ثقافة السرد

الزملاسي

ناصر الرقيق

مالت الشمس للمغيب وبدأ الليليرخي سدوله، إرتفعت أصوات آذان المغرب فخفت الحركة في الشوارع، حينها كان رجل كث اللحية، فارع الطول، رث الثياب يدخلها راجلا من الجهة الشمالية، مشى إلى أن وصل بجوار المسجد الذي كان أول ما يعترض الداخل للمدينة، جلس بالقرب من حائطه المطل على شارع جمهلك و كأنه يرتاح من عذاب سفر طويل، نام ليلته الأولى هناك دون أن يثير إنتباه أحد، فالمدينة تعودت على إستقبال أمثاله من الغرباء و أيضا كل الرافضين و المعارضين لحكم عائلة الجمهلوكي، فهذه المدينة بالذات تمثل لهم ملاذا آمنا يستعصي على أعوان النظام و أتباعه الذين رغم كثرتهم و وجودهم فيها، فإن حجم تأثيرهم في الناس لم يكن كبيرا بل على العكس كانوا محاطين بسور سميك من الرفض يطوق نواحيهم رغم سعيهم المتواصل لإختراق أسرار المدينة لكنهم كانوا يحترقون على أسوارها المنيعة فيفشلون المرة تلو الأخرى في كشف قنوات سيرها الداخلية التي بقيت عصية عنهم، بعيدة عن أيديهم التي ما إن ولجت أمرا إلا أفسدته، لهذا كان الغرباء يميلون نحوها و يولون وجوههم شطرها ففيها لا يهم أصل الإنسان أو نسبه بل المهم أنه بشر له أن يحيا دون أن يتدخل في شؤونه أحد فكانت كأنها دولة مستقلة لا تنتمي إلا لذاتها.

أشرقت الشمس ودبت الحركة في شوارع الزملاسي بعد ليلة هادئة، فقام ذاك الغريب من نومه متكاسلا يفرك عينيه و علامات الإجهاد لازالت بادية على محياه، فكان أول من كلمه الشيخ اللمسي إمام الجامع الكبير الذي سأله عن إسمه و من أين جاء غير أنه رد عليه بكلمات أشبه بالتمتمة الغير مفهومة فقال ما هذه البهللة ؟ ألا يكفي الزملاسي كم المجانين التي فيها حتى يأتيها البهاليل أيضا ومنذ ذلك اليوم عرف الغريب بإسم بهلول.

مرت أيام و بهلول ينتقل من حي لآخر يلاعب الصغار، فكان يحاول إخافتهم بالصياح في وجوههم كلما رأى مجموعة منهم مبرزا أسنانه و كأنه يتوعد بعضّ من يمسكه فكانوا يفرون ثم يرمونه بالحجارة من بعيد مرددين « بهلول بلاش عقل، بهلول أنتن من البصل » لكن سرعان ما ينهرهم المارّة و يتوعدونهم بالعقاب إن عادوا لهذا الفعل القبيح.

كما كان يجالس الكبار أيضا، إذ لم يكن يتردد في الجلوس بجانب كل مجموعة يجدها تناقش أمرا ما لكن أكثر جلساته كانت إما بجانب حانوت سعد بن الزملي الذي كان يأتيه جمع من أصدقاءه يتجاذبون معه أطراف الحديث عن مشاكل الزملاسي و أهلها أو بجانب محل العربي الماسي لبيع الورد الذي كان أيضا له جلسة يومية مسائية مع بعض من رفقائه يتناولون فيها الحلول الممكنة لمواجهة المصاعب التي تعاني منها المدينة.

سعد بن الزملي و العربي الماسي أشهر رجلين في المدينة، فالأول ورث العلم و الأدب عن والده الذي كان عالما كبيرا كما ورث عنه شجاعته و وقوفه مع الحق، فوالده كان أحد قادة المقاومة المسلحة التي واجهت قوات المستعمر لسنوات طويلة كما أن سعد نفسه شارك في عدد من المعارك صحبة والده و المجموعة المسلحة التي قادها و أشهر المعارك تلك التي دارت رحاها قبيل الإستقلال بسنتين حيث قامت قوات المستعمر بشن هجوم مباغت على المدينة أملا في القبض على والد سعد أو قتله لكن لحسن الحظ خرج من المدينة ساعات قليلة قبل قدوم قوات الاحتلال و ذلك بعد أن رصدت بعض عيونه تحركات مريبة على تخوم المدينة و نصبوا كمينا لهم بعد أن صعدوا أعلى ربوة مطلة على الزملاسي و تظاهروا بأنهم رعاة غنم فيما كانوا يخفون أسلحتهم تحت قشبياتهم بينما قام سعد و كان لا يزال شابا يافعا صحبة شباب آخرين بالإلتفاف على قوات العدو و محاولة إيهامهم بأنهم سيهاجمونهم من الخلف لدفعهم نحو الربوة و هي الحيلة التي إنطلت عليهم فكان أزيز الرصاص يسمع صداه في قلب الزملاسي التي علت فيها أصوات التكبير و زغاريد النساء فسالت دماء جنود المستعمر أنهارا فوق الربوة و تكدست جثثهم كالنعاج المذبوحة في حفل زواج كبير، كما ذكر ذلك والد سعد في كتيب صغير سماه « الربوة الصامدة» أرّخ فيه لهذه المعركة قبيل إغتياله عن طريق سم تم دسه له في كأس من الشاي من قبل أحد أقاربه، كما تم أيضا إعتقال سعد و حوكم بالسجن ثلاثين سنة و لم يفرج عنه إلا بعد الإستقلال بخمس عشرة سنة، أما العربي الماسي فهو أنبغ من في الزملاسي فقد عرف بذكائه الخارق و تميزه الشديد في الدراسة حيث كان من جيل ما بعد الإستقلال أو الدولة الوطنية كما سميت فيما بعد لكن رغم باعه الطويل و أبحاثه الشهيرة في مجالات الطب و الكيمياء الذين درسهما في الإتحاد السوفياتي إلا أنه رفض العمل ضمن أجهزة الحكومة أو التعامل معها تضامنا مع مدينته و أهلها، فقد شاع أنه رفض منصب وزير للبحث العلمي ليكتب أحدهم وقتها في مجلة الإستقلال مقالا عنونه ب« العالم الغبي » لكن العربي لم يأبه لذلك و كان إبنا مخلصا للزملاسي، فقد قام بإفتتاح محل لبيع الورد الذي تنتجه مزرعته و الذي بنى فيها بيتا من الطوب كان عبارة عن مختبره الذي يقوم فيه بأبحاث لتطوير زراعة الورد و إستخلاص المستحضرات منه كما يتم الإستنجاد به في أحيان كثيرة للكشف عن الحالات الطبية المستعصية أو لإجراء العمليات المستعجلة بمستشفى المدينة و التي تتطلب تدخلا جراحيا عاجلا و هو ما تسبب في سجنه عدة مرات بسبب ذلك.

و شيئا فشيئا بدأت تحدث في المدينة أمور غريبة إذ في مرة من المرات كتبت إحدى صحف النظام المشهورة مقالا غير موقع تحدثت فيه بإسهاب عن تفاصيل دقيقة لإضراب الصمت الذي خاضته الزملاسي و الذي إستمر لمدة سنة كاملة إحتجاجا على سياسة النظام الجمهلوكي تجاه المدينة حيث أحجم الناس عن الكلام إلا رمزا لدرجة يعتقد فيها زائر المدينة أنها أصبحت بكماء و لم يكن سوى اتباع النظام يتكلمون و أحيانا يأتون بفرق موسيقية من خارج المدينة ليحدثوا جلبة ما تكسر الصمت الرهيب الذي فتك بأعصابهم فلم يعد يتحملونه و ما زاد من نقمة النظام أنه فشل في فك طلاسم ما حدث و كيف تم ذلك و من كان وراءه إذ أن هذا الإضراب الذي كان سابقة قد أخذ بعدا دوليا فتحدثت عنه الصحف العالمية التي أشادت به كشكل راقي و غير مسبوق للإحتجاج السلمي مما جعل منظمات حقوق الإنسان تتضامن مع المدينة الشيء الذي شكل مزيدا من الضغط على النظام الذي كان يتظاهر بإحترام حقوق الإنسان فصب جام غضبه على أهل المدينة و خاصة على أعوانه من أبنائها الذين فشلوا في الحصول على أية معلومة صغيرة قد تفضي لمعرفة من كان وراء كل ذلك.

– إذن قلت لي أن الصحيفة وعدت بجزء ثاني في عددها المقبل يا سي العربي

– نعم يا عم سعد

– و بماذا وعدوا أيضا ؟

– قالوا بأنهم سيتحدثون عمن خطط لهذا الأمر كما أنهم سيكشفوا للرأي العام الوطني كل تلك الشبكة من المخربين الذين شوهوا سمعة البلد

– طيب

إلتفت سعد بن الزملي لبهلول الذي كان يفترش الأرض بجانب الطاولة التي جلس حولها مع العربي الماسي و هي من المرات القلائل التي إجتمع فيها الرجلان، ثم قال له :

– بهلول تعال خذ الطعام الذي أرسلته لك الحاجة

قام بهلول و أخذ ما قدم له ثم عاد و جلس في مكانه و بدأ يأكل.

كان أسبوعا صعبا في الزملاسي فالجميع يتوقع حدوث أمر ما قبل صدور العدد القادم من الصحيفة، إذ كانت القضية قضية حياة أو موت ففي حالة أوفت الصحيفة بوعدها فسيكون فناء أسطورة الزملاسي واقعا لا مفر منه، فالزملاسي التي تخطت محطات أصعب و أعقد من هذه بلا شك ستهتدي لحل ما كما أن كل الذين حاولوا في السابق إنهاء أسطورتها و إذلالها إنتهوا إلى مصير مأساوي و بالتالي فهذه المحاولة ستبوء بالفشل أيضا، فمختار الريش قائد الحرس السابق و الذي كان أشرس من ارسل للمدينة لقمعها مات في حادث سير رهيب حيث إنفصل رأسه عن جسده الذي تمزق قطعا إلى درجة جعلت أعوان الحماية يجمعونه في كيس كبير للقمامة ثم قام أهله بدفنه مباشرة دون يتمكنوا من الذهاب به لبيته لغسله و إلقاء نظرة الوداع الأخيرة عليه، أما سالم البك رئيس القباضة و الذي سبقته شهرته للمدينة قبل أن ينقل إليها و الذي كان يقول، « إما أن تدفع أو تدفع نحو…» ثم يصمت ليفسح المجال لخيال سامعيه بأن يتخيلوا مصير الرافضين فقد وجد معلقا بمكتبه يتدلى بعد أن شدت رقبته لربطة عنقه و لسانه خارج من فمه و وجهه أزرق مائل للسواد يكاد ينفجر من شدة إحتباس الدم في شرايينه و قد قيل وقتها أنه إنتحر لأسباب عائلية.

نتيجة لهذه الحوادث التي زادت من شهرة المدينة المرعبة، أصبح كل المنتمين للنظام يخشون العمل فيها، فكان لا ينقل إليها إلا المعاقب أو المغضوب عليه.

و في صبيحة اليوم الموعود لصدور الصحيفة ضجت الزملاسي بخبر العثور على الشيخ اللمسي ملقى بآحد الضيعات المتاخمة للمدينة شبه عار و على جسمه آثار كدمات و بعض الجروح الغائرة و كانت أول من تفطنت له إحدى النساء التي كانت تجمع العشب لدوابها، فما أن رأته أطلقت عقيرتها بالصياح فهرع إليها جمع من شيب المدينة و شبابها الذين ظنوا في البداية أن الشيخ اللمسي فارق الحياة لكن سعد بن الزملي لمس أسفل قدميه فوجدهما لازالتا حارتين فصاح، اللمسي لازال حيا، هيا أسرعوا به للمشفى، أركبه أحد الشبان على دراجته النارية ثم ركب وراءه آخر و طارا به.

أقام الشيخ اللمسي قرابة الأربعة أشهر بالمشفى قبل أن يخرج معافى إلا من عرج بسيط أصاب قدمه اليمنى نتيجة لإنقطاع أحد أوردتها، فكان أول ما سأل عنه، هل صدرت الصحيفة، فأجابوه لا.

بعدها لم يعثر لبهلول على أثر.

* الزملاسي حجر كبير أملس، ذهبي اللون يقع فوق أعلى ربوة تطل على المدينة و كأنه يحرسها، قديما قبل أن يسلموا كان الناس يعبدونه و منه أخذت المدينة إسمها و أغلب أسماء العائلات إشتقت منه، حيكت حول أصله و منشإه الكثير من القصص، إذ قيل أنه حجر من الجنة نزل منها مع نزول آدم و قيل أيضا أنه ملك عصى ربه فمسخه على هيئة حجر كبير و قذف به إلى الأرض يتعذب بعذابها و لا يستلذ نعيمها، كما يقال أنه سرّ عظيم من أسرار الكون حط رحاله فوق ربوة مباركة تطل على أرض مباركة أيضا، أما دارسو الجيولوجيا من أبناء المدينة فيقولون أنه لا يعدو أن يكون تجمعا لرواسب طينية بدأت نواتها الأولى بالتشكل منذ ملايين السنين، لهذا كانت الزملاسي و لازالت عصية عن الفهم، منيعة عن ولوج العقول الصغيرة إليها، مثيرة للجدل، محيرة، بالكاد تكشف القليل من خباياها.

*كاتب تونسي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق