ثقافة المقال

الشعر والصوفية عند كولن ولسون.

بقلم: حسين جبار “ديموزي”

الكتب الجميلة لا تحتاج دائمًا للبحث عنها، فأحيانًا تقع على أحدها بالصدفة! وهذا ما حصل لي مع كتاب كولن ولسون: الشعر والصوفية، ترجمة عمر الديراوي أبو حجلة، ونشر دار الآداب ببيروت، بطبعته الأولى، عام ١٩٧٢. وقد كانت معرفتي الأولى بولسون عن طريق كتابه: اللامنتمي. وقد كان للعنوان: الشعر والصوفية، وقع ساحر وغرابة جاذبة فلم أتوان عن أخذه.
بشكل عام، يتألف الكتاب من قسمين: الأول يبين فيه ولسون نظريته، أو لنقل فكرته، حول صلة القرابة بين الشعر والصوفية.
أما الثاني فيتعرض فيه لأربعة شعراء، هم: روبرت بروك، و. ب. ييتس، ا. ل. روز، و نيكوس كازانتزاكيس.وهنا سنتتبع ما يقوله ولسون في القسم الأول فقط، وهو الجزء الأهم من الكتاب برأيي.
في البدء أرى من الضروري توضيح أمر هام: وهو أننا في مجتمعاتنا الإسلامية ننظر للصوفية بوصفها فرقة من الفرق الإسلامية، ومن أي موقع (مذهب) تنظر للصوفية فأنت تقيس المسافة الفاصلة بينك وبينها على أساس مدى تقارب أفكار مذهبك منها. وهذا الأمر سيجعل فهم هذا الكتاب، وغيره من الكتب التي تتناول الفكر الصوفي عامة لا باعتباره مذهبا لجماعة معينة، أمراً ملتبسًا. فالكلام هنا، وعلى وجه التقريب، هو عن مشاعر عميقة قد يستشعرها أي إنسان كان، دون اعتبار إلى أي دين أو مذهب انتمى ذلك الإنسان. بل حتى الملحد قد يعتريه ذلك الإحساس الذي يقصده الكاتب! فموضوع الصوفية هنا، أو لنقل بدقة المشاعر الصوفية، خاصة في الشعر ميدان البحث، ليس هو الله بالضرورة، بل هو الكون أو الوجود برمته. وتعريف التجربة الصوفية عند ولسون سيوضح هذا، فهي عنده ((لا تعدو كونها قدرة كامنة لدى كل إنسان في حالة الوعي العادية، وليست شيئًا يجوز استثارته عن طريق اللجوء إلى وسائل تنعدم السيطرة على فعاليتها فيما بعد))ص٧.
فالصوفية ((لم تعد موضوعاً يقتصر الإهتمام به على أفراد معينين أرفع من المستوى المعتاد))ص٨. بل هي في الحقيقة عند ولسون تمثل مشكلة هذه الحضارة (لا ننسى أنه يقصد الحضارة الغربية). فالحياة المريحة التي جلبتها هذه الحضارة للإنسان ((تنقص من قدرته على المقاومة والصمود، وبالتالي يجد الإنسان نفسه متردياً في حمأة تنعدم فيها البطولة. (…) والحياة المريحة تورث الإنسان تآكلاً روحيًا.(…) نحن نجد هذه المشكلة في صميم أعمال كل كاتب كبير في القرن العشرين))ص٨-٩.
ويمضي ولسون في تبيين نظرته”التبسيطية”للصوفية فيذهب إلى أن((الإنسان في مرحلة ما من مراحل ارتقائه المقبلة سوف يتوصل إلى السيطرة الكاملة على منافذ تلك الطاقة الداخلية التي تخلق المعاناة الصوفية(…)وسوف يبلغ تلك الغاية عن طريق عملية تعلم، تمامًا كتعلم عزف سوناتات بيتهوفن أو قيادة طائرة هيليكوبتر))!ص١٥.وكأننا هنا أمام صوفية حداثوية! تلك التي تستخدم مفاهم التطور والإرتقاء الدارونية! أو لنقل أننا أمام “صوفية غربية” لا تتردد حتى هنا في تطبيق النظريات “العلمية”.

الصحوة الكونية.

((شعور مفاجئ بأن كل شيء حسن، وأن قصور الإنسان عن رؤية ذلك لهو مجرد غباوة فيه، وضرب من عمى الألوان لديه))ص١٦. لقد شعرت أكثر من مرة بهذا الإحساس من قبل. ذلك الإحساس الأخاذ بأن الكون جميل وأنه قريب منك بل تشعر وكأن روحك واسعة وسع الكون! ويراودك شعور لذيذ وحزن غامض وحب لكل الكائنات! هذا الإحساس، وهذه الحالة من المعاناة السامية والتوتر، هو جوهر التجربة الصوفية التي يراها ولسون. وفي هذه اللحظات الخاصة نكف عن اصدار الأحكام الحسنة أو السيئة على الأشياء، ونرى جمالها كما هي لا لشيء إلا لأنها جزء من الوجود الذي نحن جزء منه. هنا ((نكف عن التصرف كقضاة وناقدين، ونضحي أبرياء قابلين للتأثر))ص٢٠.
((إن المعاناة الصوفية أو الصوفية لهي بسيطة جدًا مثل ازاحة ستار أو ادارة مفتاح النور))ص٢٠. ويصل ولسون إلى النقطة التي يبتغيها ليؤكد أن الصفة التي يتفرد بها الشعر هي ((أنه يملك نفس الطاقة التي تحتويها الرعشة الجنسية في إزاحة الستار أو الضغط على مفتاح النور. (…) ويمتلك الشعر الجيد هذه القدرة، قدرة النفاذ إلى تلك الطبقة الأعمق (من الوعي)، قدرة إصدار الأمر بالإسترخاء والزام الطاعة بتنفيذه. هناك يتم تخفيف التوتر وتخرج تنهيدة بالارتياح. وعندما يحدث ذلك تواجهك الحقيقة الرئيسية في المعاناة الصوفية: حقيقة أنك تفعلها أنت نفسك، بطريقة ما. إنها تشبه تمامًا معرفتك أين تجد زر قطع التيار في مولد كهربائي. وفي كل مرة يتم لك ذلك، تلمس نفس هذه الحقيقة الرائعة: حقيقة أن الصداع، والقلق، “والألف صدمة طبيعية التي يتلقاها الجسد”، ليست جزءاً لا يمكن تجنبه من وجود الإنسان))ص٢١.
ولكن هذا الشعور لا يدوم طويلاً، ذلك أن “مولد الإهتمام” الذي ينطفئ فنرى جمال الكون سرعان ما يشتغل مجدداً فيعيدنا إلى رؤية الوجود كشيء رتيب ممل وقاسٍ. والصعوبة هنا تكمن في أن هذه الحاجة النفسية في الهدوء والاسترخاء ليست سهلة البلوغ فحسب بل ليست سهلة الملاحظة حتى؛ على عكس الشعور بالحاجات الجسدية التي تعمل بشكل آلي. ففي الحالة النفسية ((فإن الإنسان عاجز عن اطفاء “المولد” لديه عن الاستمرار بالطحن والدوران. وينطبق هذا على الأذكياء أكثر من انطباقه على الأغبياء، وذلك لأن ذكاءهم يجعلهمم يهدفون إلى التحكم في عواطفهم بقدر أكبر. (…) ويمتلك الفن الرفيع بأكمله هذه القدرة العجيبة على تجاوز ذلك السجان وضغط مفتاح اطفاء النور. ذلك ما يدور حوله الشعر. إنه صيغة لبث شعور “الوعي بالإجازة” دون حاجة إلى إجازة حقيقية))ص٢٢-٢٣.
والشعر المأساوي يمثل بداية الشفاء. ذلك أنه في اللحظة التي أتقبل فيها ((فكرة قدر الإنسان المأساوي، (أو قدري) فإنه يغدو بمقدور السجان أن يأخذ اجازة من العمل لأنه يعرف أسوأ ما يمكن. وهكذا يتوقف التسرب))ص٢٤.
إذن فالمسألة هي مسألة مدى عمق الوعي والإدراك، وليست مسألة تناقض بين عالم واقعي وعالم خيالي. وإن ((ميزة الكاتب العظيم حقًا هي قدرة عقله على الوثوب فجأة من مستويات الإنسان العادي فيه إلى إدراك فجائي للقيم الشاملة))ص٣٦.

الإنسان الآلي.

لا شك أننا نفعل الكثير من الأشياء بشكل آلي، خصوصًا الأشياء ذات الطابع التكراري، والتي نضطر لفعلها بشكل يومي. وكل شيء نتعلمه يخزن في داخلنا بحيث لا نحتاج في المرات القادمة في تعاملنا معه إلى استحضار كامل وعينا. وهذا المخلوق الآلي الذي في داخلنا يكبر معنا كلما كبرنا. فالطفل دائم الإندهاش والاستغراب من كل ما حوله لأنه لم يطور روبوته بعد، لذلك هو يشعر تمامًا بجدية الأشياء والحوادث مستحضراً معها كامل وعيه وانتباهه. أما نحن البالغون ((فقد تسلم الروبوت فينا كثيراً جدًا من وظيفتنا نحن. وكانت النتيجة ما يلي: حين تكون الحياة سليمة هانئة نجد من الصعب علينا أن نحس أننا أحياء حقًا. هذا بينما الحياة هي الشعور بالإرادة كما يوضح نيتشه. وها نحن قد نقلنا ٩٩٪ من ارادتنا إلى روبوتنا))ص٤٥.
يستخدم الباحث مصطلح “القبول” وهو يصف حالة الإرادة العاطلة عن العمل لمدة طويلة. حيث أنها ((تترهل وتغدو قصيرة النفس. وحينما نصل إلى هذه الحالة نرى أنه لا شيء يستأهل عمله، وإذ ذاك تغدو الحياة في نظرها حياة مسطحة لا أطراف لها)) ويتخيل ولسون هذا القبول مثل ((ظل خسوف ينتشر على وجه القمر)). ويستخدم أيضًا مصطلح “هامش نيون”((ليدل على المساحة التي يغطيها الظل))ص٤٥. وهذا الروبوت يحتوي على ((طبقة فوق طبقة من سعادة مكثفة (كانت قد دخلته من خلال التجارب العديدة التي قام بها) بحيث لا يمكن احداث اهتزاز فيه إلا بعد بذل مجهود ارادة استثارته اللازمة))ص٤٦. ويرى الباحث أن هذا يماثل روح التأمل الديني نفسه. بل ((إن الشعر والتأمل الديني متشابهان في أساسهما فلهما نفس الهدف))ص٥١.
(أفتح لنفسي هنا قوساً وأقول بأنه حتى لو سلمنا بالهدف المشترك للدين والشعر-مع صعوبة هذا التسليم- فإن هذا لا يعني أنهما يوفران الإمكانات ذاتها للإنسان، ويفسحان المجالات ذاتها لطاقاته ووعيه. فالإنسان المعدم يتخذ غرفة، قد لا تقيه لا من حر ولا من برد، من أجله سكنه؛ وللغاية ذاتها يتخذ الغني المترف بيتاً أشبه بالقصر! فكم هو الفرق بين ما توفره تلك الغرفة وما يوفره ذلك القصر؟! وأتذكر هنا ما قاله الدكتور علي شريعتي وهو يصف الدين والأدب: فالأدب يفتح لك نافذة بينما الدين يعبد لك طريقًا).

علائقية الوعي(وهي في ترجمة ابو حجلة علاقية).

يتسخدم ولسون مفهوم الوعي المزدوج. وهو استحضار أمكنة أو أزمنة ليست ضمن نطاق اللحظة الآنية مما يبعث في النفس سعادة مكثفة وإيجابية. فالعقل البشري((يمتلك قدرة كامنة فيه على خلق حقيقة الأمكنة الأخرى حتى تغدو واقعية تمامًا، كالأمكنة التي نكون فيها فعلا في تلك اللحظة. وهذا يعني أن الرأي المبتذل المعروف -في أن ما هو “هنا-الآن”، هو الحقيقي فعلا، لهو رأي باطل))ص٦٩. ويقرر ولسون أن “الوعي الصوفي” ((لا يختلف عن الإدراك العامي في الحياة اليومية من حيث “النوع”، وإنما يختلف فقط من حيث “العنف والشدة”))ص٧٦. ذلك أن قدرة التركيز لدى الرجل العادي ((صغيرة نسبيا (…) لأنه لم يتوصل البتة إلى أن يفهم لا طبيعة وعيه ولا علاقته بالعالم))ص٧٧. ومن أجل هذا الفهم يقسم لنا ولسون الوعي إلى نوعين: الوعي الأفقي، وهو يتصف ((بنقص الإحساسات والتعاطف. (…) خال من القيم. إذا عنيت بالقيم شيئًا أتجاوب معه في الشعور)). والوعي العمودي، وهو يتضمن ((احساسا قويا بالقيم(…) ومرتبط ارتباطا مباشرا مع الإرادة، فهو يولد إحساسا بالجدارة التي تؤدي إلى بذل الجهد))ص٧٩. والمقصود بفهم المرء للطبيعة العلائقية للوعي ((هو توقفه عن القبول بالبقاء مختنقاً يدُعُّه الوعي الأفقي لديه، وإيقاظ ارادته من حالة هجوعها الطويل))ص٨١. ثم الخطوة التالية هي ((محاولة نفاذ المرء إلى مستويات طاقته الأعمق))ص٨٢. و((حين يظن الإنسان أنه قد استنفد العالم إنما يكون قد استنفد عقله في الواقع))ص٨٣.

مالذي يريده ولسون؟

أنه يبحث عن إمكانية العيش بسعادة. ولكن ولسون، الإبن البار للحضارة الغربية، يرى أن التأمل الديني((ليس لديه شيء يخبرنا إياه ولا نستطيع أن نعبر عنه بنفس الدقة في أسلوب تعبيرنا في الغرب))ص٥١. والصوفية التي يريدها إنما لكي تحقق فقط هذا الإحساس بالسعادة هنا في الحياة. وهنا يقدم لنا ولسون فهما سطحيا للدين مع أنه يبدي دقة ملاحظة وعمق كبيرين في تحليل النتاجات الأدبية. فهو يرى أن من أسباب غرق الإنسان في التفاهة هو أن الدين قد اعتاد على تزويده((بمعنى اعتباطي للهدف، وباهداف بعيدة، تقوم مناظرة تفاهة الحياة العادية))ص٩٩. مع أنه قد أخبرنا أن إحساس الإنسان بالتفاهة هي معضلة حضارة القرن العشرين والتي يشكل الدين فيها الحلقة الأضعف! بينما لم يكن هذا الإحساس بهذه القوة والقسوة في أزمنة سيادة الدين. وإذا كنا نختلف معه هنا، فلنؤكد اتفاقنا معه حول بذرة الصوفية التي يحملها الشعر في داخله. وتلك القدرة التي يمتلكها في بعث الإحساس العميق بالوجود. ولا يمكنني الاختلاف معه حول هذا لسبب بسيط هو أنني أشعر به بنفسي.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “الشعر والصوفية عند كولن ولسون.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق