قراءات ودراسات

الذَّاتُ المُسْتَبِدَّةُ ، ودِيكتَاتُورِيَّةُ القَاُنونِ

معمر طاهر الشريف

” القانون حتى ولو كان جائرا ، سيظهر عدله إذا طُبق على الجميع . والقانون العادل الذي لا يطال كل الفئات سيبقى ظالما مهما بلغ من الكمال . “

الأمم الحية استبدلت ديكتاتورية الشخص المستبد الممسك بجميع السلطات ، بدكتاتورية القانون ، المهيمن المطلق على كل الصلاحيات .يقف الكل أمامه سواسية لا فضل لأحد على أحد إلا بالاحترام ، والانصياع والتطبيق .
والأمم المريضة لا زالت تسبح في مستنقعات الظلام والأوهام ، وتصنع الصنم ، وتضع في يده كل السلطات والصلاحيات ، وتأمر بعبادته وتقديسه ، وتنزيهه عن كل زيغ أو خطأ .

خبائث الاستبداد:
الشخص المستبد المسيطر على جميع السلطات والصلاحيات قد يمارس هيمنته على البعض ممن يتوسم فيهم الضعف والجبن ، والخوف وعدم القدرة على المواجهة لطلب الحقوق والتمتع بها ، ولكنه لا يستطيع ممارسة هذه الديكتاتورية على الأقربين الدين يحابيهم بكل الامتيازات التي يوفرها له منصبه وسلطته ، ولا يستطيع كذلك فرضها على الأقوياء الذين يتوسم فيهم السطوة ، والذين لا يؤمَن جانبُهم ثراء وقوة . فنراه يستضعف البسطاء فقط ويحتقرهم ويمتص دماءهم وعرقهم ، ويوهمهم بخدمة المصلحة العليا للأمة والوطن ، وهم يصدقون بنياتهم الصادقة راضيين بواقعهم ماداموا يضحون من أجل بلدانهم وشعوبهم وأممهم . ويبالغون في التضحية .
والبسيط المسكين الأمي قد ينخدع بأتفه الحيل ، وينجر وراء أغرب الأوهام ، وأوهاها ، لأنها تُغلَّف له بغلاف الوطنية المزيفة التي تختفي وراءها المصالح الشخصية الضيقة ،والمزاعم الفضفاضة ، و إيهامه بالوقوف في وجه المستغلين والدفاع عن مكتسبات الأمة ضد المغرضين ، والأعداء الذين تصنعهم هذه الذات المستبدة وتخترعهم . وتتفانى في الدفاع عنهم سرا للإبقاء على مصالحها حية وكاملة .
بينما يستأثر السائرون في فلكه بالمناصب والمكاسب والرتب ، حتى وإن لم تكن متوفرة في ارض الواقع قد يحدثها لهم من العدم لإرضائهم من أحل التفاني في خدمته ، وخدمة أغراضه السلطوية الاستبدادية على عموم شعبه .
قوانين الأمم المريضة:
وقوانين هذا الوسط الديكتاتوري المستبد المتعفن تطبق بكل صرامة على السواد الأعظم من الشعب الضعيف ، لكنها لا تطبق على المستبد وعلى حاشيته ، هل رأيتم ابن مسؤول كبير أو صغير في محيط حكم سلطان أو ملك أو أمير أو زعيم مستبد ، يحاسب ويحاكم محاكمة حقيقية عادلة ، ويدخل السجن ، ويستنفذ مدة إدانته كاملة ؟
وهل رأيتم ابن مسؤول كبير ، أو صغير من أصحاب الجاه والسلطان والمال يخضع لقوانين بلده كما يخضع لها عامة الناس ، وإن وقع في الخطيئة والمحظور ، هل يعامل كما يعامل ابن الفقير المعدم الضعيف ؟ وعندما ندرك واقع ابن ذي الجاه والسلطان والمال ، ندرك كيف يعامل الأب حزمة قوانين بلده ، والذي يعتبر حاميها الأول !!
شلة الاستبداد ومن يدور في فلكهم يعيشون فوق القانون ، ويوظفون العدالة المزعومة لتكون خادمة لهم ..وكم سيتهافت أصحاب النفوس المريضة لخرق هذه القوانين ، وتعطيل العدالة لخدمة ذَاتٍ نافذة بالمجان …ويعلنون هذا أمام الملأ ..ويفتخرون به سرا وجهرا .. وينظرون بعين المستهزئ المتهكم إلى الذين يرضون بقيم القوانين العامة ويحترمونها ، ويساعدون على تطبيقها .فكم من بسيط قضى تحبه دفاعا عن سيده الظالم ، وكم من شاهد زور اقترف هذه الكبيرة انتصارا لأصحاب المناصب والأموال ، و ورّط الفقير المسكين ، والمواطن البسيط ليعاقب مكانهم ، ويعذب مكانهم ويموت بدلا منهم أيضا ..

سلطة القانون:
المشكلة في القوانين ليس صحتها النظرية وعدلها الافتراضي ، ولكن تقاس هذه القوانين بمدى تطبيقها على أوسع شريحة من الناس ..فكلما كان القانون أوسع انتشارا ، وأكثر تطبيقا على كل فئات الشعب كان أقرب إلى العدل ، وأقرب كذلك إلى رضا الناس حتى ولو تضمن بعضا من الجور ، والقانون السليم والعادل نظريا الذي لا يمس اكبر عدد من المواطنين ، ويطبق فقط على فئة دون أخرى ، ورغم صحته وعدله يبقى جائرا في نظر الناس والمجتمع والأمة .
فمعظم القوانين في العالم قد لا تشكوا ظلما كبيرا ، إلا في بعض الحالات التي يُشرّع به الأشخاص لمصالحهم ومصالح الفئات التي تساندهم ، أو ينحاز إلى فئة دون أخرى أو طائفة دون أخرى ، ولكن قصورها يكمن في العجز عن تطبيقها على الكل ، وتمكينها من رقاب الضعفاء فقط ، أو الجهة المقابلة للفئة التي أوجدت هذه القوانين .
لذلك يكثر التلاعب بالدساتير والقوانين في واقع المجتمعات المريضة ، فكل من تربع على عرش السلطة ، أول ما يفكر فيه هو تغيير القوانين والدساتير لتخدم مصلحته ومصلحة فئته ، ومجموعته ، قصد تمكينه من الصمود أكثر في منصبه ، ومحاباة فرقته أو حزبه أو جمعيته ببعض الامتيازات …بينما تكون القوانين والدساتير في الأمم الحية مقدسة ومصونة ، لأنها تكون أعلى من الحاكم ، وحزبه وفرقته ، ولأنها ملك للشعب بأكمله وليست حكرا على السلطة التي تسير البلد .

واقع المجتمعات المريضة:
ينشطر المجتمع الذي يعشش فيه وباء الاستبداد إلى شطرين متناقضين ، ويتشظى أفرادها إلى فئتين مختلفتين متعاكستين : فئة مخدومة وفئة خادمة .
الفئة الأولى لها الحق في كل شيء ، الأرض والمال والسلطة ، والتحكم في رقاب الناس ومصائرهم ، كل حياتها حقوق وليس عليها واجبات . تمرح في ربوع البلاد بلا حسيب أو رقيب ، وتعتقد أنها تستطيع فعل أي شيء ، ولا يردعها أحد ، وتعامل بقية الناس بروح التعالي والجبروت ، وتنظر إليهم نظرة الدونية والاحتقار .
والفئة الثانية مستعبدة عليها أن ترضى بكل الصعوبات وأعباء الحياة وتصمت ، وتحاول جاهدة تحقيق أحلام السادة الكثيرة ، عندها فقط واجبات يجب أن تقوم بها ولا يحق لها المطالبة بأية حقوق ، لأن حقوقها في نظر مستعبديها أن تبقى حية ، وأن تقتات بما تيسر مما يفيض على احتياجات الطبقة الأولى .
وفي واقع هذه الأمم المريضة التي تسبح في غدران الاستبداد نجد دائما الصراع على أشده بين شعب طامح في حياة أفضل و حاكم مستبد يريد الإبقاء على شعبه نائما مغيبا عن الأحداث ، وما يجري في محيط العلم والثقافة والوعي. وكلما أحس أن أفرادا من الشعب ترنوا إلى التنور واليقظة ، زاد جرعة مخدّره قوّة وتأثيرا ، واختلق الصراعات الوهمية مع الداخل والخارج ، ليبقى هذا الشعب أسيرا لما يقع خارج ذاته من أحداث وينسى ذاته ونفسه التي تحتاج إلى العيش الكريم ، وحياة الرفاهية التي يراها ديكتاتوره المستبد في حكم الحرام أو العيب .

قوانين الأمم الحية:
تفطنت الشعوب الحية بفضل وعيها وثقافتها ، وتضحياتها الكبيرة والكثيرة التي قدمتها قربانا للعلم والمعرفة والحرية ، واهتدت إلى وسيلة تضمن بها استمرارها ، واستمرار أمنها وسلامتها ، وتحقق لها المساواة والعدالة بين كل أطياف مجتمعاتها مهما تنوعت واختلفت ، فنقلت هذه السلطات الكثيرة والمتنوعة وتلك السطوة والقوة والجبروت ، من الذات الآدمية المستبدة ووضعتها في يد القانون ، ونقلت كل هذا من يد بشرية قد تخطئ وقد تتأثر بطابعها البشري وضعفها العاطفي ، وتستعمل هذه السلطة أو تلك السطوة استعمالا شخصيا ، وتحابي بها أحدا أو تسلطها على آخر ، وينتفع بها البعض ، ويسبحون في منافعها ، ويحرم منها البعض الآخر ويكتوون بنارها ، وكدستها في مواد وفصول هذا القانون المارد الجبار الذي يخافه الجميع ، ويركع له الكل ، وتذعن له رقابهم طائعين أو كارهين …
فبعد أن كان القانون في ماضي هذه الشعوب التي كانت مريضة قبل أن تسير في فلك الحياة الآدمية الكريمة ، في يد الأفراد المستبدين الذين يستعملونه لتحقيق أغراضهم الخاصة ، أصبح الأشخاص أنفسهم في يد هذا القانون ، يطالهم أينما كانوا ، ويفرض عليهم سطوته وهيمنته مهما كانت صفاتهم ونعوتهم ووظائفهم ورتبهم ، ولو كانوا في بروج مشيدة ، إن رأى هذا ” القانون ” السيّد في حكم من أحكامه أن يتهاووا من بروجهم وقلاعهم ، إلى أقبية الزنازين الرطبة الموحشة ، فلا راد لحكمه ولا مانع لقضائه ، الكل يخضع له ، والكل يحترمه ، والكل كذلك يطالبون بتطبيقه كاملا ، ويمكّنوه من رقابهم بفعل فيها ما يشاء ، وجعلوا منه الحاكم الأوحد ، يستعمل سلطته الفردية لا يشاركه فيها أحد من البشر ، لا يحابي أحدا ، ولا يظلم أحدا …
إن الشعوب الحية لا تطالب بمثل ما تطالب به الشعوب المريضة عندما تيأس من العدل تنادي بالتوزيع العادل للألم والفقر والحاجة ، ولكن هذه الشعوب الحية ، يتحقق لها ما تريد دون أن تطالب به لأنها تحققت عندها المعادلة المعاشة : حق الشخص هو واجب الآخر ، وواجب هذا الشخص هو حق الآخر ، وتسير الحياة بكل سهولة وهدوء ، والشريف من عرف قدر نفسه وانزلها منزلتها ، وأعظم شرف يمكن للإنسان أن يصنع به قيمة لنفسه هو أن يقوم بواجبه كاملا ، و يطالب نفسه بأقصى ما تستطيع ، ويتعالى فرحا وفخرا عندما يوفق للقيام به بمنتهى الإتقان .

وأخيرا:
الصورة الأولى : أبناء الأمراء في انجلترا ، يسجلون في المدارس الداخلية مع أبناء عامة الشعب ، وحين يتشوق الآباء إلى لقاء أبنائهم ، ينتقلون إلى المدارس ، ويخصص لهم نفس الجناح الذي يخصص للكل داخل هذه المدارس ويسمح لهم بالوقت نفسه الذي يخصص للكل .
الصورة الثانية : رأى الشعب البريطاني عصارة قهوة في مكتب رئيس الوزراء كاميرون ، فاتهمه باستعمال الأموال العامة لصالحه الخاص ، وظنوا أنه اشتراها بأموال الشعب .ولكنه اثبت لهم بالدليل أن هذه الآلة هي ملك له واشتراها بأمواله الخاصة ، مع إرفاق الفاتورة الخاصة بالآلة وعرضها على الجميع .
الصورة الثالثة : أمير من أمراء العرب يخصص طائرة خاصة لنقل صقوره من وإلى الوطن ، والآخر يقدم المكسرات المستوردة غالية التكاليف كعلف لخيوله المشاركة في السباق .
الصورة الرابعة : أمير عربي صنع لوحة ترقيم سيارته من الذهب الخالص تقدر بملايين الدولارات ، وإذا أراد تغيير زيت محركها ينقلها على متن طائرة خاصة إلى أوربا .
والصور كثيرة عن مسؤولي الدول المريضة ، الذين يتسوقون إلى أوربا وأمريكا عبر طائرات بلدانهم ، وبأموال شعوبهم ، لقضاء حاجياتهم والترفيه على نفوس أسرهم وذويهم .
أيها القارئ الكريم عندما تقارن بين هذه الصور التي أوردتها هنا ، والصور الكثيرة التي تملكها أنت عن هذين الواقعين المتناقضين ، ستصل حتما إلى استنباط مساحة الوعي التي أردت أن اختم بها مقالي هذا ….

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق