاعر إنسانية وعفوًا عند المقدرة.
قلتُ :
أصبت يا دينا، فما عنته أمه:
أما آنَ لهذا الفارس أن يترجل ، أن ينزل عن صليبه،
و ما أردتُ قوله:
أن ينزل عبد الله وكل عبيد الله من على رقعة الشطرنج، فلا يظلُّ متسع لقتل، قاتل أو مقتول، ولا متسع لصليب عذاب! وكم لازمني شعور جامح وأنا أتأمل مصير عبد الله وأدركتُ أنَّ جراحه لا تزال تنزُّ دماً، فخلتني صائحاً، كمن يهتف في حفل أو في جمهرة من قوم:
هذا أنا، فعبد الله هو نحن، أنتِ وأنا، أنا وهم ، هو مَنْ يعتلي خشبة الصليب، فآنَ لنا أن نترجّلَ ونكفَّ عن حمل الصليب.
قالت دينا وهي تغالب دمعة، كادت تفرُّ من عينيها:
حقاً للسيف حدّان، فإمّا أن يقتلك وإمّا أن يقتل الآخر، الذي هو أنتَ في آخر المطاف. فالمُعادلة بسيطة، تابعت دينا كلامها موجهة الكلام إليَّ بصوتٍ مرتفعٍ، فلعلّي أزداد معرفةً:
في الحالتين أنت القاتل والمقتول والفائز هو الموت، فتلك هي عبرة مقتل عبد الله.
قاطعتُ دينا: الفائز هو السيف، فالموت هو حياة ولولاه لا تكون حياة، وعبد الله هو الضحية، سيان كان راكبًا أو مركوبًا.
وأردفتُ :
لم يكن السيفُ يوما أصدق إنباءً من الكتب، فالقتل كان في حدَّيْه، وفي شفرتيه، لا الحدُّ بين الجد واللعب، كما قيل لنا طويلاً، والاحتكام للسيف لم يكن، في أيِّ حالٍ، من عمل العقل، بل هو نتاج شططه وانفلات جنونه.
هذا ما أكدتُه لدينا، لأصلح كبوتي عن هيبة السلاح. وأكثر ما أخشاه، قلت لدينا بحسرة الملسوع من قسوة التجربة، قديمها وحديثها، إنَّ إخوتنا الأعداء لم يتعلموا شيئًا من تجاربهم وتجارب غيرهم، فالخطأ في عرفهم يكمن في كيف أعَدّوا لها، لا في الخروج إليها. ولا زالوا يرون في السلم عبئًا يقيِّد حركتهم، يحدُّ من غلوائهم ويُقلل فرص انتفاخ جيوبهم. والأنكى من ذلك أنهم باتوا يرون في السلم استراحة ، مجرَّدَ استِراحةٍ، ليتعلموا للجولة المقبلة وما يليها من جولاتٍ آتِيَةٍ لا مَحالة.
* * *
طأطأتُ رأسي قليلاً، وهي عادةٌ فيَّ، خبرتها دينا، تلازمني، كلما دهمتني الحاجة أو الرغبة في اقتناص لحظةٍ للتفكير.
لاحظتْ دينا ذلك، لا شكَّ، فبادرتْ إلى السؤال :
ما الذي يُشغِلُ عقلك؟
قلتُ، بعد برهة صمتٍ كنتُ في حاجةٍ إليها:
صراحةً، خشيتُ أن يُسيء عبد الله فهمي. وهو ما حكيته له ليطمئن على سيفه ونفسه. فلم أعنِ نزع سلاحه دون غيره. من الخبل أن أطلب إليه نزع سلاحه، وهو القتيل غدرًا وعنفاً، وقد استعان به ليردَّ طمع الحجاّج في انتهاك أسوار مكة وانتهاك حرماتها، وما فيها من زرع وضرع. ما كنتُ أعنيه وأتمناه هو نزع سيوف الجميع والاحتكام للعقل، حيث تكون معضلة. كم حلمت أن أعيش في عالم لا سيوف ولا حراب فيه.
شعرت لحظتها أنَّ زلة عقلي فظيعة، فلا يُعقل أن يكون للسلاح هيبة.
***
سألتْ دينا، بعد أنِ اطمأنّتْ قليلاً :
تُرى، حقاً، رأيت عبد الله ؟
وأردفتْ مُؤكدةً :
كنتَ حدَّثتّني، أنه مات من ألف عام أو يزيد، وهل حقاً كلمته وكلمك! أيُعْقلُ أن يتكلم الأموات ؟
فطمأنتها، قلتُ لها:
إنَّك تدرينَ أكثر مما أدري!
صمتتُ برهةً، ثُمَّ تابعتُ حديثي:
كثيرون ممن نحسبهم أمواتًا هم أحياء، يعيشون في ذاكرتنا وعقلنا، نُحادثهم ويتحدثون إلينا، نُشاركهم همومنا، وما أكثرها في هذه الأيام، ونُقاسِمُهُم أفراحَنا، على نُدْرَتِها، ونُحاوِلُ، قدر المستطاع، التعلم، الإفادة والاستفادة من تجاربهم الغنية، وكثيرون ممن نظنهم أحياءً هم في الحقيقة ميّتون أحياء، لا يَهُشون ولا يَنِشون.
لكنها أصرت مستغربة، وهي العليمة بتجليات عالمنا:
لكن هل يعود حيًا من قتل صلباً وتمَّ دفنه وباتت عظامه تراباً! فما حدث أنْ قام أحد من قبرِهِ!

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق