قراءات ودراسات

الرواية النسائية الجزائرية: أسئلة الكتابة، الاختلاف، والتلق

د. بوشوشة بن جمعة جامعة قرطاج – تونس

“… مع الكتابة النسائية، أصبحنا ننظر بعينين لا بعين واحدة ونعيها بعقلين، وندركها بحسين…” توفيق بكار

إن الإبداع الأدبي النسائي في شتى تشكلاته الأجناسية، وبالأساس جنس الرواية، ما فتئ يمارس نوعا من الإغراء على المتقبل وذائقته الأدبية، يتنامى باستمرار، بعد أن تحولت الكتابة النسائية في مجال الرواية إلى ظاهرة أدبية، ومدار جدل نقدي ما انفك يتفاعل، بسبب الطابع الإشكالي لهذا النوع من إبداع المرأة الأدبي، بدءا بإشكالية المصطلح الذي يلحق صفة “النسوية” به (1)، وانتهاء بسؤال الاختلاف/ والخصوصية قياسا على الإبداع الروائي العام (2). وهذا ما يعلل كثرة المزالق التي تحف بالممارسة النقدية لإبداع المرأة الروائي، والشبهات التي تحوم حول مقاصدها، والمآخذ التي تلازمها على الصعيدين النظري والإجرائي، بسبب توالد الأسئلة الناجمة عن التسمية التي تتضمن في نظر أغلب كاتبات الرواية “حكما بالهاشمية مقابل مركزية مفترضة”(3)، والتخصيص الذي “يعين حدود الفئة الكاتبة بعينها قياسا إلى عام هو الإطلاق والمقياس والمركز”(4).

وهو ما يجعل القول بكتابة إبداعية نسائية “تمتلك هويتها وملامحها الخاصة يفضي إلى واحد من حكمين: إما كتابة ذكورية تمتلك مثل هذه الهوية وهذه الخصوصية. وهو ما يردها بدورها إلى الفئوية الجنسية، فلا تعود صالحة كمقياس ومركز، وإما كتابة بل خصوصية جنسية ذكورية، أي كتابة بالإطلاق، كتابة خارج الفئوية/ مما يسقط الجنس كمعيار صالح للتمييز إلى ذكوري ونسائي”(5).

ويشكل الإبداع الروائي – ذو اللسان العربي- للكتابة الجزائرية علامة تحول دال في مسيرتها الأدبية “تؤكد ما أصبح يمارسه الجنس الروائي على أدبيات (الجزائر) اللاتي يكتبن بالعربية، من سلطة إغراء ما فتئت تتعاظم بحكم تحول نسبة مهمة منهن عن الأنواع الأدبية التقليدية كالشعر والقصة القصيرة والخاطرة إلى الضرب في مسالك الرواية، أفق كتابة أرحب تمتلك القدرة على استيعاب هموم المرأة الناجمة عن عدد من الأوضاع الإشكالية التي تميز وجودها الاجتماعي في المرحلة الراهنة. وكأن تخوم تلك الأجناس الإبداعية في الحقل الأدبي قد ضاقت عنهن”(6)، فاستعضن عنها بالتحول إلى الرواية(7). وهو ما تؤكده- على سبيل المثال- الكاتبة أحلام مستغانمي في سياق تبرير تحولها من الشعر إلى الرواية هي مساحة كبرى للأسئلة التي ليس بالضرورة أن تجد لها أجوبة”(8). وتضيف في موضع آخر: “لم أجد أكثر من الرواية رحابة وإمكانيات لحرية التعبير، فما يدور داخل الشخوص لا تمتلك التعبير عنه كاميرا. ولذا يتحقق المشهد في الرواية بلا تحجيم. وتنطلق الخيالات واللغة وتنسج لحما جديدا يفوق ويتجاوز الواقع نفسه”(9). وهو ما يمثل علامة دالة على الأهمية التي صار يحظى بها جنس الرواية لدى الكاتبات الجزائريات اللاتي رأينه الشكل التعبيري القادر على استيعاب هموم المرأة وإشكاليات الجزائر المستقلة، خاصة في العقد الأخير من القرن العشرين/ زمن المنحة.

ويهدف هذا البحث في الرواية النسائية الجزائرية ذات التعبير العربي إلى الكشف عن خلفيات تشكلها جنسا أدبيا مستحدثا في خارطة الإبداع الأدبي الحديث والمعاصر، وتناول أسئلة متنها الحكائي التي تعكس هواجس إبداع كاتباتها وشوا غلهن الذاتية والموضوعية في آن، ثم إبراز ما قد يتوفر عليه هذا النوع من الإبداع النسائي الجزائري من علامات اختلاف عن السائد السردي الروائي، يستمد منها خصوصيته، وأخيرا البحث في راهن تقبله وأفقه في مجتمع جزائري يحتكم في تقويمه لإبداع المرأة في مختلف تشكلاته إلى منظور ذكوري يسعى إلى تكريس تفوق الرجل/ المبدع والإبقاء على هامشية المرأة/ المبدعة. ونروم من ذلك “التوصل إلى تحديد الشروط التي يجب أن يحتكم إليها فعل تقبل هذا النوع من الإبداع الأدبي النسائي في الجزائر، ومن ثم ضبط بعض المبادئ التي يجب أن تؤسس عليها عملية تلقيه في خارطة الأدب المغاربي المكتوب بالعربية، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار طبيعة القراءة الذكورية التي تمارس عليه، والقائمة على ضرورة توافق ما تكتبه المرأة مع صورها الذهنية والحسية: رؤى ومواقف وتجارب وجود”(10).

1- الرواية النسائية الجزائرية وخلفيات التشكل:

إن المناخ الثقافي الذي أفرز جيل كاتبات الرواية الجزائرية ذات التعبير العربي، وأثر في ممارستهن لهذا النوع الأدبي يقترن بمرحلة استقلال الجزائر، وما وفرته للمرأة من فرص التعليم وإمكانات العمل تحقيق لذاتها وتأكيدا لهويتها، مما “أسهم في تصدع الأبنية الذهنية والسلوكية التقليدية للمجتمع الجزائري بسبب ما نجم عن التعليم والعمل من تحول في وضع المرأة وأدوارها داخل المجتمع، خاصة بعد أن توفرت على عناصر الوعي التي حفزتها على النزوع إلى التحرر والدعوة إلى المساواة مع الآخر/ الرجل، بعد أن فقدت طوال تاريخها الطويل مقومات الكيان الخاص بها وعناصر الهوية المستقلة بها”(11).

وتعلل مثل هذه الخلفية اتخاذ عدد من الكتابات الجزائريات جنس الرواية سبيلهن إلى إثبات الكيان المختلف، والهوية المتميزة وتبرير الوجود الراهن الذي ما فتئ المجتمع الذكوري يكرس تغيبه/ وإلغائه تأكيدا لها مشيته. وهو ما جعل من فعل كتابة المرأة الروائية فعل تحرر من كل أشكال الاستلاب والقهر والإقصاء باعتبار “الكتابة عملية تحرر من حيث أنها موضعة للتجربة والمعاناة والحاجات والتصورات والأحلام، موضعة تبني وتكتشف وتعرض المكتوب للنظر العام، للتفاعل والرد والاستجابة والنقد والإنبناء في بنيان واسع.

فعل الكتابة لدى النساء بشكل أخص عملية تحرر من حيث أنه وعي وموضعة وكشف ومعاينات وتصويرات وأحلام طال عهدها بالصمت والخفاء، والكتابة تبلورها، تخرج بها إلى مدار العام، تسمح بتشكل خصوصيتها تشكلا مبتدعا داخل قوانين العام كمتخيل جماعي وفضاء جماعي وقضايا ولغة وتصورات ومنظومة إشارية قيمية وموروثات”(12).

وهو ما يجعل كتابة المرأة الروائية في الجزائر محكومة بمركزية الحرية: “لأن الكتابة ليست فقط اللعبة والمتعة ولكنها كذلك اللغة التي من خلالها تعطي المرأة لكتاباتها معنى اختيار الحرية، وتحمل قهر السلطتين: السلطة الشهريارية الذكورية التي لا ترى في المرأة سوى انعكاسات باهتة لعجزها وسلطة دنيازاد المنضبطة التي ترقب بإخلاص وصرامة الزلل والخطأ لتنشئ حوله كيانا نثديا.

فالمضطهد هنا المرأة، أكثر تعطشا إلى الحرية عندما يعيها.

والرواية هي أداة هذا الوعي والمعبر عنه. فهي كما تؤكد النصوص الروائية أكثر جرأة وتماديا في الغي”(13).

ثم إن هذا الإبداع النسائي الجزائري في جنس الرواية ظهر في مناخ سياسي واجتماعي متأزم بسبب أجواء الفتنة التي طبعت جزائر التسعينات ولا تزال، مما جعله يستثمر مناخاتها المأساوية في تشكيل عوالم حكيه التي لونتها فجائع الموت العبثي والرعب السائد والفوضى العامة. وهو ما جسدته المتون الحكائية لأغلب النصوص النسائية، شأن: “ذاكرة الجسد”، و”فوضى الحواس”، و”عابر سرير”، لأحلام مستغانمي، و”بين فكي وطن”، و”في الجبة لا أحد”، لزهرة ديك، و”تاء الخجل”، لفضيلة الفاروق. فكانت محنة الجزائر/ أو جزائر المحنة هاجسا مركزيا لأولئك الكاتبات، دفع بكتاباتهن إلى مداها في نقديتها السياسية للسلطة والجماعات الإسلامية المسلحة على حد سواء.

والواقع، فإن هذا الإبداع الروائي للمرأة الجزائرية يعد حديث العهد ضمن تقاليد الكتابة التي دأبت على ممارستها. فقد شهد بداية تشكله في العقد الأخير من القرن العشرين، مما يجعل عمره الآن تمام العقد من الزمن: 1993-2003، مقارنة بعمر الرواية العربية الجزائرية التي دخلت في عقدها الرابع: 1971-2003.

وقد شهد هذا العقد من زمن نشأة هذا النوع من الكتابة النسائية الجزائرية ذات التعبير العربي، صدور عشر نصوص روائية وهي: “لونجة والغول”(1993)، لزهور ونيسي، و”ذاكرة الجسد”(1993)، و”فوضى الحواس”(1996) لأحلام مستغانمي، و”رجل وثلاث نساء”(1997) لفاطمة العقون، و”بين فكي وطن”(1999)، وفي “الجبة لا أحد”(2001)، لزهرة ديك، و”بحر الصمت”(2001)، لياسمينة صالح، و”مزاج مراهقة”(1999) وفي “الجبة لا أحد”(2001)، لزهرة ديك، و”بحر الصمت”(2001)، لياسمينة صالح، و”مزاج مراهقة”(1999)، و “تاء الخجل”(2002)، لفضيلة الفاروق.

وهذا ما يبيح لنا إطلاق صفة الفئوية على هذا النوع من الإبداع النسائي الجزائري، بسبب قلة تراكم نصوصه قياسا إلى ما أبدعه كتاب الرواية العربية الجزائرية.

وتنضاف سمة ثالثة إلى سمتي: حداثة العهد وقلة التراكم، تتمثل في النزعة التجريبية لكاتباته بحثا عن الأشكال الفنية المغايرة للسائد السردي، والقادرة على استيعاب هموم المرأة وإشكاليات المرحلة الراهنة للجزائر.

2- الرواية النسائية الجزائرية: أسئلة الإبداع ومدارات الكتابة

إن البحث في المتون الحكائية لنصوص المدونة النسائية الجزائرية في جنس الرواية ذات التعبير العربي، يسمح بالكشف عن أسئلة الإبداع التي تشكل شو اغل هذا النوع مت الإبداع الأدبي: الذاتية منها، المتصلة بذات الأنثى ووضعها وأشكال معاناتها في ظل المجتمع الجزائري/ الذكوري، والموضوعية المتعلقة بمختلف أوضاع مجتمعها، لما لها من تأثير في أشكال ممارستها للوجود: كينونة وصيرورة. وهي الشواغل التي تشكل دوافعها إلى الكتابة الروائية، ومدارات حكي هذا النوع من إبداعها الأدبي.

1-2 سؤال الكتابة والرواية: جدل النقدي والروائي

يستمد فعل الكتابة لدى المبدعة الجزائرية قيمته الخاصة، من الدور الوظيفي الذي يضطلع به، لتمكينها من إثبات كيانها المختلف وتأكيد هويتها الخاصة، باعتبار ما يتيحه لها من أشكال تحرر من أنواع القهر والاستلاب التي تمارسها التي تمارسها عليها سلطة مجتمعها الذكوري، وتأكيد حقها في الاختلاف والتمايز. وهو ما تعبر عنه الكاتبة أحلام مستغانمي، في قولها، على لسان حياة بطلة روايتها: “فوضى الحواس”: “وهل الحرية في النهاية سوى حقك في أن تكون مختلفا”(14).

فتكون الحرية- بهذا المعنى- أداة وعي المرأة الكاتبة بذاتها في علاقتها بمحيطها، وسبيلها إلى إضفاء المعنى على وجودها المستلب وكيانها المهمش بسبب تكرس أشكال هيمنة مجتمعها الذكوري، وهذا ما تكشف عنه ذات الكاتبة، في قولها: “مازلت أبحث خلال كتاباتي عن قيمة حياتي ومعنى ما عشته…(15). وهو ما يعلل إدراكها لماهية الكتابة” فعل إدراك قبل أن تكون فعل اختلاف، باعتبارها حال ارتحال دائم بين الأسئلة وانتهاك متواصل لمنطق الأجوبة”(16). ويندرج إقحام الخطاب النقدي في سياق الخطاب الروائي في إطار مساءلة الكتابة لذاتها، الرواية لشروطها وأدواتها وقضاياتها النقدية ذات الطابع الإشكالي، كعلاقتها بسيرة كاتبها، وبقارئها المفترض، وبناقدها المحتمل/ والمتوقع أيضا. فتصبح الكتابة الروائية- في ضوء هذا المنظور الجدلي بين النقدي والروائي – سبيل المرأة الكاتبة إلى الوعي بذاتها في الوجود: أنثى/ ومبدعة، وأداة دفاعها عن هويتها المختلفة وكيانها المتميز، توقا إلى موقع أكثر فاعلية وأدوار أكثر وظيفية وجدوى. وتصير الرواية استنادا إلى هذا الأفق المعرفي مغامرة ترتاد الوجود الفردي للكاتبة في علاقتها بذاتها أنثى وبالآخر/ المجتمع، بهدف إعادة صياغة الكينونة في بعديها الفردي/ الجماعي، بسبب تكاملهما في رفد إبداعها الروائي.

وتعد تجربة الكاتبة أحلام مستغانمي الروائية نموذجية، لتفردها عن سائر تجارب الكاتبات الجزائريات في هذا النوع الأدبي، بطرح جملة هذه الأسئلة المتصلة بالكتابة والرواية والقراءة وما يتولد عنها من إشكاليات نقدية داخل المتون الحكائية لنصوصها الروائية. وهو ما يشكل علامات دالة على تجريبيتها، بحثا عن أفق حداثي في هذا النمط من الكتابة السردية. فجاءت رواياتها مختلفة عن السائد السردي، بسب إنبنائها على المساءلة منطلقا ومدارا ومدى وغنى ومرجعيات كاتبتها المعرفية وتنوعها، مما شكل روافد تلاحقت في جسد كل رواية من رواياتها لتثريها جماليا ودلاليا.

فقد ساءت الكاتبة الكتابة على امتداد رواياتها الثلاث مساءلة كشفت عن الطابع الإشكالي لهذا الفعل، باعتبار تشكله في أكثر من صورة، والتباسه بأكثر من حالة، ليبقى مشروعا مشرعا على اللامتناهي من الاحتمالات والتوقعات، يستمد ماهيته من ذاته لا من المرجع، ويكتسب بلاغته لا من كتابة المداد بل من كتابة البياض التي تشكل نسغ وجوده وعلة ديمومته.

ففي رواية: “ذاكرة الجسد”، تلتبس الكتابة بالعشق يدرك مدى الشهوة العارمة(17)، وتقترن بالتحدي الذي يدفع بها إلى المدى(18)، وتشتغل على الذاكرة بكثافة في إعادة تشكيل التاريخ الفردي والجماعي للأنا الساردة/ والكاتبة في آن(19).

أما في رواية “فوضى الحواس”، فتمثل الكاتبة طقسا حميما يمارس في الزمن الليلي(20)، فيلتبس بحالة الحب تدرك ألق اللذة وعنفوان المتعة(21)، فيكون تبعا لذلك صنو الحياة بسب إمحاء الحدود بين الكتابة والحياة(22)، إلا أنه يتحول في جزائر التسعينات إلى “التهمة” الأولى التي قد تفقد بسببها حياتك”(23).

وتعرف الكتابة في رواية الكاتبة الأخيرة: “عابر سرير”، على أنها “قطيعة مع الحب”(24)، ونوع من “الدخول في حالة حداد على أحد أو على شيء”(25)، فتكون في جوهرها “حيلة من حيل الذاكرة”(26).

وتشكل كل هذه المقاربات المفهومية لمصطلح الكتابة، والتي تواترت في روايات الكاتبة الثلاث، علامة دالة على رغبتها في خلخلة المفهوم السائد للكتابة، وإرباك المنظورات التقليدية في تصور ماهيتها وأدوارها، لتبقي الكتابة لديها مفهومها ملتبسا يغري غموضه دوما بمغامرة البحث والاكتشاف. حيث يقترن بآفاق لا تحد من الحرية، وبحالات مربكة إلى الأقاصي تلونها تقاطبات: الذات/ الآخر/ العدم، والحضور/الغياب…

ويشكل سؤال الرواية_ إلى جانب سؤال الكتابة_ تيمة مهمة في تجربة أحلام مستغانمي الروائية، حيث يكرس نقديتها للسرد الروائي ونقده، ليكشف عن قراءاتها التي ترفد فعل كتابتها الروائية. ويسم الطابع الاشكالي سؤال الرواية، لينهض علامة دالة على النزعة التجريبية التي تنخرط فيها نصوص هذه الكاتبة. وهي نصوص جامعها المشترك مساءلة الرواية لماهيتها وتقنيات كتابتها، والإشكاليات النقدية المتصلة بمكوناتها النصية، ومرجعيات كتابتها، وعلاقتها بكاتبها وقارئها وناقدها في آن، وأشكال تفاعلها مع النصوص الغائبة وسائر الأجناس الأدبية والفنون.

ففي “ذاكرة الجسد” تتناول الكاتبة علاقة الكاتب الروائي بشخصياته التي يبقى مصيرها مرتهنا بإرادته(27)، في حين تطرح في “فوضى الحواس”، قضية الصدق والكذب في الكتابة الروائية، باعتبار الرواية: “فن التحايل”(28). أما في “عابر سرير”، فان الرواية “تمرين يومي”(29). تبقى سمته المفيدة النبوءة، بحكم ما يتوفر عليه من قدرة استشرافية، حيث يتحول اللهو بممارسة الأدب إلى نوع من ممازحة القدر”(30).

وتتقاطع أحاديث الكاتبة عن الرواية مع أحاديثها عن الروائي الذي تعددت تعريفاتها له، فجاء لإي أكثر من صورة، واقترن بأكثر من دور. فهو في: “ذاكرة الجسد”، “إنسان يعيش على حافة الحقيقة… يحترف الحلم أي يحترف نوعا من الكذب المهذب”(31). وهو يختلف عن الإنسان العادي(32). أما في “فوضى الحواس”، فإنه ذلك الكاتب الذي لا ننتظر منه أن يقدم لنا الحقيقة التي تتغير فينا ومعنا”(33)، ويعرض في: “عابر سرير”، على أنه “سارق بامتياز، سارق، محترم لا يمكن لأحد أن يثبت أنه سطا على تفاصيل حياته أو على أحلامه السرية..(34).

ويتولد عن سؤال الكتابة/ وسؤال الرواية علاقتهما بالقراءة، مما يمثل مظهرا تجريبيا آخر، ينضاف إلى عناصر نقدية الكاتبة لكل من الكتابة والرواية، حيث يعلن القارئ في روايتي: “فوضى الحواس”، و”عابر سرير” عن موت المؤلف/ الكاتبة حياة، ليحل محلها فيتولى فعل الكتابة، من الحد الذي توقف عنده خالد بن طوبال/ كاتب رواية ذاكرة الجسد، وساردها، وشخصيتها الرئيسية يقول مخاطبا الكاتبة حياة: “تساءلت كيف يمكن لقصتي أن تبدأ حيث انتهت قصة خالد في السنة والأحداث نفسها…”(35). وقد استثمرت الكاتبة في تبادل المواقع والأدوار بين الكاتب والقارئ فكرة رولان بارت (Roland Barthes) القائلة بموت المؤلف.

وتمثل مقولات الكاتبة أحلام مستغانمي في / وعن أسئلة الكاتبة والرواية والقراءة، علامات دالة على ما تمتلكه من مرجعيات معرفية تترافد في كتابتها الروائية لتسهم في إغنائها الجمالي والدلالي، وعلى ما تتوفر عليه من عناصر وعي نقدي بشروط الرواية النظرية، وآلياتها الإجرائية، من خلال التعامل معها قيمة في حد ذاتها وأفقا للمحتمل والمتخيل، مما جعل المساءلة تسم تصوراتها للكتابة والرواية والقراءة من حيث الماهية والمقومات والوظائف. وهو ما تجلى في إقحامها ما هو نقدي فيما هو روائي، مما عمق تورط كتابتها الروائية في التجريب بحثا عن أفق حداثي يتجاوز السائد السردي. وهو ما جسد سؤالا نوعيا في المتن الحكائي للرواية النسائية الجزائرية ذات التعبير العربي، جعل من تجربة هذه الكاتبة تجربة من الكاتبة تجربة تستمد تفردها مما توفرت عليه من علامات اختلاف عن المدونة الروائية الجزائرية والعربية في آن.

2-2 الرواية/ السيرة وتماس التخوم

تكشف نصوص المدونة الروائية التي أنتجتها الكاتبات الجزائريات باللغة العربية، عن وجود تماسات عديدة بين الميثاقين: الروائي والسير الذاتي، تتجلى في تلك التقاطعات بين شخصيات النصوص الحكائية وتجاربها الحياتية وبين شخصيات مبدعاتها وسيرهن في الوجود/ الواقعي، مما يؤكد استثمار كاتبات هذا النوع الأدبي مكونات مهمة من سيرهن الذاتية في تشكيل عوالم حكيهن، بإعادة إنتاجها بطريقة لغوية في الحاضر، بشكل “يبرز الأنا ويؤكد حضوره وتفرده”(36)، في كنف تواصله مع الآخر وتفاعله معه في ممارسة تجربة الوجود. مما ينهض علامة دالة على رفد تلك السير الذاتية لهذا النمط من إبداع المرأة الجزائري الروائي بعناصر إغناء جمالي ودلالي تضفي عليه مياسم الاختلاف، ويجعل تلك النصوص المنتجة في جانب منها نصوصا سير ذاتية، خاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار غلبة عناصر الإتلاف بين نوعي الرواية والسيرة على مواطن الاختلاف، على أساس تمحورهما معا حول فرد يتوفر على خصائص نوعية وتربطه علاقة إشكالية بعالمه، وبالتالي فإن الشكل الداخلي للرواية شكل بيوغرافي أساسا، لأن العالم لا يمتلك هو الآخر واقعة إلا إذا استمر حيا في هذا الفرد وبفعل هذه التجربة المعاشة”(37).

فأغلب نصوص الرواية النسائية الجزائرية تنطلق من التجارب الذاتية لكاتباتها اللاتي يعمدن إلى استعادتها لغويا في حاضرهن بعد أن تحققت لهن المنزلة الاجتماعية، الوظيفة، والأدبية وهي استعادة لا يمكنها على الإطلاق أن تكون أمينة لتفاصيل تجارب وجودهن(38). فيكون صدقها فنيا ينبني على الإيهام أكثر منه على المرجع، فيبدو ما تحكيه الكاتبات وكأنه وقع_ بالفعل. وهو ما لا يتناقض مع عمل المخيلة.

فقد اتخذت الكاتبة الجزائرية من ذاتها مرجعا أساسيا لممارستها الروائية، تصور من خلاله المغامرات الفردية التي قامت بها، وما وسمها من أشكال صراع وحالات إخفاق تتقاطع وخسران وطنها الجزائر زمن الاستقلال وخاصة منذ التسعينات من القرن الماضي أكثر من رهان مع التاريخ. فكانت كتابتها الروائية كتابة ذاكرة بامتياز من خلال انشغالها المكثف على تقنية التذكر في استعادة جوانب من تاريخها الشخصي/ ذاكرتها الفردية، والذي يتقاطع ومراحل من سيرورة تاريخ وطنها/ ذاكرتها الجماعية.

ويكشف هذا الطابع السير ذاتي الذي يسم نصوص الرواية النسائية الجزائرية ذات التعبير العربي، تعمق شعور كاتبات هذا النمط الأدبي بالاغتراب، والضياع، والاستلاب، والقهر، في مجتمعهن الذكوري. وهو ما يعلل توتر علاقتهن به وسعيهن الدائب إلى التحرر من كل أشكال هيمنته على وجودهن: كينونة وصيرورة، وذلك عبر فعل الكتابة التي تشكل معادلا تعويضيا لمظاهر من إخفاقات رهاناتهن الذاتية على الحياة/ وعلى الوطن/ الجزائر الذي خسر بدوره على مدى مسيرة استقلاله أكثر من رهان مع التاريخ.

وهذا ما يكسب حضور نوع السيرة الذاتية رافدا لكتابة المرأة الجزائرية في جنس الرواية، أهميته “باعتبار ما ينجزه في مستوى النص الروائي من تواصل عميق بين الذاتي والموضوعي، الشخصي والتاريخي، الواقعي والمتخيل، وإن بقيت الذات هي موضوع الكتابة مع تمثيل هذه العناصر أوضاعا مفارقة بعض الشيء بالنسبة للذات”(39).

وتؤكد الكاتبة أحلام مستغانمي مثل هذا الحضور لمكونات السيرة الذاتية في الممارسة الروائية، في قولها: “إن سيرة الكاتب لابد أن تكون موجودة في أعماله الأدبية وليس خارجها ومساحات الظل في حياة الكاتب كالمساحات البيضاء بين جمله… هي أجمل ما يتركه لنا، والشيء الذي لابد أن يستميت في الدفاع عنه وإنقاذه من حريق الضوء”(40). وتدعم هذا الموقف في أحد مقاطع روايتها “عابر سرير”، بقولها في سياق تناولها العلاقة بين حياة المبدع وأعماله الفنية: “إن كنت تعرف حياة المبدع، تدرك ما أراد إيصاله إليك، حياته هي المفتاح السري لأعماله…”(41)، غير أنها ترفض منظور المطابقة الذي يصدر عنه متقبل هذا النوع من الإبداع النسائي، بين الشخصيات الروائية وسير كاتباتها. وهو منظور لا يبحث عما في داخل النص من قيم جمالية وفكرية بقدر ما يسعى إلى البحث عما يشكل مواطن الإثارة الدالة على اختراق المحظور، ومن ثمة يشكل أدلة إدانة أولئك الكاتبات. وهو ما تفصح عنه في روايتها “ذاكرة الجسد”، بقولها: “يكفي كاتبة أن تكتب قصة حب واحدة لتتجه كل أصابع الاتهام نحوها وليجد أكثر من محقق جنائي أكثر من دليل على أنها قصتها”.

أعتقد أنه لابد للنقاد أن يحسموا يوما هذه القضية نهائيا، فإما أن يعترفوا أن للمرأة خيالا يفوق الرجل وإما أن يحاكمون جميعا”(42).

وهو موقف يدين المنظور الذكوري في تعامله مع إبداع المرأة الروائي الذي يعده فضائحيا بسبب كتابة المرأة عن ذاتها: أوجاع أنوثة وهموم وضع يشكو ألوانا من القهر والاستلاب وأشكالا من التهميش. فكتابة المرأة الروائية في نظر أحلام مستغانمي لا تقترن بالمدنس/ أو النجاسة، بقدر تمثيلها عملية تطهر للذات الأنثوية، فتجعلها أرقى من أن تكون موضوع ارتياب. تقول في روايتها “ذاكرة الجسد”،: “لا تبحث كثيرا… لا يوجد شيء تحت الكلمات، إن امرأة تكتب هي امرأة فوق كل الشبهات لأنها شفافة بطبعها، إن الكتابة تطهر مما يعلق بها منذ لحظة الولادة. ابحث عن القذارة حيث لا يوج الأدب”(43).

وتعود خشية المرأة الكاتبة من المجاهرة بسيرتها الذاتية إلى طبيعة المجتمع الجزائري الذكوري الذي يبقى محافظا رغم ما قد يبدو عليه من علامات انفتاح وتحرر، مما يعلل استثمارها تقنية القناع في عرض جوانب من سيرتها الذاتية، باستعارة ذات ذكورية تتولى الحكي، مثلما هو شأن شخصيات: خالد بن طوبال في “ذاكرة الجسد”، وهو/ أو صاحب الثوب الأسود في “فوضى الحواس” و”عابر سرير” لأحلام مستغانمي، وعمر في نصي “بين فكي وطن”، والسي سعيد في رواية “في الجبة لا أحد”، لزهرة ديك، والسعيد في نص “بحر الصمت”، لياسمينة صالح، وذلك لأن مساحة التسامح مع المرأة الكاتبة أقل بكثير من تلك التي يتمتع بها المبدع/ الرجل.

وينضاف إلى استخدام المرأة الكاتبة القناع التجاؤها إلى أفانين من الحيل الكلامية لكي تصوغ جوانب من سيرتها الذاتية، كالمجاز والاستعارة والتورية، وذلك استنادا إلى “أفق تخيلي هو إلى الخطاب الروائي المتنوع أقرب منه إلى الميثاق السير ذاتي أحادي الاتجاه، من خلال التركيز على مكونات السير الذاتي بوصفها، عناصر تكوينية في الخطاب الروائي تسهم في بلورة وجهة نظرها تجاه الذات والعالم معا، فضلا عن اغنائها الأبنية الروائية بما توفره من استيهامات وخطابات ذاتية تعري الأوهام، وتعيد صياغة صور الكائنات عن ماضيهن من حيث هو ما قبل تاريخ حاضرهن”(44).

ولئن بدا الإجماع جليا من قبل كاتبات هذه الرواية الجزائرية – ذات التعبير العربي- على أن ما ينشئه من نصوص ويشكلنه من عوالم حكائية إن هو إلا من نتاج المخيلة، فإن العديد من العلامات التي تتضمنها نصوصهن الروائية تبين خلاف ما يدعين.

فعناوين عدد مهم من هذه الروايات النسائية الجزائرية تحيل على المرأة بصفة معلنة أو موحية: “مزاج مراهقة”، و”تاء الخجل”، لفضيلة الفاروق، و”ذاكرة الجسد”، و”فوضى الحواس”، و”عابر سرير”، لأحلام مستغانمي، و”رجل وثلاث نساء”، لفاطمة العقون.

ثم إن أغلب بطلات هذه الروايات هن من النساء اللاتي يمثلن أقنعة شفيفة لكاتباتهن حتى وإن وردت الذوات الساردة/ الشخصيات الأساسية ذكورية، في عدد من النصوص كشخصية عمر في رواية “بين فكي وطن”، لزهرة ديك، والسعسد في نص “في الجبة لا أحد”، لذات الكاتبة، وسي سعيد في رواية “بحر الصمت”، لياسمينة صالح، وخالد بن طوبال في “ذاكرة الجسد”، وهو/ أو صاحب الثوب الأسود، في روايتي: “فوضى الحواس” و”عابر سرير” لأحلام مستغانمي، مما يكشف عن الجوامع المشتركة بين تلك الشخصيات الروائية النسائية منها والذكورية، وكاتباتهن، ليؤكد “أن صلة الرحم لا تنقطع بين الكاتبات وبطلاتهن، وعنصر السيرة الذاتية سافر الحضور، والغناء الوجداني الرومانتيكي دائم الدفق، وبقعة الضوء مركزة على شخصية الكاتبة البطلة”(45).

فشخصية حياة في روايات أحلام مستغانمي الثلاث: “ذاكرة الجسد”، و”فوضى الحواس”، و”عابر سرير” تحمل الكثير من العلامات الدالة على تقاطع سيرتها الروائية/ النصية وسيرة مبدعتها. فصيغة الاسم الذي يشكل “الموضوع العميق للسيرة الذاتية عليه تقوم التجربة وحوله يدور الحكي، وفي سبيل تنزيه رتبته تكتب السيرة الذاتية”(46)، توحي بتقاطع حياة/ وأحلام، باعتبار اشتراك الاسمين في حرفي الألف والحاء، وهما حرفا الألم، إذ “من الجرح -في تصور أحلام مستغانمي- يولد الأدب”(47). ونجد هذا الاسم في الرواية على شكلين مترابطين كدال على حياة/ المرأة: طالبة الفنون الجميلة في “ذاكرة الجسد” وزوجة أحد كبار الضباط في “فوضى الحواس” و”عابر سرير”، ثم كدال على حياة المبدعة/ الكاتبة الروائية في هذين النصين الأخيرين”(48).

ثم نجد النسب/ الرمز التاريخي، بانتساب حياة/ أحلام إلى أحد أبطال ثورة التحرير الجزائرية، مما يكسب النسب في السيرة الذاتية دوره الحاسم في التعريف بالذات والاعتبار بمركزها الفريد:/بنة الشهيد حكاية الشخصية/ حياة، باعتباره مرجعا للتاريخ الفردي والجماعي في آن.

ويحضر الحديث عن العائلة في أعمال الكاتبة الروائية، باستعادة تاريخ الأب النضالي الذي غيبه الاستشهاد عن حياة الشخصية الروائية حياة، ليكون عاملا لبروز شخصية الأم وتضخيم أدوارها وإضفاء اعتبارا أكبر عليها. فتسرد جوانب من أنوثتها المعطوبة وقد ترملت في السن العشرين، بعد أن تيتمت في طفولتها، فنذرت حياتها لأبنيها: حياة وناصر.

وتستعاد الطفولة، فنستفيد أن حياة ولدت بتونس زمن حرب التحرير، قبل أن تنتقل عائلتها غداة استقلا الجزائر إلى الجزائر العاصمة لتقيم بها. ومنها تسافر حياة إلى باريس لمتابعة دراستها العليا. فنكتشف تميز دراستها بمرحلتين متمايزتين: الأولى في الجزائر حيث الثقافة العربية الإسلامية: مدينة الثقافة الأصلية والثانية بباريس عاصمة الثقافة العصرية/ المنفتحة والمتحررة.

وفي الحقيقة، فإن الكاتبة، وعبر بطلتها حياة تستعيد ظروف وجودها الاجتماعي بين مرحلتي، الطفولة والشباب، وفضاءات ثلاثة، هي: تونس المولد، والجزائر الموطن، وباريس الغربة. وهي تعيد “إنتاج مختلف الصور الحاضنة لذلك الوجود الاجتماعي كما تلفظها الذاكرة، دون أن تهمل بطبيعة الحال طبيعة المسافة القائمة بين الماضي والاستذكار أو بين الكتابة والتذكر”(49). فالماضي المستعاد هو ماضي الحكاية التي تسردها الكاتبة بعد أن استقامت كذكرى.

ثم إن كل مراحل الطفولة والشباب المستذكرة في روايات الكاتبة، بوصفها جزءا من الماضي، “تتحول مهما كانت الوقائع المعبرة عنها على صعيد الكتابة واللغة، إلى حنين يستعير بقايا تجربة معاشة، وهي تتشكل كوقائع مروية”(50)، خاصة بعد أن حققت الكاتبة رتبتها الاجتماعية: صحفية والأدبية: كاتبة قصصية وروائية بالإضافة إلى كونها شاغرة. وتمثل الرتبة مدلولا لوجودها الاجتماعي وقد توفرت لها شروط مخصوصة أسهمت في تحقيقها وبلورت المفيد من سماتها: هي النسب/ الرمز التاريخي، والثقافة العصرية بباريس، والإبداع الأدبي: شعرا وقصة ورواية. فنحن لا نقرأ على امتداد روايات هذه الكاتبة إلا تلك الشخصية التي جعل منها النسب رمزا تاريخيا والعلم مرتبة أدبية، والحياة كيانا أنثويا يمتلك علامات تفرده في ممارسة تجربة الوجود.

ونجد ذات القرائن الدالة على تقاطع سيرة الشخصية الروائية مع سيرة مبدعتها في بقية نصوص هذه الرواية النسائية الجزائرية ذات التعبير العربي، ففي رواية “في الجبة لا أحد”، لزهرة ديك، يمارس بطلها السي سعيد- السارد الذكوري المستعار- ذات المهنة التي تمارسها مبدعته، وهي الصحافة. ونقف في روايتي الكاتبة فضيلة فاروق، “مزاج مراهقة”، و”تاء الخجل” على العديد من علامات التلاقي بين سيرة الكاتبة وسيرة بطلتيها لويزا في الرواية الأولى وخالدة في الرواية الثانية. فهذه الأخيرة على سبيل المثال تمارس ذات المهنة التي تمارسها مبدعتها وهي الصحافة. وتنتمي إلى ذات موطنها: بلدة آريس من ولاية باتنة (شرق الجزائري)، وانتقلت مثلها إلى قسنطينة كي تصبح طالبة في جامعتها، قبل أن تتخرج صحفية وتنظم إلى أسرة تحرير إحدى الصحف في الجزائر العاصمة…(51).

وهكذا، فإن السيرة الذاتية تمثل رافدا مهما في كتابة المرأة الجزائرية الروائية، يسهم في إغنائها جماليا ودلاليا، حيث يتيح لها إعادة صياغة الكينونة، من خلال بحثها عن ذاتها المقتلعة من حياة هي حق لها، ومن تاريخها المستلب، ذات مقموعة في واقعها المعيش والمحكومة بأكثر من سلطة متسلطة”.(52).

إن استثمار المرأة الكاتبة لجوانب من سيرتها الذاتية في ممارستها الروائية يعكس وعيها بأن الكتابة هي وحده التي تكسب أناها الوجودي الديمومة، إذ تؤكد هويتها الخاصة وتبرز كيانها المختلف، في مجتمع ذكوري يواصل تكريس هامشيتها.

3-2- كتابة المرأة وأوجاع الأنوثة المعطوبة:

تشكل عوالم المعطوبة في شتى تجلياتها النفسية والحسية والذهنية، أسئلة مهمة في متن الحكائي للرواية النسائية الجزائرية ذات التعبير العربي. وهي عوالم تتأسس على أشكال من المكاشفة والاعترافات الصامتة، التي يتداخل فيها والمتخيل، الحقيقي والحلمي، وتنجزها كاتبات هذه الروائية في صياغة تراوح بين التصريح والتلميح، والإعلان والإضمار، خشية ارتكاب المحظور، في مجتمع جزائري لا يتسامح كثيرا مع حرية المرأة الكاتبة. وتقوم الذاكرة بدور أساسي في تشكيل هذه العوالم، وما تنبني عليه من تجارب حياتية تشكل قضايا: الحب، والزواج، والجسد مداراتها الجوهرية التي تدور في فلكها.

فقد مثل الحب تيمة أساسية في المتن الحكائي النسوي، حيث لا يكاد نص من نصوصه يخلو من الحديث عنه/ وفيه، من خلال تصوير علاقة عاطفية، أو أكثر، بصيغ تراوح بين الحياء والجرأة، باعتبار دقة وحرج موقف المرأة/ الكاتبة وهي تتحدث عن الحب، في مجتمع جزائري ذكوري ينظر بارتياب إلى مثل هذا الحديث الذي يعده فضائحيا، وذلك رغم ما يبدو عليه من علامات تفتح وتحرر.

فالكاتبة الجزائرية تصدر في ممارستها الروائية عن هذه العاطفة التي غالبا ما تشكل تحولا مهما في حياتها، لما يتولد عنها من تغيرات تطال الأنثوي الشعوري والحسي، وأفق صيرورتها، مما يعلل المنزلة الأثيرة التي يحظى بها الحب حياتها، خاصة وهي تدركه رديفا للحرية بل “هو تعبير عنها، وتجسيد لها. فهو القيمة الوحيدة التي بإمكان الإنسان أن يفرد لها وجوده، ويضحي في سبيلها بحياته”(53). وهذا ما يفسر حديث كاتبات الرواية العربية الجزائرية عن الحب/ وفيه بكثير من الحذق والخبرة، إلى حد جعل إحداهن، وهي أحلام مستغانمي تعتبره “محض تقنية نسائية. لا تعني الرجل سوى بدرجات متفاوتة من الأهمية”(54). وتمثل روايات هذه الكاتبة نماذج دالة على تمكن تيمة الحب من نفوس كاتبات الرواية الجزائرية ونصوصهن. فقد تواترت تعريفاتها له إلى حد التتويه، الذي يؤكد استعصاء الحب على الحد. فكان الالتباس الحالة المتمكنة منه، والغموض الصفة الدالة عليه، إذ تتداخل التخوم بينه وبين الأدب، وبينه وبين اللغة التي تتحول بموجبها الحالة العشقية إلى حالة لغوية، من خلال فعل الكتابة. وهو ما تفصح عنه حياة، في “ذاكرة الجسد” في قولها:

الحب هو ما حدث بيننا، والأدب هو كل ما ثم يحدث لغة ولكن بين ما حدث وما لم يحدث حدثت أشياء أخرى لا علاقة لها بالحب ولا بالأدب فنحن في النتيجة لا نصنع في الحالتين سوى الكلمات.. ووحده الوطن الأحداث ويكتبنا كيفما شاء.. مادمنا حجره..”(55).

وهو أي – الحب – التماس بين الممكن والمستحيل، والمتوقع واللامتوقع، المقدس والمدنس، المنطق واللامنطق، والموت والحياة، باعتبار أن “الحب كالموت، هما اللغزان الكبيران في هذا العالم، كلاهما مطابق للآخر في غموضه، في شراسته، في مباغتته، في عبثيته، وفي أسئلته..”(56). فبدون ملامسة الموت لا توجد حالة حب شاهقة بما فيه الكتابة، لتسمى عشقا”(57).

غير أن الحب يبدو رهانا خاسرا لجل بطلات الروايات النسائية الجزائرية. فكان العطب الصفة الدالة على ما عشنه من علاقات عاطفية، تنتهي بالفقدان/ الموت أو بالهجر/ الانفصال. فمن النمط الأول نذكر المصائر الفاجعة لعلاقات: مليكة/ أحمد، في رواية “لونجة والغول”، لزهور ونيسي، حيث تترمل مليكة بسب استشهاد زوجها أحمد في الجبهة، وحياة/ زياد الشاعر الفلسطيني، في “ذاكرة الجسد”، لأحلام مستغانمي، حيت يستشهد زياد في إحدى المعارك بجنوب لبنان، وجميلة/ الرشيد، في “بحر الصمت”، لياسمينة صالح، بسب استشهاد رشيد في الجبهة.

أما النمط الثاني المقترن بالهجر، فمتواتر في الكثير من العلاقات العاطفية التي تعرضها نصوص هذه المدونة الروائية النسائية ونمثل له بحياة/ خالد بن طوبال، في:”ذاكرة الجسد”، حيث تتخلى الأولى عن الثاني لتتزوج أحد كبار الضباط في الجزائر، وحياة/ صاحب الرداء الأسود في: “فوضى الحواس”، و”عابر سرير” بسبب حالة الحب الملتبس والناجمة عن فوضى الحواس”، وحورية/ أيدير في: “رجل وثلاث نساء”، لفاطمة العقون، بسبب تواكل الزوج على زوجته، والصافية وسالمة/ لزهاري، في ذات الرواية بسبب عقم الزوجتين، وحياة/ فائق في: “بين فكي وطن”، لزهرة ديك، بسبب أنانية الرجل الذي اغتصب حياة ورفض أن يعقد عليها. وهذا ما يفسر سلبية صورة الرجل في النصوص الروائية للمرأة الجزائرية، مقابل إيجابية صورة المرأة، فهي المذنب دوما في حقها، لتكون بذلك الضحية الأبدية، مما يكرس الطابع الذاتي لهذه الروايات النسائية، ويضعف بعدها الموضوعي بسبب لزوم أولئك الكاتبات الصمت إزاء الوجه الآخر للمرأة التي تقترب في هذا الإبداع الروائي النسائي “من الكائن الطبيعي الفطري وتنتمي إلى الكائنات العجيبة غير المروضة التي تكاد أن تكون مستقلة عن المؤسسات الاجتماعية من حيث تكوين صفاتها…”(58).

ويفسر تواتر حضور هذه العاطفة المعطوبة في المدونة الروائية النسائية للكاتبات الجزائريات، عطب علاقات الزواج الذي يشكل هو الآخر موضوعا مهما، يتقاطع وموضوع الحب، ويتواتر في أغلب المتون الحكائية لنصوص هؤلاء الكاتبات، باعتباره يشكل مدار وجود الأنثى راهنا ومستقبلا، وإن فقد الكثير من سلطة إغرائه في السنوات الأخيرة بسبب تفاقم مظاهر الأزمة الاجتماعية والاقتصادية للجزائر، مما ضخم ظاهرة العنوسة في صفوف الفتيات. وهو ما تفصح عنه إحدى شخصيات رواية: “في الجبة لا أحد” للكاتبة زهرة ديك، في قولها:

متى نتزوج؟

سؤال تعب من كثر ما علقته بنات المدينة على شفاههن ولم يتعبن، غنه عملتهن المتداولة في سوق الزواج الكاسدة هذه الأعوام..”(59).

وتكشف حياة بطلة رواية: فوضى الحواس، للكاتبة أحلام مستغانمي عن عطب العلاقات الزوجية السائدة في هذا الزمن، في قولها: “البدء نحن ندري مع من تزوجنا ثم كلما تقدم بنا الزواج لا نعود ندري مع من نعيش”(60).

ويتواتر حضور العلاقات الزوجية المعطوبة في أغلب النصوص الروائية للكاتبات الجزائريات ففي روايتي: “فوضى الحواس”، و”عابر سرير”، تعمد البطلة حياة، غلى خيانة زوجها أحد كبار الضباط، باتخاذ أحد المصورين الصحفيين عشيقا لها، حتى تتجاوز حالات الوحدة والفراغ والكبت التي كانت تسم حياتها، خاصة أنها لم تتزوجه عن حب وإنما بغية نسيان عدد من رهاناتها الخاسرة مع الحياة. تقول: “أنا لا أرتبط به.. أنا أهرب إليه فقط من ذاكرة لم تعد تصلح للسكن، بعدما أثثتها بالأحلام المستحيلة والخيبات المتتالية…”(61).

ويعمق خسران المرأة لرهان كل من الحب والزواج أشكال معاناتها النفسية، ويضخم تأزم وضعها الاجتماعي، مما يدفعها إلى إعادة النظر في نظرتها للعالم، وعلاقتها بالأخر/ الرجل والمجتمع في آن. فيكون اللجوء إلى الكتابة الروائية سبيلها إلى تصريف أشكال معاناتها الناجمة عن إخفاقاتها، وإلى تعويض ما خسرته من رهانات الوجود بالأدب الذي يمكنها من إضفاء المعنى على وجودها المستلب، ومن تحقيق ديمومة أناها في مجتمع جزائري لا يني عن إقصائها.

ويحضر في سياق تناول كاتبات هذه الرواية لموضوعي الحب والزواج_ حديثهن عن الجسد/ وفي الجنس، من خلال تصوير علاقة الأنثى بجسدها في حال الإكراه/ كما في حال الاستجابة، إبراز موقفها الرافض والمدين للتصور الذكوري للجسد الأنثوي، والذي يدركه سبيلا لتحقيق اللذة والمتعة لا غير. وهو ما تعبر الكاتبة أحلام مستغانمي في قولها على لسان بطل روايتها “فوضى الحواس”: “لا مساحة للنساء خارج الجسد. والذاكرة ليست الطريق الذي يؤدي إليهن، في الواقع هناك طريق واحدة لا أكثر…”(62).

ويكرس هذا المنظور الذكوري نظرة الرجل الشبقية للجسد الأنثوي يمثل مصدر وجع للأنث، خاصة في حال إكراه الجسد على الاستجابة، من خلال اغتصاب الذكورة للأنوثة بشكل أناني يدرك مدى التوحش في كثير من الحالات. وهو ما يتواتر سرد حكاياته في العديد من الروايات النسائية الجزائرية، نمثل لها بريمة، بنت الثماني سنوات والتي يلقي بها أبوها من على جسر سيدي مسيد تخليصا لها من العار، بعد اغتصاب بقال الحي لها في دكانه، وذلك في رواية “تاء الخجل”، للكاتبة فضيلة الفاروق، وبيمينة وصاحبتيها رزيقة ورواية، اللاتي وقع اختطافهن من الجماعات الإسلامية المسلحة واغتصابهن، في ذات النص الروائي، قبل أن يتم تحريرهن، فيشهدن لاحقا مصائر فاجعة، حيث تموت يمينة في المستشفى وتنتحر رزيقة وتجن رواية.

فكاتبات هذه الرواية يرفضن أن يتحول كيان الأنثى إلى مجرد جسد يشكل مصدر شهوة لا يثير في الرجل إلا غريزته، ويكره على ممارسة طقوس المتعة_ ليؤثرن بدل ذلك معاناة الكبت الجنسي الذي يعمدن إلى تصريفه بأشكال متنوعة، منها الرقص في طقوس الحضرة. وهو ما تصوره الكاتبة أحلام مستغانمي في رواية “ذاكرة الجسد”، في سياق حديثها عن وضع نساء قسنطينة المأزوم: “تعودت النساء هنا منذ زمن على حمل رغبتهن قنبلة موقوتة، مدفونة في اللاوعي لا تنطلق من كبتها الجنسي إلا في الأعراس عندما تستلم النساء لوقع البندير، فيبدأن الرقص وكأنهن يستسلمن للحب. هكذا تمارس النساء الحب… وهما في قسنطينة”(63).

وقد تلجأ الأنثى إلى الانتقال من البيت فضاءها الخاص والحميمي إلى الشارع ، الفضاء العام/ المشترك، للتخلص من عتو رغبات الجسد في حالات اهتياجية. وهو ما تكشف عنه حياة بطلة رواية “فوضى الحواس” للكاتبة أحلام مستغانمي، في قولها: “في الواقع، حيث كنت، حالة من الضجر الجسدي تنتابني كل يوم في توقيت القيلولة وكيفما كان الطقس، يطاردني هذا الإحساس حتى مجيء الغروب، ويضعني كل عصر أمام الأسئلة نفسها. ماذا يفعل الناس أثناء هذا الوقت بوقتهم. وأجسادهم؟ وكيف ينفقون هذه الساعات؟ ولماذا في العصر دون أي وقت آخر، ذبذبات عالية من الشهوة تسيطر على تلك الغرفة النسائية، التي تنتقل فيها النساء بثياب البيت.. متكاسلات.. ضجرات؟

ولم يكن أن كاتبات الرواية الجزائرية، مثلما صورن حال إرغام الجسد الأنثوي على الاستجابة. وكشفن معاناة الأنثى الناجمة عن كبتها الجنسي، تطرقن إلى الحديث عن الجنس وهو ما يمارس في طقوس عشيقة، تضج ألق شهوة وعنفوان متعة، وذلك باستخدام أفانين من الحيل الكلامية التي تشكل علامات دالة على إمساكهن عن الخوض جهرا في الجنس، بتسمية الأشياء بمسمياتها تهيبا من أحكام البيئة وضوابط الأخلاق وأعراف المجتمع، والتي تعتبر حديث المرأة عن/ وفي الجنس محرما، باعتبار اندراجه ضمن المسكوت عنه من موضوعات الكلام وفنون القول. إنها بلاغة السكوت الدال وتفضيل الإيحاء الشعري في تصوير طقوس الجسد وهو يمارس أقاصي اللذة، بالاستثمار المكثف للمجاز والاستعارة والمشتبه من الكلمات، والغامض من الإشارات التي لا تخلو من إيحاء جنسي. وهو ما نمثل به بهذا المقطع من رواية “فوضى الحواس”: “زوبعة بحرية ذهبت بأسئلتي وبعثرتني رغوة على سرير الشهوة. كان البحر يتقدم، يكتسح كل شيء في طريقه يضع أعلام رجولته على كل مكان يمر به، مع كل منطقة يعلنها محتلة وأعلنها منطقة محررة كنت أكتشف فداحة خسائري قبلة”(65).

ويشكل الجنس في أكثر من نص روائي نسوي سبيل المرأة الجزائرية إلى نسيان أشكال معاناتها الناجمة عن وضعها المأزوم في مجتمعها. وهو ما تفصح عنه الكاتبة أحلام مستغانمي على لسان بطلة روايتها “فوضى الحواس” في قولها عن الجنس: “هو كل ما نملك لننسى أنفسنا”(66)، كما يمثل الجنس الوسيلة التي يلجأ إليها الرجل الجزائري زمن الإرهاب لتصريف كل أشكال رعبه من الموت المترصد، وشعوره بالاغتراب والضياع وانسداد الأفق. وهو ما تعبر عنه الكاتبة زهرة ديك، في أحد مقاطع روايتها “في الجبة لا أحد” بقولها: “وصار معها جسدا لجسد، ومع الخطر وجها لوجه.. ولكن لا بأس تهون الحياة من..”(67).

وقد عبرت كاتبات هذه الرواية عن موقفهن الرافض لهذا الوضع المأزوم والمتهافت للمرأة الجزائرية، في خطاب ذاتي يدعو إلى التمرد دون أن يقدم البدائل الممكنة والكفيلة بتغيير وضع المرأة الجزائرية نحو الأفضل. وهو ما عبرت عنه البطلة حياة، في رواية “فوضى الحواس” للكاتبة أحلام مستغانمي، في قولها: “الطريقة الصحيحة لفهم العالم، هي التمرد على موقعنا الصغير فيه، والجرأة على تغيير مكاننا وتغيير وضعيتنا”(70)، إلا أن تحقيق مثل هذا التغيير يبقى مرتهنا بمدى ما تملكه المرأة الجزائرية من إرادة، باعتبار أن “النساء أيضا كالشعوب إذا هن أردن الحياة فلا بد أن يستجيب القدر حتى إذا كان الذي يتحكم في أقدارهن ضابط كبير أو دكتاتور صغير في هيأة زوج..”(71)، وكذلك بمدى قدرتها على الفعل بدل الحلم، والمبادرة بدل الانتظار، لأن “الترقب حالة عبودية”(72).

ولما كانت السياسة أحد العوامل المؤثرة في حياة المرأة الجزائرية والمحددة لوضعها ولأشكال وجودها الاجتماعي المأزوم، فقد شكلت أحد الأسئلة المهمة في جميع النصوص الروائية للكاتبات الجزائريات.

4-2 المرأة الجزائرية والسياسة: متاهة جيل وضياع أفق

مثلت السياسة سؤالا مركزيا في أغلب المتون الحكائية لكاتبات الرواية العربية الجزائرية، وذلك بسبب ما كان لها من تأثير عميق في واقع مجتمعهن، ومن آثار على وضع المرأة في مختلف أبعاده النفسية والذهنية والاجتماعية. فإن استثنينا روايتي، “رجل وثلاث نساء”، لفاطمة العقون، و”مزاج مراهقة” لفضيلة الفاروق”، وجدنا بقية الروايات النسائية الجزائرية تطرح المسألة السياسية شاغلا أساسيا لكاتباتها اللاتي عمدن إلى ملامسة أبرز قضاياها والوقوف عند أهم انعكاساتها على الفرد والمجتمع، بسبب تفاعل المرأة الجزائرية مع الظاهرة السياسية لوطنها وانفعالها بها. حتى وإن كانت – في الأغلب- غير فاعلة فيها، مما يبقى النشاط السياسي حكرا على الرجل.

وقد تم تناول المسألة السياسية في “مجمل نصوص هذه المدونة الروائية النسائية من زاويتين، تعكسان موقفان مختلفين من ثورة التحرير الجزائرية، ومن السلطة السياسية لجزائر الاستقلال. الزاوية الأولى تقليدية تقوم على منظور نمطي لثورة التحرير يرى فيها النموذج الأرقى والأكمل للفعل النضالي. فكانت نزعته الإحتفائية بها، وهو ما جسده روايتا “لونجة والغول”، لزهور الونيسي، و”بحر الصمت”، لياسمينة صالح. ففي الأولى تعرض الكاتبة صورة ثورة التحرير في شكلها النموذجي المنزه عن كل الأخطاء والانحرافات والصراعات، وذلك من خلال رصدها لحياة عائلة جزائرية من سكان حي القصبة، زمن اندلاع حرب التحرير وما كان لها من انعكاسات عميقة على وجودها وتحديد مصائر أفرادها. فتكون الثورة بمثابة “زلزال قلب البلاد والعباد رأسا على عقب، قلب أوضاعهم، غير تصرفاتهم، بدل مفاهيمهم للأمور ووظف من عبقريتهم وذكائهم وشجاعتهم في قضايا عديدة”(73). ويرتقي المجاهدون- في سياق ذات المنظور- إلى مصاف الملائكة الذين “لا يظهرون للعيان، ملائكة يسكنون قمم الجبال القريبة من السحب”(74). ويعلل هذا الخطاب الاحتفالي بثورة التحرير باعتبار الكاتبة “أكبر ثورة في العصر الحديث”(75) مثلما ورد في تصديرها للرواية، ومن ثم فإن كتابتها عنها في التسعينات من القرن الماضي أي بعد ما يزيد عن ثلاثة عقود من استقلال الجزائر لا يخرج عن إطار تمجيدها، احتفالا بلحظة النصر وتحقيق الاستقلال. فلم تقدم الرواية تبعا لذلك جديدا في منظورها الجمالي والدلالي لقيمة ثورة التحرير.

وتنجو الرواية الثانية: “بحر الصمت” ذات منحى رواية زهور ونيسي، حيث تتناول ذات المرحلة الزمنية: حرب التحرير بين سنوات 1957 و1962، وتعرض الثورة ورجالها بشكل احتفالي مستهلك، إذ ترفعها إلى مصاف المقدس، حيث “تقدر على غسل أثار الناس لمجرد انتسابهم إليها”(76). وتنغلق أحداث الرواية على لحظة النصر وهي تقترب. وهو ما يورط كاتبة هذه الرواية في محاكاة عشرات النصوص الروائية الجزائرية التي اتخذت من ثورة التحرير تيمتها الأساسية، خاصة أنها تعش وقائعها ولم تعايشها وقائعها، فتكون مرجعيتا كاتبتها القراءة والسماع لا التجربة. وهو ما يعلل انحصار العلامات الدالة على الجدة في الرؤية والصياغة والموقف.

أما الزاوية الثانية التي تم خلالها التعامل مع المسألة سياسية فهي مغايرة للأولى، بسبب ما ميز صاحباتها من كاتبات الرواية من عنف ملامسة لمسار الثورة زمن التحرير، ولممارسات السلطة زمن الاستقلال، وعنف نقد لكل مظاهر انحرافها وأشكال تهافتها، في خطاب سياسي لا يتهيب من المحظور إذ ينزع إلى المباشرة في نقديته وإلى الوضوح في تسمية الأشياء بأسمائها وفي التعبير عن موقف الاحتجاج والإدانة وقد أدركنا أن الاستقلال خذل تطلعاتهن إلى الإسهام في تحديث مجتمعهن الجزائري.

فهذا الجيل الجديد من كاتبات الرواية العربية الجزائرية يقف من تاريخ ثورة التحرير الجزائرية موقف مسألة وإعادة نظر تاريخها الرسمي المدون والذي يشكل الايدولوجيا المهيمنة للسلطة الحاكمة، بغية إعادة كتابته من جديد حتى يسقط الزائف منه ولا يبقى غير الأصيل الخالص “فوحدة تاريخ الشهداء قابل للكتابة، وما تلاه آخر يصادره الأحياء، وسيكتبه جيل لم يعرف الحقيقة، ولكنه سيستنتجها تلقائيا. فهناك علامات لا تخطئ”(77).

وتندرج في ذات السياق – نقدية هؤلاء الكاتبات لتلك الشريحة من كتاب الرواية الذين تبنوا إيديولوجية السلطة في تناول تيمة الثورة. وقد عبرت عنها أحلام مستغانمي في قولها: “لقد ذهلت عندما قرأت القصص التي كتبي عن الثورة الجزائرية. لم يكن المنطق ليشدها بل كتبت لتمجد”(78). وهو ما دفعها إلى إعادة النظر في مفهوم البطولة التي خلعتها المخيلة الشعبية الجزائرية والكثير من النصوص الروائية الجزائرية – ذات التعبير العربي – على المنتمين إلى الثورة والمناضلين في صفوفها حيث رفعتم إلى مصاف المقدس، لتجعل منهم ملائكة لا بشرا، لهم حالات ضعفهم وإخفاقهم، بنسبتها إليهم من الأفعال ما يفوق قدرة البشر وتكشف عن خلفيات كتابها رواية “ذاكرة الجسد” في قولها: “أردت أن أكتب رواية عادية بكل انكساراتها لترددها. إننا تخلق أبطالا.. حتى الأبطال لهم لحظات ضعف”(79).

وتمثل النقدية السياسية لسلطة الاستقلال بسبب إخفاق اختياراتها واستشراء مظاهر الفساد في أجهزتها والتي انتهت بالجزائر إلى الفتنة والإرهاب، مدار روايات الكاتبة الثلاث “ذاكرة الجسد”، و”فوضى الحواس”، و”عابر سرير”، حيث تعبر في جميعها عن خيبة أملها وجيلها في الاستقلال الذي تعده نوعا من الامتداد للاستعمار، باعتبار جنوح السلطة الحاكمة إلى ممارسة ذات أشكال القمع والاستلاب التي كان يأتيها المستعمر من خلال المحاكمات السياسية والتصفيات الجسدية والتحقيقات والاعتقالات لرفاق الأمس. فخالد بطل: “ذاكرة الجسد” والذي كان يسجن بتهمة مقاومة الاستعمار يعتقل الآن في زمن الاستقلال ويحقق معه للاشتباه في أمره أي أن ذات الثورة التي ناضل في صفوفها زمن الاستعمار هي التي تضايقه في الزمن الحاضر وقد تم الاستقلال..”(80)، ذلك أن سجن “الكديا” بمدينة قسنطينة، والذي “كان ينقل إليه المستعمر المجاهدين عام 1945 ليحقق معهم ويمارس القهر والتعذيب عليهم لا يزال قائما ليؤدي ذات الممارسات، فإليه يقاد خالد فجر أحد أيام شهر جوان 1971، وهو معصوب العينين ليحقق معه بعد اشتباه السلطات في أمره. وهو ما أشعره بالمرارة لما تشهده الثورة من انتكاسات في مسارها خيبة أمله وجيلة فيها، وأجهضت كل التطلعات التي كانت تقوم عليها مبادئها الأصلية، يقول: “هل توقعت يوم كنت شابا بحماسه وعنفوانه وتطرف أحلامه أنه سيأتي بعد ربع قرن، يوم عجيب كهذا، يجردني فيه جزائري مثلي، من ثيابي، حتى ساعتي وأشيائي ليزج بي في زنزانة (فريدة هذه المرة) زنزانة أدخلها باسم الثورة. هذه الثورة التي سبقت وجردتني من ذراعي…”(81). وهو ما تدينه الكاتبة بشدة، حيث تعتبر أن سلطة الاستقلال أجحفت في حق المخلصين من أبناء الثورة، الأحياء منهم والأموات، فلم تخصهم بما هم جديرون به من تقدير وتكريم، بل إن امتيازات الاستقلال استثمرها الساسة في الدعاية لهم وتثبيت دعائم حكمهم، واستفاد منها الوصوليون والانتهازيون لغنم الثروات الفاحشة وقد عمدت إلى فضح مباذلهم في قولها:

هاهم هنا

كانوا هنا جميعا كالعادة..

أصحاب البطون المنتفخة والسجائر الكوبية والبدلات التي تلبس عل أكثر من وجه.. أصحاب كل عهد وكل زمن… أصحاب الحقائب الدبلوماسية أصحاب المهمات المشبوهة أصحاب السعادة النعاسة وأصحاب الماضي المجهول..

ها هم هنا..

وزراء سابقون.. ومشاريع وزراء.. سراق سابقون…

ومشاريع سراق.. مديرون وصوليون.. يبحثون عن إدارة.. مخبرون سابقون وعسكر متنكرون في ثياب وزاوية..

هاهم هنا..

أصحاب النظريات الثورية، والكسب السريع، أصحاب العقول الفارغة والفيلات الشاهقة والمجالس التي يتحدث فيها المفرد بصيغة الجمع.

هاهم هنا.. مجتمعون دائما كأسماك القرش، ملتفون دائما حول الولائم المشبوهة.. أعرفهم وأتجاهل..”(82).

ولا تتهيب الكاتبة – في ذات السياق – من النقد العنيف والإدانة الشديدة لسلطة الاستقلال واختياراتها الخاطئة التي ألحقت الكثير من الضرر بالشعب الجزائري، من ذلك تبني النظرية الاشتراكية في عهد الرئيس هواري بومدين وتطبيقها دون مراعاة خصائص المجتمع الجزائري ولا تهيئة الشعب لاستيعابها. فلم تكن الثورة التي دعت إليها في أكثر من مجال وسعت إلى تحقيقها، إلا ثورة زائفة، غلبت عليها الشعارات، لأن الثورة الحقيقية في تصورها، هي تلك التي تقطع مع التبعية للآخر في شتى الميادين، لتعتمد على قدراتها الذاتية، وهو ما تفصح عنه في قولها: “فكيف يمكن لإنسان بائس فارغ وغارق في مشكلات يومية تافهة ذي عقلية متخلفة عن العالم بعشرات السنين، أن يبني وطنا أو يقوم بأي ثورة صناعية أو زراعية أو أية ثورة أخرى.

لقد بدأت كل الثورات الصناعية من الإنسان نفسه. ولذا أبح اليابان يابانا وأصبحت أوروبا ما هي عليه اليوم. وحدهم العرب راحوا يبنون المباني ويسمون الجدران ثورة ويأخذون الأرض من هذا ويعطونها لذلك، ويسمون هذا الثورة.

الثورة عندما لا تكون بحاجة إلى أن تستورد حتى أكلنا من الخارج. الثورة عندما يصل المواطن إلى مستوى الآلة التي يسيرها”(83). كما لا تردد ذات الكاتبة في نقد سياسة الرئيس الشاذلي بن جديد وما شهدته من انحرافات عن مبادئ الثورة وإخفاقات في الاختيارات، حيث “أهدر سنوات بأكملها من رغبات شعب”(84).

وترى أحلام مستغانمي في عجز القيادة الحاكمة على التسيير المحكم لجزائر السبعينات مع هواري بومدين والثمانينات مع خلفه الشاذلي بن جديد السبب المباشر في اندلاع الفتنة الجزائرية وبداية زمن محنة الإرهاب منذ نهاية الثمانينات من القرن الماضي إلى الآن. فقد كتبت رواياتها الثلاث وهي مأخوذة بهذا الوضع المأساوي.

وكذلك كان شأن كل من زهرة ديك في روايتها “بين فكي وطن”، و”في الجبة لا أحد”، وفضيلة الفاروق في نصها “تاء الخجل”. فجميعهن أنشأن نصوصهن وهن مأخوذات بأوضاع الفتنة الجزائرية وبمناخات الإرهاب الذي تمارسه الجماعات الإسلامية المسلحة التي حولت أرض الجزائر إلى “أكبر دار لدعارة القتل، وذلك وفق منطق جبان وشريعة غابية تبيح ضرب الشعب الأعزل لزعزعة السلطة”(85) وصيرت الوطن “سجنا لا عنوانا معروفا لزنزانته لا اسم رسميا لسجنه، ولا تهمة واضحة لمساجينه”(86)، فقد انتشرت مظاهر الفوضى وتمكنت حالة الرعب من النفوس بفعل تواتر وقائع الاختطاف والقتل والاغتصاب وعجز السلطة عن توفير الأمن للشعب الأعزل. وهو ما تدينه بشدة الكاتبة “زهرة ديك”، في أحد مقاطع روايتها “في الجبة لا أحد”، في قولها: أين الأمن؟ وأين الحكام والساسة في هذه البلاد؟ أين وعودكم وخطبكم واجتماعاتكم وتصريحاتكم الجوفاء؟ لقد جزم عبث سياستكم المغشوشة يقين الناس وفتت كل أمل لديهم في الظفر بشيء، مما يختزنه تراب هذا البلد من ذهب أصفر وأسود”(87).

وقد تعددت الصفات السلبية التي خصت بها أولئك الكاتبات زمن المحنة الجزائرية وتنوعت لتكرس النقدية السياسية لكل من السلطة الحاكمة والجماعات الإسلامية المسلحة في جزائر التسعينات(88)، وتعلل الرؤية التشاؤمية التي عبرن عنها في نصوصهن الروائية، بعد أن طالت انعكاسات الرهانات الخاسرة لسلطة الاستقلال وجودهن، وبلورت السمات النفيدة لمصيرهن، خاصة بعد أن انضافت إليها التأثيرات السلبية لظاهرة الإرهاب، مما ضخم حيرتهن إزاء مصير الذات والوطن وقد غامت الرؤية، وتعتم الأفق وضاق الوطن والتبست أبعاده. فكان اختيار بعضهن المنفى بديلا عنه، في غياب بديل الواقع. وهو ما جسدته تجربتا كل من أحلام مستغانمي وفضيلة الفاروق، حيث اتخذت الأولى من فرنسا/ المنفى وطنها الجديد، الذي تصور تجربتها الحياتية به، في قولها على لسان خالد بن طوبال بطل روايتها “ذاكرة الجسد”: رحت أؤثث غربتي بالنسيان أصنع من المنفى وطنا آخر لي، وطنا ربما أبديا، علي أن أتعود العيش فيه. بدأت أتصالح مع الأشياء. أقمت علاقات طبيعية مع نهر السان، مع جسر مرابو، مع كل المعالم التي كانت تقابلني من تلك النافدة والتي كنت أعيش في معاداة معها دون سبب..(89).

أما فضيلة الفاروق فتصور اختيار المنفى لبنان بديلا عن وطن المحنة في نهاية روايتها “تاء الخجل” بعزم الساردة وهي غير الساردة البطلة/ خالدة، على مغادرة الوطن/ الجزائر، وهي تحمل “حقيبة سفر” متزودة بالمجهول الذي يصبح بديلا عن الوطن”(90) ويكون من خير البقاء بالوطن، من الكاتبات نهبا لحالات الرعب الدام من الموت المترصد، والحيرة المستبدة من التباس الأوضاع، والضياع المتمكن من النفوس إلى حد اليأس من اقتراب أفق الخلاص. وهو ما تعبر عنه الكتبة زهرة ديك، في روايتها “في الجبة لا أحد” بقولها: “الأمل الآن لا وجود له تحت التراب أو وراء السماء”(19). وهي ذات الحالة من اليأس التي سبق للكاتبة أحلام مستغانمي أن عبرت عنها في روايتها “فوضى الحواس بقولها: “لقد أفلست كل قضايانا، سعيدة أنا من أجل الذين سيأتون بعدنا، لقد وفرنا عليهم أعمارا لن ينفقوها في أوهامنا”(92).

وهكذا “بعد ثلاثين عاما من الاستقلال حلت ظلمة ثقيلة، فانسد الأفق ووقع الحلم وتكسر وغطت أرض الجزائر الدماء من جديد”(93).

كل هذا يعكس قيمة المسألة السياسية ضمن أسئلة المتن الحكائي للنصوص الروائية النسائية، ومدى تأثيرها في مختلف أوضاع المجتمع الجزائري، ومنها وضع المرأة الذي طالت انعكاسات تلك الأوضاع المتأزمة والمتهافتة أشكال ممارستها للوجود وتحددت بسببها مسالك مصيرها، في وطن يمارس طقوس الحياة على إيقاع الموت الذي شكل سؤالا مركزيا لهذا النمط من الإبداع الأدبي النسائي في الجزائر.

5-2 الموت/ الذات وكتابة الفاجعة:

يحضر الموت سؤالا مركزيا مؤرقا محرقا في المتن الحكائي للرواية النسائية الجزائرية. فلا يكاد نص من نصوصها يخلو منه تيمة أساسية تشغل ذوات الكاتبات لتشكل هاجسا مهما في ممارستهن الكتابة الروائية. فكما الموت رديف الحياة فهو رديف الكتابة إذ يضفي على العوالم الروائية التي تشكلها الكاتبات الجزائريات أبعادا درامية تمثل رافد إغناء جمالي ودلالي لنصوصهن. فيتلون المكان: الجزائر/ الوطن في ماضيه كما في حاضره بمناخات الفاجعة والمأساة. ويكون الموت قدر الإنسان الجزائري الممتد في الزمان، والمشكل لتارخه الفردي والجماعي في آن، ينجزه الفرنسي زمن الاستعمار قمع للفعل الثوري الماهض، ثم يتابعه الجزائري/ زمن بكثير من الوحشية والعبثية ضد أخيه الجزائري، بالاغتيال الفردي/ أو الجماعي ذبحا أو رميا بالرصاص، منذ أحداث أكتوبر 1988 التي شكلت بداية محنة الجزائر.

وقد صورت مختلف تجلياتها وآثارها النفسية والمادية أغلب الروايات النسائية ذات التعبير الغربي. وهو ما عبرت عنه الكاتبة زهرة ديك- على سبيل المثال- في روايتها: “بين فكي الوطن”، بقولها على لسان بطلها: عمر/ الأستاذ الجماعي: “كل المؤشرات تؤكد أن مارد الموت تمكن من العربدة والجري في كل الأزقة والأحياء يقفز بجنون ويعبث بكل شيء بأشجارها وأحجارها، ينشب مخالبه في رقاب الخلق ويلاحقهم في كل مكان وزمان،… كل الفتحات والثقوب استحالت إلى عيون قاتلة متربصة… الهلاك بات يترصد كل شيء حي وقد تحول الناس إلى أشياء تتحرك… لا تفهم شيئا، لا تعني شيئا كل ما تتمناه أن تبقى على قيد الحياة ولا تقع بين مخالب مارد الموت”(94).

ولئن تعددت أشكال الموت وتنوعت في الزمنين: الماضي/ الاستعمار والحاضر/ الاستقلال فقد تباينت أسبابه والغاية منه. ففي الزمن الأول كان الموت يجسد ذلك الفعل الاستشهادي المقاوم للاحتلال الفرنسي والمجسم لبطولة الإنسان/ الشعب الجزائري وملحميته في سبيل تحرير وطنه زمن الثورة. وقد احتفت الكاتبات الجزائريات بهذا الموت/ البطولي من خلال استثمارهن لوقائع تاريخية تؤكد الفعل النضالي في بعديه الفردي والجماعي: مظاهرات 08 ماي 1945 مثالا، وعبر إبداعهن لنماذج ثورية اتخذت من تحرير الجزائر قضيتها الأولى. وهي نماذج يمتلك أغلبها وجوده المرجعي في تاريخ ثورة التحرير الجزائرية، بعضها حافظ على أسمائه الحقيقية في الواقع، شأن إسماعيل شعلال وبلال حسين ومصطفى بن بولعيد والطاهر الزبيري ومحمد لايفا وإبراهيم الطيب وديدوش مراد وباجي مختار وغيرهم في “ذاكرة الجسد” لأحلام المستغانمي، ومحمد بوضياف وهواري بومدين وغيرهما في “فوضى الحواس”، وكاتب ياسين ومصطفى كاتب وغيرهما في “عابر سرير” الرواية الأخيرة لذات الكاتبة، في حين ورد بعضها الآخر حاملا للأسماء متخلية تشي بوثيق صلتها بالواقع الذاتي/ أو الموضوعي للكاتبات نمثل لها بشخصيات أحمد في: “لونجا والغول”، لزهور ونيسي، وخالد بن طوبال والطاهر عبد المولى في “ذاكرة الجسد” لأحلام مستغانمي و”سي السعيد” في “بحر الصمت” لياسمينة صالح، والسعيد في: “بين فكي وطن” لزهرة الديك.

أما في الزمن الثاني/ الاستقلال وتحديدا منذ أحداث أكتوبر 1988، فلم يعد الموت فعلا مقاوما يكسب صاحبه الشهادة بل تحول إلى فعل عبثي/ مجاني ضخم محنة الوطن/ الجزائر وعمق مأساة الإنسان الجزائري الفردية والأسرية والمجتمعية. فعندما خسر الوطن/ الجزائر رهانه مع التاريخ زمن الاستقلال خسر الإنسان الجزائري تبعا لذلك رهانه مع الحياة، فتضخمت أشكال معاناته الذاتية، بفعل ما يتسبب له فيه الموت المحقق/ أو المؤجل منذ التسعينات من القرن العشرين إلى الآن من حالات خوف أربكت أنساق الحياة، ومن مناخات فوضى حولت الواقع إلى لا واقع، والمعقول إلى لا معقول والمنطق إلى لا منطق والأصيل من القيم إلى متهافت. وهو ما طبع رؤى كاتبات الرواية للذات والعالم بالتشاؤم من الراهن والآتي على حد سواء. فالموت محفز على الكتابة بسبب اقترانه بالفقدان والإخفاق مع. وهو ما عبرت عنه الكاتبة أحلام مستغانمي على لسان بطلتها حياة في “فوضى الحواس”،: بقولها: “من الأسهل علينا تقبل موت من نحب على تقبل فكرة فقدانه، واكتشاف أن بإمكانه مواصلة الحياة بكل تفاصيلها دوننا”(95).

ولئن أنتج نمط الموت الاستشهادي رواية الثورة الجزائرية، في أصالة انتمائها وفي احتفاليتها كما في نقديتها فإن نمط الموت العبثي الذي استشرى في جزائر التسعينيات من القرن العشرين ولا يزال، قد أنتج رواية المنحة الجزائرية، بعد أن تحولت الثورة إلى فتنة، مدارها الحكم. وهي رواية تتخذ من سؤال الموت مدار أسئلة متنها الحكائي، مما أضفى على عوالمها مناخات درامية حولت الوطن/ الجزائر إلى سجن/ مقبرة، وناسه إلى كيانات خاوية تمكن منها الخوف من الموت المترصد/ وسكنها الحداد من الموت المحقق، مما لون خطابها السردي بالذاتية التي تتجلى في استثمار بعض الكاتبات عددا من مكونات سيرهن الذاتية، والتي تعكسها علامات دالة في نصوصهن الروائية، حتى وإن عمدن إلى نفي ذلك، فضلا عن شعرنة بعضهن لغة خطابهن الروائي التي تردد إيقاع الفاجعة: في وطنهن الجزائر ومن خلاله في ذواتهن. لغة شعرية تنزع إلى الرثاء على إيقاع جنائزي، نمثل لها بهذا المقطع السردي/ الشعري من الرواية: ” في الجبة لا أحد، للكتابة زهرة ديك:

” يا امرأة بلا مصير

كل الغموض… أنت

كل الحيرة… أنت

يا من تمارسين العشق سرا فينضج جسدك شهدا… وعنبرا فتحبلين وتتفجرين نسلا مقطوع اللسان يغلي حبا… ومعصية… افعلي شيئا… قولي شيئا.

يا من جعلتني أدمن الموت على صدرك الشمعي… مكتوم الحواس

فهل ما يبوح به الجسد هو الذي يفتن قلبك أم ما لا يبوح به؟(96)

فسؤال الموت يورط الخطاب الروائي في الذاتية والشعرية في آن فتكون بلاغة الكتابة عن الموت “في زمن الوحوش البشرية” علي حد تعبير الكاتبة أحلام مستغانمي في روايتها: “عابر سرير”(97) في جرأة الكتابة عنه بملحمية تجسد شكلا من أشكال مواجهته، حلما بوجود أكثر عنفوانا “في جزائر ازدهر (فيها) الموت وأثرى حتى صار بإمكانه أن يمول نفسه”(98).

3- الرواية النسائية الجزائرية وسؤال الاختلاف/ الخصوصية:

يسم الطابع الإشكالي الحديث عن اختلاف الإبداع الروائي للكاتبة الجزائرية وخصوصيته قياسا على الإبداع الجزائري العام في نوع الرواية. فقد شكل- ولا يزال- مسألة أثارت الكثير من الجدل حولها في المشهد الأدبي والنقدي، بسبب تباين المواقف منها، والتي تراوحت بين الإثبات والنفي.

فالموقف الأول الذي يثبت توفر إبداع المرأة الجزائرية الروائي على علامات اختلاف، تشكل مظاهر خصوصيته، تبناه أكثر من ناقد(99)، وذلك استنادا إلى كون الخصوصية هي منطق الكتابة، وبنار هذه الخصوصية يتوهج العام، لكن تغيير العالم أو التأثير في العالم أو العام مبتغاها، من هنا كانت الكتابة لدى النساء، وكل تعبير صادق عن النساء كتطلع إلى تغيير العالم أو إعادة تشكيله (أي كفن) هي أسئلة للخصوصية وخروج بها إلى أفق التفاعل والفعل والفعالية، أو خروج إلى المشترك والعام”(100). ثم إن هذه الخصوصية لا تتصل بمرجع هذا النوع من الإبداع النسائي بقدر ما “تتبع من داخل الأدب النسائي نفسه فتمنحه اسما دالا محددا وواضحا”(101).

ولما كانت الأنوثة مصدر خصوصية إبداع المرأة عامة، والروائي منه خاصة، فإن النسوية تقصد الاختلاف والتمايز، وتنشئ معناها على ما هو عام، ولا يحتاج إلى تمايز وموهبة، على العكس من مفردة امرأة التي تتأسس عليها كل قيم الخصوصية والنبل والمواجهة”(102).

وبناء على ذلك فإن الإبداع الأدبي النسائي في جنس الرواية، يكون ذلك الأدب الذي يبرز خاصيات المرأة الجوهرية الإنسانية ورهافتها وحسها الشعري وعطبها (SAFRAGILITE) لأن عذابات القرون ولدت لديها هذه الوسائط حتى لا تنقرض(103) فاختلاف هذا النوع من الإبداع النسائي يشمل التمايز الجنسي للمرأة وما تنفرد به أنثى من وظائف تميزها عن الرجل، كالحمل والولادة، وتؤثر في نسيجها النفسي، ونمط تفكيرها، ومذهب سلوكها وذلك وعيتها المتأزمة في المجتمع الذكوري، في سيرتها التاريخية، “حيث عاشت منذ العهود الغابرة مستعبدة ومسخرة لتلبية نزوات الرجل والنزل عند رغباته”(104) وتؤثر كل العناصر التمايز هذه في كتابات المرأة لتضفي عليها طابعها المميز. كل ذلك دون إنكار أصحاب هذا الموقف وجود هموم مشتركة بين الرجل والمرأة في هذا النوع من الإبداع الأدبي للمرأة الكاتبة.

أما الموقف الذي ينفي توفر الكتابة/ الروائية للمرأة على العلامات الدالة على اختلافها وخصوصيتها فيتأس على مبدأ الرف للتصنيف الجنسي لفعل الإبداع الذي يبقى في نظر أصحابه فعلا إنسانيا لا سبيل إلى تقسيمه حسب الجنس باعتبار أن المرأة والرجل سيان يعالجان موضوعات مشتركة ويطرحان قضايا عامة لا تختص بأحد الجنسين دون الآخر..”(105)

غير أن تناول مسألة اختلاف الإبداع الروائي للكتابات الجزائريات ومدى توفره على العلامات الدالة على خصوصيته الدلالية والجمالية في آن لن يكون منتجا نقديا ما لم يؤسس على أحكام نقدية تستمد من النصوص الروائية ذاتها، وما تتميز به خصائص فكرية، تعكس شواغل أولئك الكاتبات، وتتجلى في أسئلة المتون الحكاية لنصوصهن الروائية، فصلا عما تنفرد به لغة خطابها الروائي من سمات مفيدة عبر الكاتبة عن “موقعها داخل اللغة، ودور اللغة في تشكيل رؤية المرأة للحالة، الشيء الذي أثبت وجود اختلاف بين ما تكتبه المرأة في تعاملها مع المادة الإبداعية عما يكتبه الرجل”(106).

فصدور أغلب الكاتبات الجزائريات في نصوصهن الروائية عن حالات خسران لبعض رهانات الوجود في بعديها الذاتي والجماعي: الوطن/ الجزائر، تعلل ما طبع إبداعهن الروائي من سمات رفض وغضب ومعاناة لآثار الإخفاق، مما دفع بالغة إلى التمظهر بأشكال حادة تبقيها مبطنة داخل المحكي اللغوي. فهناك عنف مبطن (UNE VIOLENCE CACHEE)

ناتج إما عن طبيعة اللغة ذاتها والخيارات الإستراتيجية للكاتبة وإما خوفا من المجتمع الذي يجعل من القمع والتباس اللغة مادته للدمومية والاستمرار.

بهذا المعني، وانطلاقا منه، هناك خطاب نسائي آخر تقوله النصوص وتوحي به..”(107).

1-3 أسئلة المتن الحكائي وعلامات النسوية:

إن ما يشكل المرجع الأساسي لكتابة المرأة الجزائرية الروائية تجربتها الذاتية، مما يعلل تمارس التخوم بين الميثاقين الروائي والسير ذاتي، وتداخلها في عدد مهم من النصوص وإلى حد الالتباس، حتى وإن نفعت كاتباتها علاقتها المرجعية بسيرهن فأغلب أسئلة المتن الحكائي لهذا النوع من الإبداع النسائي الجزائري تدور حول المرأة: ذاتا مبدعة/ وأنثى، ويأتي الحكي فيها على لسان المرأة، مثلما هو شأن حياة في: “فوضى الحواس”، لأحكام مستغانمي، ولويزا في “مزاج مراهقة”، لفيلة الفاروق، وخالدة في “تاء الخجل” للكاتبة ذاتها. وتتقنع الذات الساردة في بقية الروايات النسائية الأخرى “وراء استعارة صوت الأنا الذكورية فالقناع يوفر للكاتبة متعة ويوسع من هامش الحرية والمناورة (108) فتستعير أحلام مستغانمي في ذاكرة الجسد “صوت خالد بن طوبال، وفي: “صاحب الرداء الأسود”. وبينما تتقنع السارة في رواية “بحر الصمت” لياسمينة صالح بصوت “السعيد” فإنها تختفي في نص “في الجبة لا أحد” لزهرة ديك وراء صوت سي السعيد”، مما يجعل “المرأة” تكون رواية الحكاية وموضوعها في الآن ذاته، ومن ثم الشخصية الأساسية في أغلب النصوص الروائية لأولئك الكاتبات.

وتكشف هذه النزعة الذاتية عن العلاقة العضوية القائمة بين فعل الكتابة والهوية النسوية وتفسر ظاهرة تضخم الأنا في الأدب النسائي عامة والروائي منه خاصة”(109).

وتؤكد هذه النزعة الذاتية في الإبداع النسائي الجزائري في نوع الرواية، جملة من الموضوعات النسوية التي تشتغل حيزا مهما في متونة الحكائية. وهي “موضوعات وإن لم تقص الرجل باعتباره فاعلا فيها فإنها تبقى حميمية في عالم الأنوثة الذاتي والاجتماعي، بسبب ما تكشفه من خصائص الكيان الأنثوي وخصائص أوضاعه”(110). وهذا ما جعل القضايا النسوية التي أثارتها الكاتبات الجزائريات في روايتهن مرايا عاكسة للأشكال معاناة الأنثى وكاشفة لمظاهر توترها النفسي، وتأزم وجودها الاجتماعي. وهو ما يعد مجازفة من قبل أولئك الكاتبات في مجتمع جزائري تهيمن عليه مظاهر السلطة الذكورية القامعة للمرأة: هوية وكيانا، والتي تعتبر “المرأة الكاتبة تمارس معصيتين: معصية القول الذي هو غواية ومعصية الكشف الذي هو الفضيحة”(111).

فقد مثلت قضية تعدد الزوجات سؤالا مهما في المتن الحكائي لأكتر من رواية نسائية، عرضت آثار هذه الظاهرة التي لا تزال موجودة في المجتمع الجزائري(112) على نفسية المرأة وجسدها ونمط تفكيرها ومذهب سلوكها، حيث تشكل مصدرا لألوان من معاناتها، وهي ترى زوجها تتقاسمه معها امرأة أخرى. وهو ما جسدته عديد النماذج النسائية التي نمثل لها بحياة في: “فوضى الحواس” و”عابر سرير”، لأحلام مستغانمي، وصافية وسالمة وحورية في رواية: “رجل وثلاث نساء”، لفاطمة العقون.

ففي رواية “فوضى الحواس” نقف عند نوع المهادنة الصامتة بين حياة الزوجة الثانية للضابط الكبير، وضرتها التي شاركته عقديين من حياته ووهبته ثلاثة أبناء. وهي مهادنة تنبني بالأساس على نوع من التواطؤ الصامت بين الزوجين، يعكس في جوهره علامة دالة على استسلام المرأة لوضعها، وعجزها عن تغيره. وهو ما تفصح عنه حياة في قولها: “لا أعتقد أنها كانت من الطيبة إلى درجة التحمس لهذا الزواج ولكنها لم تكن شريرة ولا حاولت يوما أن تكيد لي.

ثم مع الوقت ولد بيننا شيء من التواطؤ النسائي الصامت بعد أن أدركت كل واحدة منا أنها لا يمكن أن تلغى الأخرى أو تنفرد بامتلاك ذلك الرجل”(113).

غير أن إحساس حياة بوجود ضرتها في حياة الرجل الذي تزوجته، كان السبب في عطب علاقتها الحسية به، بعدم تجاوب جسدها معه منذ الليلة الأولى. ففي غياب عاطفة الحب المتبادل، يفقد الجسد عنفوان توجهه، ليصير الجنس فعلا رتيبا. وهو ما تكشف عنه حياة في قولها: “صنع جسدي يومها حاجزا لم يستطع زوجي تخطيه رغم ما أوتي من إمكانيات فحولية. ورغم اشتهائي له. شيء في كان لا يطاوعني ويرفض الاستسلام له”.(114) فعطب الروح يولد عطب الجسد، ومن ثمة، فبعد أن خسرت حياة رهان الحب مع خالد بن طوبال المناضل/ الرسام، ثم مع صديقه الشاعر الفلسطيني زياد في رواية “ذاكرة الجسد” وشعرت بخيبتها في رهان الزواج بهذا الضابط الكبير في نصي: “فوضى الحواس وعابر سرير”، لم تتردد في خوض تجربة عاطفية جديدة مع مصور صحفي التقته صدفة بأحد مقاهي قسطنطينية موطنها المشترك. فنشأت بينها علاقة عشقية كانت تشهد فصولها إحدى شقق الجزائر العاصمة، حيث تمارس طقوس الجسد بعنفوان قبل أن تمتد إلى باريس في فرواية الكاتبة الأخيرة: “عابر سرير” فيكون لقاؤهما بذات رواق الرسم الذي تعرفت فيه إلى صديقها خالد بن طوبال، وبذات شقة هذا الأخير الذي حمل في هذه الرواية اسمه الحقيقي: زيان.

فإحساس حياة بوجود ضرة تقاسمها زوجها ألغى عنها لذة حياته معه، لتجدها مع المصور الصحفي في أجلى صور تكاملها الشعري والحسي، رغم كل المخاطر الحافة بها، وكأنها رامت الثأر لرهان زواجها الخاسر والانتقام من أحكام الأعراف والعادات المتقادمة التي الإنعتاق من كل أشكال القمع والقهر التي سلبت كيانها/ أنثى عناصر إنسانيته، وألق الأنوثة في عنفوانها. وهو ما يعكس موقف تحديها ورفضها لكل مظاهر هيمنة مجتمعها الذكوري.

أما رواية، “رجل وثلاث نساء” للكاتبة فاطمة العقون، فقد اتخذت من قضية التعدد الزوجات السؤال المركزي لمتنها الحكائي، بعرضها قصة لزهاري النازح من الأغواط/ جنوب الجزائر إلى العاصمة وزوجاته الثلاث صافية وسالمة وحورية فقد تزوج على الأولى بسبب عقمها، وكذلك كان شأنه من الثانية، قبل أن يتزوج بحورية الشابة المطلقة، التي أنجبت له الولد الذي انتظره على مدى ثلاثة عقود ويتأسس العالم الحكائي لهذه الرواية على عرض الكاتبة بكثير من الدقة والعمق مظاهر المعاناة النفسية والذهنية التي يكابدها هذا الصنف من النساء، وتعكس تأزم وضعهن ومناخات وجودهن الذاتي والاجتماعي بسبب ما يعشنه من أشكال صراع خفي ومعلن مع بعضهن البعض، فضلا عن ما يتعرضن له من أنواع قمع وقهر من الرجل الذي يتقاسمنه، غير أنهن لا يملكن في النهاية إلا الاستسلام لوضعهن. وهو الوضع الذي يشكل مدار رفض الكاتبة التي لا تستسيغ ظاهرة تعدد الزوجات، لما تتسبب فيه للمرأة من استلاب لهويتها المستقلة وكيانها المتميز، يكون مدار معاناتها وتأزم تجربة وجودها. وهو الموقف الذي تعبر عنه على لسان بطلتها حورية: “لم يستطع عقلها بعد استيعاب هذه الحالة التي تعيشها المرأتان مع هذا الرجل. كيف يمكنهما أن تكونا زوجتين في نفس الوقت لجل واحد إذا لم تكن تعني كلمة ضرة أي شيء في ميزانها للأشياء حيث لم تتصور أبدا في حياتها أنه يمكن أن توجد امرأة أخري تشاركها فيه وفي كل شيء”(115).

غير أن تهيب الكاتبة من مواجهة سلطة مجتمعها الذكوري بأحكام بيئته، وضوابط أعرافه، ونسق عاداته وتقاليده، منعها من أن تجعل رفضها يدرك مداه في التحدي والمعصية فكان رضوخ بطلتها حورية لإرادة جدها وقبولها أن تكون الزوجة الثالثة للزهاوي.

ولئن كان التمتع بالمرأة سبب هذه الظاهرة في روايتي: “فوضى الحواس” و”عابر سرير” لأحلام مستغانمي، مما يعكس المنظور الذكوري للمرأة التي يرى فيها المتعة، فإن العقم الذي يحول دون إثبات الرجل لوجوده، واستمرار نوعه يشكل سببها الأساسي في رواية: “رجل وثلاثة نساء”، فاطمة العقون. ويبقى رفض الكاتبتين لهذه الظاهرة خافتا، سرعان ما ينتكس ليتحول إلى قبول، يكشف عن موقف تهيب من المواجهة، في مجتمع جزائري يحتكم إلى السلطة الذكورية التي لا تتسامح مع المرأة بذات القدر الذي تتسامح فيه مع الرجل.

وتحضر قضية الطلاق بدورها سؤالا مهما تردد في أكثر من متن روائي نسوي، نمثل له ب “عابر سبيل”، لأحلام مستغانمي، من خلال نموذج فريدة أخت زوج “حياة” الضابط الكبير، وبـ “لونجا والغول”، لزهور ونيسي من خلال شخصية البهجة، التي تمثل نموذجا دالا على وضع المرأة المطلقة النفسي والاجتماعي في مجتمع جزائري لا يزال ينظر إليها نظرة ارتياب، إذ يراها مصدرا للغواية وعنوانا للمعصية، باعتبار ما يتصوره من يسر الوصول إليها. وتكشف حورية الشابة المطلقة عن حرج وضعها بسبب نظرة المجتمع إليها وكيفية تعامله معها، في قولها: “ومما زاد الطين بلّة هو كونها أصبحت امرأة مطلقة وأن جدها لا يزال في عادته السيئة التي تكرهها هي نفسها وترفضها. وهي إيجاره للغرف العلوية من البيت بصفة غير قانونية معتبرا إياه نزلا، ورغم أن السلم المؤدي إليهم يخرج مباشرة إلى الشارع إلى أن هذا لدى البعض الذي يحلو له كثيرا نسج روايات القذف والنميمة وخاصة بعض النسوة اللواتي ليس لهن شاغل سوى القيل والقال، لا يعتبر حائلا أبدا بين قيام علاقات غير شرعية بين حورية وأولئك الأغراب عن الحي”(116).

فالمنظور الذكوري للمرأة الطالق يجعل منها موضوع طمع الرجل، ومصدر تنامي الشائعات ومدارا تحوم حوله الشبهات. وهو ما يسهم في تأزم وضعها النفسي والذهني والاجتماعي إليهن، وتعامل الرجل بالأساس معهن تعاملا يقرنهن بالعهر والدعارة”(117).

خاصة أن المرأة الجزائرية “لا تملك حق الزوج في إنهاء الحياة الزوجية، كما أنها لا تمتلك حق منع الزوج من تطليقها. أما إذا رغبت هي في الطلاق، فيكون عليها أن تمر عبر قناة الجهاز القضائي وفي حالات يحددها القانون. هي حالة امتناع الزوج عن الإنفاق، حالة الغيبة، الضرر، الهجر أو الإيلاء.”(118).

ويعد العقم أحد أسباب تعدد الزوجات والطلاق في آن. وقد شكل تيمة أساسية لعدد من الروايات النسائية الجزائرية، نمثل لها بنصي: “رجل وثلاثة نساء”، لفاطمة العقون وعابر سرير لأحلام مستغانمي ففي الرواية الأولى يعرض العقم ظاهرة تتحمل المرأة وحدها مسئوليتها في عرف المجتمع الذكوري، الذي يجعل “الخصوصية الأنوثة تتضخم على حساب البعد الإنساني للمرأة. ويصير الإنجاب الصفة الأساسية التي تفاضل بها المرأة غيرها من النساء. “بل من واجبه التخلي عن هذه المرأة بتطليقها أو تجاوزها لأخرى”(119)

وهذا ما جسدته شخصية لزهاري بطل الرواية، حيث حمله عقم زوجته الأولى صافية إلى سالمة زوجته الثانية، قبل أن يتجاوزها هي الأخرى بسبب عدم إنجابها إلى حورية زوجته الثالثة والتي تعلل موقفه من العقم بقولها: “إن نظرة لزهاري جد تشاؤمية مبعثها الملل ورتابة الحياة يعتبر عدم إنجابه للأطفال أكبر مصيبة ابتلاه الله بها. كيف لا وهو يعيش في مجتمع ينظر إلى الرجل أو المرأة العاقر نظرته للمتخلف عقليا أو ذي العاهة لأنهم تعودوا أن يروا كل متزوج إلا وينجب أربعة أطفال فما فوق وهو محروم من مجرد طفل واحد يملأ عليه حياته المملوءة بالسكوت القاتل”(120).

أما في رواية “عابر سبيل” لأحلام المستغانمي، فيمثل العقم أحد شواغل بطلتها حياة التي بذلت الكثير من الجهد بغية الشفاء منه والتمكن من الإنجاب. وهو ما تكشف عنه في قوله: “لم أعد اذكر كم زرت من الأطباء بتوصيات خاصة، وكم من أضرحة للأولياء أجبرتني أمي التبرك بها…”(121).

غير أن حياة وقد أخفقت في الشفاء من عمقها، توصلت إلى تحويل ذلك العقم إلى إخصاب عبر فعل الكتابة الخلاق، فصارت نصوصها الروائية بمثابة البناء الذين عجز رحمها عن إنباتهم، مما يعلل اقتران فعل الكتابة الروائية لديها بحالات العشق والرغبة والاشتهاء والحب العنيف، وجميعها بتفاعل لكي يحقق فعل الخلق/ صنو الحياة.

ومقابل العقم/ ظاهرة سلبية على وضع المرأة النفسي والذهني والاجتماعي، تحضر عاطفة الأمومة تيمة في المتن الحكائي النسوي للمرأة الجزائرية، “باعتبارها الصلة التي تشدها أكثر بالحياة، وتمنح كينونتها المعني. ومن ثم فهي تمثل الرغبة العارمة التي تصهر كيانها في بلورة رؤيتها للذات والعلم”(122).

ففي روايات أحلام مستغانمي الثلاث، “ذاكرة الجسد”، و”فوضى الحواس”، و”عابر سرير”، ونظرا لعقم بطلتها حياة فإن عاطفة الأمومة تبدو ملتبسة، حيث تقترن تارة بالوطن/ الجزائر، والأخرى بالموطن/ مدينة قسنطينة، وثالثة بالمرأة/ الحبيبة ورابعة بالكتابة الروائية.

يعبر خالد بن طوبال بطل رواية “ذاكرة الجسد”، عن حال الالتباس الأولى: الأمومة/ الوطن، في قوله: “لم أعد أذكر الآن بالتحديد، في أية لحظة بالذات أخذ الوطن ملامح الأمومة وأعطاني ما لم أتوقعه من الحنان الغامض والانتماء المتطرف”(123). ويكشف عن حال الالتباس الثانية: الأمومة/ الموطن قسنطينة، بعد أن شخصه أدبيا كما الوطن، في قوله: “ها هي ذي قسنطينة مرة أخرى.

تلك الأم الطاغية التي تتربص بأبنائها والتي أقسمت أن تعيدنا إليها ولو جثة.

ها هي قد هزمتنا، وأعادتنا إليها معا في تلك اللحظة التي اعتقدنا أننا شفينا منها وقطعنا معها صلة الرحم.

أحدنا في تابوت والآخر أشلاء رجل.

وقع حكمك علي أيتها الصخرة. أيتها الأم الصخرة”(124).

أما حال الالتباس الثالثة: الأمومة/ المرأة الحبيبة، فيتواتر حورها في هذه الرواية، في أكثر من مقطع، نمثل لها القول لذات البطل خالد، يخاطب فيه الحبيبة: “يا امرأة متنكرة في ثياب أمي، في عطر أمي، وفي خوف أمي علي، فلماذا كل هذا الألم- أكذب الأمهات أنت وأحمق العشاق أنا”(125)

وتعبر حياة بطلة رواية “عابر سرير” عن حال الالتباس الرابعة: الأمومة/ الكتابة الروائية، في حديثنا لحبيبنا صاحب الرداء الأسود وبطل روايتها في آن واحد، قائلة: “إني ألد متى شئت من المرات”(126)، فضلا عن اقتران الأمومة في هذه الرواية باليتم/ الفقدان حالة متمكنة من بطلها على حد تحولها على الهوس، ببحثه عن رائحة الأمومة في كل النساء اللاتي يتعرف إليهن، وحتى في الأشياء والجماد. وهو ما يفصح عنه في قوله: “الأمومة اكتشفتها، كما عثر أرخميدس على نظريته هو داخل حمامه. فذلك الوعاء الأبيض الكبير الذي يحتويني في فضاء مائي كجنين، حدث وأن ولد في داخلي إحساسا غريبا، جعل من مغطس الحمام أمي. فقد كنت أقضي فيه كل وقتي رافضا مغادرته خشية أن يفرغ من مائه، كما أتوقع أن تكون قد فرغت دماء أمي وهي تنزف بي لحظة الولادة.

يحدث للأمومة أن تؤلمني، حتى عندما لا تكون لها قرابة بي.”(127).

ولئن بدت عاطفة الأمومة ملتبسة في أعمال أحلام مستغانمي الروائية، بسب تنوع دلالتها على الوطن/ الجزائر، وعلى الموطن قسنطينة، وعلى المرأة الحبيبة/ حياة وعلى الكاتبة الأدبية/ الروائية، مما كثف أبعادها الجمالية، فإنها وردت في روايات أخرى واضحة، باعتبار عفوية التعبير عنها. وهو ما أفصحت عنه مليكة، بطلة رواية “لونجا والغول” لزهور ونيسي، في قولها: “لقد خلقت لكي أكون أما فقط”(128)، وعرضته الكاتبة فاطمة العقون، في روايتها: ” رجل وثلاث نساء”، من خلال وصفها لبطلتها حورية وهي تنظر إلى صغيريها النائمين: أحسست بروعة تلك الغرفة وكأنها خرجت عن عادتها حتى أنها كادت تتيقن من أنها مليئة بالملائكة التي ترفرف في أجوائها والتي تصلي من أجل طفليها الصغيرين.

امتلأ قلبها بعاطفة جياشة اجتاحته أحست من خلالها بحب كبير وكانها تريد أن تحتضن كل هذا العالم…(129).

وتمثل هذه الموضوعات النسوية ذات الصلة بعالم الأنوثة، العلامات الدالة على تميز الكتابة الروائية للمرأة الجزائرية بحساسية أنوثية يستمد منها إبداعها في هذا النوع الأدبي سمات اختلافه/ وخصوصيته. وهي حساسية تكرسها المجالس النسوية، التي تكشف عن عالم النسوة وما يدور فيه من أحداث تتناول شواغل المرأة وهمومها، انكساراتها وتطلعاتها، الخفي من سيرتها والمعلن، الكائن والمكن، الواقعي والحلمي. وهو ما نمثل له بهذا المقطع من رواية: “لونجة والغول” لزهور ونيسي”:

– قالت إحدى الجارات لأمها:

ياسعدك يا الزهرة، أعطاك الله ابنة جميلة كالقمر، الله يبارك.

وما فائدة الجمال مع الفقر يا جارتي العزيزة؟

لماذا تهونين من قيمة هذه النعمة، لعلك تخافين الحسد؟ ملكية مثل ابنتي تماما، ولو كنت أمها حقيقة ولي فيها حق التصرف لاشترطت فيمن يطلبها كل مال الأرض.

مرة واحدة هكذا، ما أكبر أحلامك

قالت أم ملكية ذلك، وضحكت مجاملة”(130).

وتتأكد مثل هذه الحساسية الأنثوية التي وسمت أسئلة المتن الحكائي لهذا النوع من الإبداع النسائي الجزائري، في اللغة الروائية التي تشتغل عليها الكاتبات في تشكيل عوالم حكيهن الروائي. وهي اللغة تتوفر على العديد من السمات الدالة على خصوصيتها قياسا على لغة الإبداع الأدبي العام والروائي منه خاصة.

4- لغة الرواية/ لغة الأنوثة وتلاقي العلامات:

إن الحديث عن خصوصية الكتابة الروائية لدى المبدعات الجزائريات ينبني على تصور منهجي “يدرك أن اللغة ليست أداة حيادية ومن ثم يقر بوجود لغة تعبيرية خاصة بالمرأة، ترتبط بذاتها وبخصائصها البيولوجية والنفسية”(131). ولا يقتصر اختلاف اللغة النسائية في الكتابة الروائية الجزائرية على المستوى المعجمي فحسب بل أنه يشمل المستويات الصوتية والصرفية والتركيبية، مما يكسب تلك اللغة وظيفتها الجوهرية التي تتجاوز التواصل مع الآخر والتحاور لتجسد توق المرأة إلى التحدي تجسيد هويتها الخاصة وكيانها المستقل أنثى، لكن في إطار الحدود التي يسمح بها حجم اللغة المتاح لها استخدامه، “فليست المشكلة أن اللغة لا تكفي للتعبير عن الوعي النسائي، ولكنها في كون النساء حرمن من استعمال كامل المصادر اللغوية، وأرغمن على الصمت أو على التلطف أو الإطناب في التعبير”(132).

وهذا ما يعلل تهيب المرأة الكاتبة، وهي تشتغل على اللغة والتعامل معها، من اختراق المحظور الديني والاجتماعي بالأساس،

وهذا ما يعلل تهيب المرأة الكاتبة، وهي تشتغل على اللغة والتعامل معها، من اختلاق المحظور الديني والاجتماعي بالأساس، ووقوفها في الأغلب عندما تسمح به أعراف المجتمع الذكوري الذي لا يتسامح معها بنفس القدر الذي يتسامح به مع الرجل، مما يفسر استثمارها في إبداعها الروائي تقنية القناع، من خلال استعارة. “فيصبح القناع ليس فقط وسيلة لتحرير الخطاب المراد تمريره لكن وسيلة لتصريف عنف مبطن بعضه عاشته وتعيشه الكاتبة، وبعه ورئته من صرخات ونضالات وآلام… وصمت اللواتي سبقتها في التاريخ…”(133).

وتتجلى أبرز العلامات الدالة على اختلاف لغة الكتابة الروائية النسائية وخصوصياتها، فيها يلي:

إيثار البساطة في نظم الكلام، بعدم التأنق في العبارة، ولا التلاعب كثيرا بالأبنية مما يجعل بلاغة لغة الكتابة في هذا النوع من الإبداع النسائي الجزائري في أنها ترفض- في الأغلب. وهو ما نمثل له بهذا المقطع من رواية: “في الجبة لا أحد” للكاتبة زهرة الديك:” هل الدم مطر هذا الوطن؟ وهل التعاسة مصير هؤلاء الخلق الذين تصادف وجودهم على الرقعة من الأرض؟ إنها أبدا أهبة تلقي المصائب والتعايش مع الفجائع منط مئات السنين عندما استباح أراضيها عساكر الرومان والوندال والبيزنطيين والفينيقيين والاسبان والفرنسيين وغيرهم، ولها مع كل غاز تاريخ دام مازالت آثاره تنز وجعا ومعانات ينوء بها برابها. فإلى متى تظل السعادة تائهة عن هذه الديار؟ وغلى متى تظل هذه المدينة الفاتنة مضربة عن ممارسة الحب في سرير الفرح والإيمان الدائمين؟’134).

سرعة إيقاع الكلمات ودفق الجمل القصيرة- في الأغلب- المتعاطفة والمتلازمة، والتي تنسحب أحيانا فاسحة المجال إلى نوع من كتابة البياض تعبر عنها علامات تعجب أو استفهام، أو نقاط متتابعة، مما يسم لغة الكتابة بالانفعال بحالات وجدان المرأة الكاتبة وهي تمارس فعل الكتابة. ومن علامات ذلك الانفعال والتوتر تقطع العبارة بانعدام الروابط، وتسارع الوتيرة، الترجيع الغنائي وتقسيم الكلام إلى وحدات إيقاعية متساوية – أو تكاد – ونمثل لكل السمات المفيدة هذه، بهذا المقطع من رواية “بحر الصمت”، للكاتبة ياسمينة صالح:

“كم أحببتك يا سيدتي.. شردتني إلى مدن مشيتها حافيا وعاريا..

أحببتك كما لا يستطيع رجل أن يحب امرأة، كما لن تستطيع أغنية أن تغازل امرأة، كما لن يستطيع قصيدة أن تصف امرأة.. كنت مدينتي.. منفاوي.. كنت الرجوع غلى الغموض.. الرحيل نحو المجهول.. كنت جنوني الأول والأخير فصرت ذاكرتي بلاطها زجاج مكسور.

ها النهار يلج من ثقوب هذا اليوم الآتي

هل أنا من سيفتح الباب عما قليل لأول ربيع قادم من ليس زمني…؟(135)

الاشتغال المكثف على لغة البوح التي تضفي على الخطاب الروائي شكل المناجاة والاعتراف، من خلال مكاشفة الذات الكاتبة لذاتها أنثى، وتعريتها لأشكال وجعها الأنثوي: المعيش والحلمي، الواقعي والمتخيل، الكائن والممكن، مما يعلل هيمنة الطابع الذاتي على هذه اللغة، من خلال استخدام الذات الساردة/ القناع الشفيف- في الأغلب- للذات الكاتبة، لضمير المتكل واستثمار تقنيات الحلم والاستيهام والتداعي والاشتغال المكثف على الذاكرة.

وهو ما يتأكد في هذا المقطع من رواية: “فوضى الحواس” للكاتبة أحلام مستغانمي:

“كن نساء الضجر، والبيوت الفائقة الترتيب، والأطباق الفائقة التعقيد، الكلمات الكاذبة التهذيب، وغرف النوم الفاخرة البرودة، والأجساد التي تخفي تحت أثواب باهظة الثمن كل ما لم يشعله رجل.

وكنت أنثى القلق، أنثى الورق الأبيض، والأسرة غير المرتبة، والأحلام التي تنضج على نار خافتة، وفوضى الحواس لحظة الخلق.

أنثى عباءتها كلمات ضيقة، تلتصق بالجسد، وجمل قصيرة لا تغطي سوى ركبتي الأسئلة. منذ الصغر كنت فتاة نحيلة بأسئلة كبيرة. وكانت النساء حولي ممتلئات بأجوبة فضفاضة. ومازلن دجاجات، ينمن باكرا يقفن كثيرا، ويقتتن بفتات/ الرجولة، وبقايا وجبات الحب التي تقدم، إليهن كيفما اتفق ومازلت أثنى الصمت، وأنثى الأرق. فمن أين آتى بالكلمات، كي أتحدث إليهن عن حزني؟(136).

تداخل السردي والشعري، الحواري والغنائي، إلى حد يعسر معه تمييز حدود الرواية عن تخوم الشعر لغة وإيقاعا وتخييلا، وحتى تشكيلا بصريا للكتابة السردية التي تأخذ فيها الجملة المسترسلة شكل السطر الشعري. ويعلل هذا الحضور الشعري في السرد الروائي للكتابة الجزائرية، بإيثارها فن الشعر على فنون الإبداع الأخرى، لانسجامه مع نسيجها النفسي، مما يعلل ممارسة العديد من الكاتبات الجزائريات الشعر قبل أن يتحولن إلى مسالك الرواية. ونمثل لهذه الخصوصية، بهذا المقطع من رواية “ذاكرة الجسد” للكاتبة أحلام مستغانمي. وهي رواية نموذجية في تجسيد سردية الشعر/ أو شعرية السرد، في الرواية العربية المعاصرة:

“على حافة العقل والجنون.. في ذلك الحد الذي تلغيه العتمة والفاصل بين الممكن والمستحيل.

كنت أقترفك…

كنت أرسم بشفتي حدود جسدك

أرسم برجولتي حدود أنوثتك

أرسم بأصابعي كل ما لا تصله الفرشاة بيد واحدة كنت أحتضنك.. وأزرعك وأقطفك.. وأعريك وألبسك وأغير تضاريس حسدك لتصبح على مقاسي.

يا امرأة على شاكلة وطن”(137).

وبناء على كل ما تقدم، فإن لغة الرواية لدى الكاتبة الجزائرية تستمد علامات خصوصيتها من “بجدرها في الذات النسوية حسا ومعنى، وانفعالها بحساسية الوجدان الأنثوي أكثر من حركات الذهن، فضلا عن تدفقها وسرعة إيقاعها.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق