قراءات ودراسات

تحولات السرد في الرواية الجزائرية المعاصرة ياسمينة صالح أنموذجا

د. دليلة مروك*

تحمل روايات ما بعد الحداثة نمطا مغايرا وطرحا جديدا للتعبير عن حالة الوطن والاقتراب من الذات وسؤال الهوية المؤرق، وأهم ما يميز هذه النصوص كون معظم منتجيها شباب أعادوا قراءة الواقع والتجربة بلغة مناسبة للأبعاد الرمزية، ورؤية شمولية تعبر عن ضياع الانتماء وغياب الهوية الجامعة.

وتأتي الكاتب الجزائرية ” ياسمينة صالح” في طليعة هؤلاء كي تقف على الأحداث التي طبعت الجزائر أثناء الثورة التحريرية وبعد الاستقلال، وصولا إلى المأساة التي لطخت تاريخ هذا البلد ودفعت بأبنائه إلى التناحر والاقتتال.

لقد استطاعت الكاتبة تشكيل عالمها الروائي الخاص الذي يحمل هموم الوطن والمواطن، كما بدت فيه صوتا متميزا حاول تحرير الرواية النسوية من هيمنة صوت المرأة وهمومها، ومن تلك اللغة التي تسجن الشخصية في عالم الأنوثة والقهر الذكوري، مع إعادة النظر في القضايا الفكرية والإيديولوجية التي سادت في الساحة الثقافية. 12

يقوم النص الروائي على أسس جمالية ووظيفية تواصلية، يعمل الأدب من خلالها على ربط الواقع بالخيال في قالب فني؛ ذلك أن الرواية عالم يتسم بالكلية والشمول والتنوع وبأساليب فنية من شأنها جعل النص فضاء لتلاحم كثير من المرجعيات.

وتعد الرواية أهم جنس أدبي في تصويرها لواقع الحياة الاجتماعية؛ فقد استطاعت أن تحكي واقع الإنسان بهدف احتواء همومه، آلامه وأحلامه ورسم إستراتيجيته الفكرية والجمالية.

وعليه فإن كثيرا من الروايات الحديثة عبرت عن هموم الوطن وواقع الإنسان وآلامه وتعد الأزمة نموذجا لذلك؛ فقد شهدت الساحة الأدبية في الجزائر عددا من الروايات التي كانت الأزمة الجزائرية موضوعا لها، وشكلت في الأغلب مرجعية الخطاب الروائي خلال تلك الفترة.

أما روايات ما بعد الحداثة فقد حملت نمطا مغايرا وطرحا جديدا للتعبير عن حالة الوطن والاقتراب من الذات والوقوف على سؤال الهوية – وإن عالجت قضايا الأزمة نفسها – ذلك أن ” القص ما بعد الحداثي يحاول أن يقرأ الواقع كما هو بكل تشظيه وتناقضاته، وينقل صراعات الشخصيات الفكرية والنفسية “.[1]

وأهم ما يميز هذه النصوص أن معظم منتجيها أعادوا قراءة الواقع والتجربة بلغة واضحة وسرد مباشر وبأساليب صريحة وتعبير عن الأزمات برؤية شمولية.

وتأتي الكاتبة الجزائرية ” ياسمينة صالح “* في طليعة هؤلاء الأدباء كي تقف على الأحداث التي طبعت الجزائر أثناء الثورة التحريرية المجيدة وبعد الاستقلال، وصولا إلى الأزمة والمأساة التي لطخت تاريخ هذا البلد ودفعت بأبناء الوطن إلى التناحر والاقتتال؛ حيث إن روايتها الأولى ” بجر الصمت **_ التي هي من حيث الموضوع عودة إلى حرب التحرير الجزائرية – تتميز بقيمة لغوية بنائية تعتمد على جمل قصيرة وشاعرية تهتم بأدق التفاصيل أما رواية ” وطن من زجاج “*** فتشير إلى جيل آخر أكثر تعبا تعرضت فيه وحدة الوطن واستقراره إلى التصدع، في حين أن رواية لخضر**** آخر رواياتها هي تكملة للرواية السابقة و اللافت فيها هوسيطرة الأمل عليها في مستقبل مشرق يحمل الشباب بشائره بعد سنوات من الاقتتال.

ولطالما كان ” الطرح الروائي هو الأبرز في التعبير عن حالة الوطن الراهنة والاقتراب من الذات العربية، والوقوف على سؤال الهوية المؤرق وهي أسئلة مكرورة منذ مطلع النهضة العربية الحديثة”.[2]

شعرية السرد: “كل نص قبل أن يكون متصورا ذهنيا أو معطى جماليا هو في الواقع نسيج تركيبي لغوي “[3]؛ فاللغة تعكس جانبا مهما من جوانب الخطاب الروائي وسنقف على البناء الفكري في روايات” وطن من زجاج “و “بحر الصمت” و” لخضر”والاحتمالات التي يمكن أن تخالف الواقع في سعي من الكاتبة إلى مواجهة هذا الواقع بذاتها وفكرها لتعيد تصويره في بناء فكري خاص.” والرواية لا تقول ما تريد قوله بواسطة الأسلوب الفردي للكتاب لكن بواسطة مزج كامل لأسلوبه بأساليب الشخصيات التي رسمها.”[4]
ففي رواية “وطن من زجاج” كتبت “ياسمينة صالح” رسائل مليئة بالفجيعة صورت فيها معاناة الإنسان بلغة غارقة في الشعر والثورة والإدانة الصريحة التي تخفي وراءها مخزونا لا يخلو من التعقيد، مما أسهم في تقديم صورة صادقة في قدرة الكتابة على تشكيل عالمها الروائي الخاص، فالنص “فيض دلالي لغوي بكل محمولاته العاطفية ويأتي على شكل تصور ما وفق ما تمليه مخيلة المبدع وذاكرته”[5].

إن قدرة الكتابة على التحكم في استخدام هذه اللغة الشعرية جعل السرد يرتقي إلى مستوى فني لافت ويأخذ الملتقى في ثنايا العمل بجعله يلهث وراء الأحداث متشوقا إلى النهاية بسلاسة،تقول: “التفتت نحوي وابتسمت وهي تصافحني، لم تتكلم….ابتسمت فقط. خيل إلي أن ابتسامتها تشبه يدا توضع على ذراع مرتبكة”.[6]

ثم إنه من أهم الظواهر الأسلوبية التي بنت عليها الكتابة نصها السردي “التكرار” الذي يساعد على التذكير بالأحداث ويشكل نوعا من الروابط التي تشد حلقات الرواية تقول: “يا لقلبك وأنت تتأبطين ذراع ذلك الرجل الذي كرهته…كرهت نظراته إليك، كرهت يده وهي تضغط على ذراعك…كرهت مشيتك الهادئة إلى جواره…كرهت نظراتك لي وأنت معه…”.[7]

هذه اللغة الغنية بالإيحاء يبدو نفسها ممتلئا بالحياة على الرغم من بساطتها في بعض الأحيان هذه البساطة “سمة بارزة في العديد من الأعمال الروائية الحديثة ويمكن أن تكشفها الشعرية من باب الجمالية”[8].

و قد لجأت الكتابة إلى السرد غير المباشر، كما غيبت صوت المرأة لتقدم صوت الرجل (السارد/ البطل) وهنا نجد لونا جديدا في الكتابة النسوية، “إنها كتابة تتجاوز الهم الأنثوي الخاص وتشتبك مع الهم العام والوطني”.[9]

أما رواية “بحر الصمت” فتميزت بالتداخل الجميل بين الحب و الثورة ،و ينطوي هذا التداخل على أبعاد دلالية هامة و معان عميقة اعتمدت فيها الكاتبة على جمل قصيرة و شاعرية تهتم بأدق التفاصيل مما أعطى اللغة حضورا متميزا حين تقول:

“معقول أن يعيش الإنسان حياديا بعد أن يراك؟

أنت ، يا معادلة لم أتمكن من حل شيفرتها السرية..

أنت ، يا معادلة غزلها شهر “ماي” بلون الورد والجنون الجميل النابض بالحريق والوجع”.[10]

أما رواية ” لخضر” فبدت فيها الكاتبة صوتا مميزا حاول تحرير الرواية من تلك اللغة التي تسجن الشخصية في عالم الأنوثة والقهر الذكوري ،كما تجاوزت الرواية الجاهزة المتشابكة بين الجسد و الجنس وركزت على الوطن /السياسة/المواطن، وما يقال عنها إنها روائية الأدب الراقي القريب من القلب و الوطن و الإنسان كل هذا بلغة غارقة في الشعر والثورة والإدانة الصريحة، فها نحن نعايش هم استباحة الوطن وآلية تحول الإنسان الفقير إلى أداة للفساد حين تقول على لسان البطل” لخضر“:”كل شىء على مايرام..! كل شىء على ما يرام داخل أبهة السخرية التي اشترك فيها الجميع.. ! قالها في نفسه وهو يعاود التفكير في البضائع التي يحرسها.. ! هل هي مهربة؟”.[11]

و تضيف قائلة :”أي شيء فاسد يدفعون به إلى الأسواق بأثمان منخفضة (…) فحتى الخطأ قدر الجياع و الفقراء.. !“[12]

الحوار:
يعد الحوار عنصرا بنائيا أساسيا بوصفه نمطا من أنماط التعبير الفني، وظيفته تطوير الحدث والإبلاغ عنه، وبه تنظم أحاديث الشخصيات قصد الكشف عن عواطفها وأحاسيسها وعلاقاتها بالشخصيات الأخرى.

وقد أسماه “باختين” “التقابل الحواري” بوصفه ” تواجها كلاميا قائما على أشكال اللغات وليس على المعاني التي تشتمل عليها”.[13]

وتتجلى تقنية الحوار في رواية “وطن من زجاج” من خلال مستويين:

المستوى الأول: العامي في طابع مباشر، جاء على لسان السارد:” السلام عليكم…عاش من شافك. وين غطست يا صاحبي

وأنت واش راك. Comment ça va?
ما تشكرش، الحالة صارت “ميرد”! merd ربي يستر يا خويا لعزيز!
إيه يا خويا…ألي داروها راهم مخبيين راسهم. أولادهم راهم في فرنسا والانجليز…”[14]
ومما يلاحظ على هذا المقطع هو طغيان التعبيرات والمفردات العامية على لسان السارد وزميله السابق في الجامعة، كما يتخلل هذا الاستعمال تعبيرات باللغة الفرنسية مترجمة إلى العربية في إشارة إلى الازدواج اللغوي القائم في الجزائر حتى اليوم، ويعطي صورة عن الاستلاب الثقافي والحضاري في الجزائر.أما المستوى الثاني فتستوقفنا ظاهرة لغوية في الحوار، حيث تجاورت العامية مع الفصيحة مما خلق تنوعا لغويا جعل هذه الحوارات تحتل مساحات واضحة في الرواية. كما يبدو في هذا المقطع:

“- واش من تفاصيل يا صاحبي. هذه المرأة ًخرطي!

كيف؟
صورة ملفقة. ألم تقرأ ما كتب عنها؟…. يبدو أن المرأة ممثلة طلب منها أن تلعب دورا في مجزرة.
ممثلة؟
إيه ممثلة. “[15]
كما يتغير السرد في رواية “وطن من زجاج” من طابع التحليل الجزئي إلى طابع السرد المباشر، حيث تتناوب مقاطع السرد مع مقاطع الحوار بشكل مكثف خاصة في الجزء الممتد من الصفحة)35( إلى الصفحة )50(، وكذلك من الصفحة )51( إلى الصفحة )62(.

أما في روايتي”بحر الصمت ” فجاء الحوار في أغلبه باللغة الفصحى ومن أمثلة ذلك :

“-ماذا تريد مني؟

-أريدك جزائريا مخلصا فقط..

-لا أفهم..المسألة في غاية الوضوح: الجبهة تدعوك للانضمام إليها..

-الجبهة؟”.[16]

3-التعدد الصوتي:

تقوم رواية “وطن من زجاج” على خاصية تعدد الأصوات الروائية، »هذا التعدد يفرضه طابع الرواية التشخيصي، ويقتضيه تنوع الشخصيات من مختلف المستويات الفكرية«.[17]ومن الواضح أن صيغة ضمير المتكلم )أنا( هي المهينة في الرواية متمثلة في شخصية البطل/ السارد في مواضع عديدة تتصل بشخصيته وفي فترات طفولته في القرية[18]، حيث يقول: » أنا الذي عشت حياتي مشتتا بين الحب والرحيل. « [19]

جاء السرد بضمير المتكلم -أي وفق منظور السارد- ذاتي الوصف، فنحن ننظر بعيني السارد ونتعرف على شخوصه من منظوره وقناعته، كما يتقلص الحوار المنطوق لصالح الحوار الداخلي، وهذا يتناسب مع رسالة النص، هذه المعاناة الذاتية في إطار هم وطني عام.

ولديمومة فعل اللغة الذي يتلفظ به السارد تتبدى في الرواية حالة مكثفة من الغياب، تبدو فيها تعبيرات الغائب تنفيسا عن هموم الأنا، حيث نذكر منها مثلا قول السارد:” كان يأتي للذين أعرفهم، للذين عن وعي أو غير وعي أحبهم، كان يأتيهم ذلك الموت ليصدقوا أنهم يموتون واقفين….كل الذين عرفتهم رحلوا بطريقتهم أو رغما عنهم.”[20]

كما نجد تداخل الخطاب بين ضميري المتكلم والمخاطب وهذا موظف بشكل كامل في السرد، حيث يتناسب مع البنية الروائية دون تشتت سردي، فدار بناء السرد بين طرح السؤال: من أنت؟ والإجابة التي تستتبع حضور الأنا وتداعيات ذاكرتها.[21]

ويعتمد البناء الفني في هذه الرواية على مجموعة من الخصائص:

أهمها أن الأسلوب السردي يأخذ المتلقي وفق منطقه وبنائه بسلاسة فمع الوصف هناك تنويع غزير أحيانا نابع من تتابع طويل للكلمات أو سلسة من الجمل، “فالوصف في حد ذاته يحمل بعدا سرديا حديثا”[22]، كما يحمل كذلك “بعدا رهيف الإثارة من خلال الكثافة الخاصة التي يعطيها لبعض الإشارات القائمة في النص.”[23]

كما اعتمدت الرواية على بنية زمنية أساسها الارتداد الزمني الذي بدأ منذ مطلع الرواية “ففي استحضاره للماضي ونشره أحداثه يلجأ الخطاب السردي إلى وسائل متعددة”[24].

ومع أن “ياسمينة صالح” تكتب بلسان رجل إلا أنها في رواية “بحر الصمت” تضع المرأة في أماكنها الصحيحة إذ إنها لم تتحدث عن المرأة ولم تدافع عن حقوقها، بل جعلت دورها في الوقوف جنبا إلى جنب مع الرجل لتشد أزره و ترفع معنوياته، وهذا ما يبدو جليا على لسان السارد “سي السعيد” الذي لم يتردد في دخول الحرب بسبب حبه لامرأة ومن أمثلة هذا:

” قبلك كنت رجلا عاقلا،و بعدك صرت مجنونا..حتى الوطن اكتشفته بك /فيك.. وجدتني محشورا في الدفاع عنه..و حشرتني الثورة في مفاهيم لم أكن أؤمن بها”.[25]

” في ليلة مدهشة جاءني الوطن على شكل امرأة مغمورة بالتساؤل، والغرور، وقالت لي” تعال”، فجئت..”.[26]

أما في رواية “لخضر” فيبدو جليا هيمنة صوت “لخضر”على الأصوات الروائية الموجودة مثل:(الصحفي، السكرتير جمال،المدير، الطبيب) ،ذلك أنها صورت معاناة الإنسان البسيط الذي يصارع الفقر في حقبة زمنية سوداء في تاريخ الجزائر (الإرهاب) توزع فيها كثير من أبنائها بين قاتل و مقتول، بين قوى تدمر الوطن وتتاجر باسمه،وبين قوى تريد الحفاظ عليه نقيا قويا تقول:

“هؤلاء الأسياد يعرفون من أين تؤكل الكتف (…) إنهم يريدون مصلحتهم ولا يهمهم بعد ذلك سوى أن يكونوا أغنياء كي لا يقرصهم الجوع… !“.[27] وتضيف قائلة :”كان يدرك أن أولئك الذين يعيشون في ثراء فاحش لا يشعرون بالشيء نفسه وهم يعدون نقودهم الكثيرة،و يرسلون أبناءهم إلى الخارج في نهاية الأسبوع ليغيروا الجو “.[28]

إلى جانب هذا تطالعنا في رواية “وطن من زجاج” و “بحر الصمت” قضية الذات والهوية والوطن، وهي قضايا محورية أقلقت ولا زالت تقلق الفرد العربي المعاصر وقد جاءت قضيتا “الهوية والاستقرار” محورين مركزين في رواية “وطن من زجاج”-خاصة- وهما يشكلان وجهين لأزمة الوطن.

وقد استعانت الكاتبة بشخصيات لها قيمتها التاريخية والإيديولوجية؛ من حيث توظيفها لشخصيات تراثية أو معاصرة أو واقعية أو مبتكرة أو تخييلية لدمجها في نصوصها الروائية لتتناص معها إيحائيا وتجعلها مختفية وراء ملفوظات توحي بحادثة أو صفة متعلقة بها دون أن تذكرها، ولا يتم التعرف عليها حينئذ إلا بإعادتها إلى أصولها، ذلك أن ” العناصر المحيلة كيفما كان نوعها لا تكتفي بذاتها من حيث التأويل، إذ لابد العودة إلى ما تشير إليه من أجل تأويلها”[29] .

ويمثل القناع شخصية تراثية أو معاصرة تتخذ منها الكاتبة وجها تتحدث من خلاله بضمير المتكلم، فشخصية البطل لاحقها النحس والشؤم والموت، هذا البطل- الطفل المتخفي وراء شخصية (لاكامورا) المرتبطة بالرجال الوهميين وبالشجاعة الغامضة التي لم تكن سوى سيفا صدئا[30]، ثم سرعان ما ارتبط اسمه بلقب (الساموراي) بكل ما تحمله الكلمة من ضغينة خفية ” هذا هو الفارق الأبدي بين لاكامورا والساموراي، بين الشجاع اختيارا والبطل غرورا”[31].

يُعَبِّر قناع (لاكامورا) عن هموم البطل وانكساراته وتناقضاته منذ ولادته، حتى بعد أن صار صحفيا مرموقا يبحث عن الموت في رصاصة طائشة تأتيه من شارع أو مقهى “لكأنه يردد المقولة المشهورة المنسوبة لأحد الخلفاء الراشدين وهو يمشي في الأسواق عام 41 للهجرة ( أين ألقاها؟)[32]، كما أن هناك استحضارا لشخصية الرسول صلى الله عليه وسلم؛ حيث إن قصة الطفل – البطل الذي ماتت أمه ساعة ميلاده، ثم اختفاء أبيه بشكل مفاجئ فكفله جده لأبيه الحاج “عبد الله” – هذه الشخصية الإقطاعية بالمفهوم الجزائري الحديث – تشبه قصة ومصير الرسول بعد مولده.

ثم يدخل “لاكامورا” مدرسة القرية ليجد نفسه منجذبا إلى معلم مُعِين يحبه، هذه الشخصية المثقفة – وهي موجودة في الواقع – تمثل الفكر الثوري المتجدد الذي يسعى إلى التطوير والبناء، لكن يجد نفسه مفصولا من وظيفته ليضطر بعدها أن يعمل حمالا في الميناء ” المعلم شخص وغد سنعرف كيف نضعه في مكانه”[33].

إنها شخصية تستحضر حاجة الإنسان المضطهد إلى رفض سيادة الظلم في المجتمع، وتجسد مأساة المثقف المتمسك بمبادئه لا لشيء إلا لوقوفه ضد فساد إقطاعي في قرية صغيرة، وما هذا إلا صورة لمن يقف في وجه السلطة المركزية.

4- النشأة الأولى وسؤال الهوية:

سؤال الهوية طرح وتكرر طيلة صفحات رواية “وطن من زجاج”: “من أنا”؟ تعبيرا عن أزمة الذات والوطن ،وكان هذا السؤال في مواضع عدة تتصل بشخصية السارد في فترات طفولته في القرية، خاصة وأنه عانى من اليتم في فقدانه الأب، أب فضل الرحيل على مواجهة الجد الذي كان حين يتكلم عنه يقول “ذلك الشخص”[34] أب لم يرحب بوجود ابنه في الحياة لأن وجوده يقترن برحيل أمه حين أنجبته.

ثم فقدان جده وعمته، جده الذي تربى في كنفه في أسرة إقطاعية تطمح إلى النفوذ والتقرب من رجال السلطة، ثم عمته المشلولة التي كانت تكن له حبا وعطفا كبيرين، تلك التي سرعان ما ارتبط رحيلها بعامل الإسطبل-الذي كان يحبها- بموتها المطوق بالصدمة، وقد حزن حزنا شديدا لفقدها.

ومع كل هذا لم يؤثر عليه فقدانهم مثلما فعل غياب المعلم:” رحيل المعلم وموت عمتي….والبيت الذي صار مليئا بالأشباح”[35]، غياب ألزمه البحث عنه حين سافر إلى العاصمة: “لعلني استغربت أكثر أنني لم أفكر في البحث عن والدي….الموتى لا يعودون…الذين يسكنون الأحلام هم الذين يعيشون إلى الأبد”[36]

كما ورد سؤال الهوية أحيانا بعبارة: “من أنا حقا؟”

وذلك أثناء الوقوف على شخصيته البطل/السارد وروافد تكوينه، “إنه سؤال يعبر عن اهتزاز الذات

والوطنية وسط فوضى سياسية وأمنية وثقافية”[37]. في وقت تعرضت فيه وحدة الوطن واستقراره إلى التصدع خلال الأزمة وما تعج به من أحداث مأساوية تحت سطوة لغة الموت المفاجئ، ثم إننا أمام نص له سياقاته الخاصة التي لا يمكن عزلها عنه وهي التي تشكل مرجعيته.

5- غياب الوطن وتفكك الذات:

الهوية غائمة، غاب الوطن في النفوس جراء القتل والدماء والدمار، البطل لا يجد ذاته هذه الذات المرادفة للتكوين والهوية حتى بعد السفر إلى العاصمة وزاول مهنة الصحافة في الصحافة الحكومية أولا ثم الصحافة الخاصة التي لم يجد بدا من التمسك بها خاصة وأنه علم أن “النذير” صديق الطفولة يعمل في إحدى الصحف الخاصة، وهناك كان اللقاء من جديد.

غاب الوطن حين سافر والد البطل السارد، رحل البطل إلى العاصمة وقد فقد الشعور بالانتماء العائلي خاصة بعد رحيل عمته، فلم يبق له سوى التقرب من عائلة “النذير” بتكوينها الثقافي الذي جعلها نموذجا للوطن/الحلم، والالتقاء مجددا بأخت “النذير” التي أثارت في نفسه لدى رؤيتها عواطف كبيرة ساقها حنين الماضي: ” تلك الصغيرة التي صارت امرأة (…) كانت تكفيني تلك الابتسامة لأشعر قلبي يدق قبالة تلك الجنية (…) أصبح لها شعر طويل مسدل على كتفها…”[38].

كما تجلى هذا كذلك في رواية “بحر الصمت” على لسان السارد :”تلك العينان جعلتا مني رجلا آخر يريد اكتشاف ذاته في ذوات الآخرين، و في معنى الثورة التي يسميها “عمر”:الوطن..”.[39]

ثم تكون الصدمتان بعدها في المستشفى. صدمة رؤية صديقه الحميم “النذير” يصارع الموت وصدمة رؤية “هشام” خطيب حبيبته.

6- الشخصيات:

تنوعت الشخصيات الموجودة في رواية “وطن من زجاج” وتعددت مستويات حضورها وفيما يأتي عرض لبعض الشخصيات التي امتلكت كثيرا من الفضاء النصي وفيها تظهر براعة الكتابة في خلق شخصيات ذات رموز قادرة على الحفاظ على مرجعيتها الواقعية:

-أخت النذير (الحبيبة): الطفلة التي عرفها منذ الصغر في القرية وأحبها وكان بينهما انجذاب و رغبة وصدق هي نفسها التي خسرها بعد أن بنى حلما خياليا في نفسه.” لعلني كنت أبحث بيني وبين نفسي عن تلك الصغيرة التي مرت من هنا تاركة عقدها الصغير في يدي”[40]، كانت الصدمة الأولى حين علم أنه خسرها ثم تضاعفت الصدمة عندما علم أنها خطيبة لضابط شرطة ولهذا دلالة على سيطرة المؤسسة الأمنية على الجيل المثقف.

النذير: عرفناه من خلال سرد البطل له، ابن المعلم الذي يمثل الجيل الثاني في النخبة المثقفة،المشبع بقيم التمسك بالهوية الوطنية والمتميز بوضوح رسالته عكس البطل الذي كان مترددا دائم البحث عن هوية وكينونته “كنت أعي أنني لن أخسر معه شيئا لأنني في النهاية ليس عندي ما أخسره أساسا”[41]. وعليه يبدو “النذير” –الشخصية المحورية الثانية- ايجابيا بما يتمتع به من رؤية واضحة في التغيير والملاحظ أن أسماء الشخصيات الفاعلة لم تذكر في المتن النصي من ذلك اسم البطل، والد البطل وجده، المعلم والحبيبة، فكان تعاملنا معها من خلال ما أعطاه السارد لنا من معلومات عنها.” هذا التغييب المتعمد يعطي الشخصيات فضاء دلاليا واسعا.”[42]
إن أسماء الشخصيات من اختيار المؤلف الذي يحاول إعطاء شخصياته الصفات التي يفترض أنها تتوفر عليها في الواقع”[43]، “فالعربي” المجاهد اسم يشي بدلالة العروبة والإسلام و”الرشيد” ضابط الشرطة يرتبط بدلالة النضوج والرشد، خاصة وأن البطل/السارد صورة شخصية جادة، وطنية تلتزم بمهام المؤسسات الوطنية.

في حين أن أسماء بعض الشخصيات الأخرى حملت دلالة سلبية مثلما يتضح في اسمي” النبيل” و” المهدي” الخاليين تماما من دلالة النبل والهداية. “كان النبيل صديقه وعشيقه”.[44]

وعليه يمكن إدراجها تحت مسمى الشخصية غير المنجزة عند “ميخائل باختين”، فالنبيل والمهدي شخصيتان تعيشان حالة اللا إنجاز؛ أي إن كل منهما يقوم بوظيفة غير مكتملة لا يتحكم المؤلف في تقرير مصيرها، إنهما شخصيتان تعيشان المعاناة الداخلية، وهذا ما يجعلنا نقر أنهما مهووسان ومريضان نفسيا، بل ويمتلكان وعيا مستقلا يعبّر عن كينونتهما وهويتهما وطريقة تفكيرهما، فالمهدي واحد من جيل يحتمي بالشارات العسكرية التي وضعها والده على كتفه، والتي تجعله يتباهى بأهمية والده كمسؤول كبير” كنت أتفاداه ليس عن خوف، بل عن رغبة في تفادي المرض ! كان المهدي والمرض متشابهين في كل شيء[45] .

أما النبيل فكان يعيش إحساسا بالنقص إزاء الآخرين بسبب فقره، ما جعله يقبل بوظيفة معاشرة صديقه المهدي لأجل ما يمنحه له هذا الأخير من مال ومن سلطة.[46]

ويمكن القول أخيرا إن شخصيات “ياسمينة صالح” قد أسفرت عن وعيها الثقافي والفكري والإيديولوجي وحضورها المستقل؛ حيث فرضت كل شخصية اتجاهها وخطابها دون أن ينتصر أي موقف عن الآخر، كما تتعدد الأصوات في رواياتها فـ” يشكل اللا تجانس بين الشخصيات مسارا مهما وحيويا”[47]

كما أن رواياتها غارقة بعبق الجزائر وأزمتها وتظل جزءا من هم عربي عام بكل صراعاته ومعضلاته وطموحاته بمستوى راق من الفن السردي ومن اللغة التعبيرية.

ويمكن وصف أعمالها الروائية بأنها تجربة إنسانية كاملة عرضا ووصفا صاغت عبرها الصراعات المألوفة ضمن بنية فكرية تستند إلى مفهوم فقدان الهوية، الوطن وتفكك الذات وتمزق الوطن كما حفلت بكثير من الشخصيات المتصارعة فكريا.

انطلقت الكاتبة عبر لغتها الشعرية إلى فضاء أوسع صورت فيه استباحة الوطن الذي خلف القهر و انكسار الأحلام.

إنها باختصار روائية الأدب الراقي ، نابضة بالتفاصيل التي تربطها بالوطن و الناس البسطاء والأمل في غد مشرق ،يمكن أن تغير بكلمتها اليوم ما يسيطر في المجتمع من آفات اجتماعية و سياسية و فكرية .

قائمة المصادر والمراجع

أولا: المصادر

ياسمينة صالح: بحر الصمت: رواية: دار الآداب، بيروت، ط1، 2002
ياسمينة صالح: وطن من زجاج (رواية)، منشورات الاختلاف ، الدار العربية للعلوم ،ناشرون ط1، 2006.
ياسمينة صالح: لخضر،الدار العربية للدراسات و النشر،بيروت، ط1، 2010.
ثانيا: المراجع:

آمنة بلعلى: المتخيل في الرواية الجزائرية من المتماثل إلى المختلف، دار الأمل للطباعة والنشر، دط،2011.
إبراهيم صحراوي: تحليل الخطاب الأدبي (دراسة أدبية)، دار الأفاق، الجزائر، 1999.
سامي سويدان: أبحاث في النص الروائي العربي، دار الآداب، بيروت، ط1، 2000.
سامي سويدان: فضاءات السرد ومدارات التخييل (الحرب والقضية والهوية في الرواية العربية)، دار الآداب ، بيروت، ط1، 2006.
صلاح صالح: سرد الآخر (الأنا والآخر عبر اللغة السردية)، المركز الثقافي العربي، بيروت-الدار البيضاء، ط1، 2003
عبد القادر عميش: شعرية الخطاب السردي ( سردية الخبر )، دار الألمعية للنشر ، ط1، 2011.
فتحي بوخالفة : شعرية القراءة والتأويل في الرواية الحديثة، عالم الكتب الحديثة، إربد، ط1، 2010.
محمد خطابي: لسانيات النص، مدخل إلى انسجام الخطاب، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط1، 1991.
مصطفى عطية جمعة: ما بعد الحداثة في الرواية العربية الجديدة ( الذات، الوطن، الهوية )، الوراق للنشر والتوزيع، عمان، ط1، 2011.
ميخائيل باختين: تحليل الخطاب الروائي، تر: محمد برادة، دار الفكر للنشر والتوزيع، القاهرة، 1989.
ثالثا: المجلات العلمية:

مجلة بلاغات: مجلة متخصصة في تحديد الخطاب، مجموعة البحث في البلاغة والأدب، القصر الكبير، المغرب، ع1، 2009.
مجلة جامعة دمشق، مجلد24، ع1، 2، 2008.
مجلة الحوار المتمدن، ع2398، 2008. elhiwar.org
[1] مصطفى عطية جمعة: ما بعد الحداثة في الرواية العربية الجديدة ( الذات، الوطن، الهوية )، الوراق للنشر والتوزيع، عمان، ط1، 2011، ص 34.

* ياسمينة صالح: كاتبة جزائرية من كتاب الرواية الجدد من جيل الاستقلال الثاني، تكتب القصة، من مواليد الجزائر العاصمة، خريجة كلية علم النفس، تشتغل منذ سنة 1995 في المجال الصحفي، أشرفت على القسم الثقافي في مجلة نسائية جزائرية سنة 2000، حازت على جوائز أدبية من العراق وتونس والجزائر والسعودية، كما حصلت على جائزة مالك حداد للرواية عن رواية ” بحر الصمت “، آخر رواياتها ” لخضر ” وهي تكملة لرواية ” وطن من زجاج”.

** بحر الصمت: رواية: دار الآداب، بيروت، ط1، 2002، حازت الرواية جائزة ملك حداد لعام 2001-2002.

*** وطن من زجاج: رواية : منشورات الإختلاف، الدار العربية للعلوم، ناشرون، ط1، 2006.

**** لخضر: رواية :الدار العربية للدراسات و النشر،بيروت،2010.

[2] مصطفى عطية جمعة: ما بعد الحداثة في الرواية العربية الجديدة، ص 40.

[3] عبد القادر عميش: شعرية الخطاب السردي ( سردية الخبر )، دار الألمعية للنشر ، ط1، 2011، ص15.

[4] – حميد لحميداني: أدبية السرد بين بلاغة الصورة والمنظور السردي، مجلة بلاغات، محور: بلاغة الرواية، مجلة متخصصة في تحليل الخطاب تصدر عن مجموعة البحث في البلاغة والأدب، القصر الكبير، المغرب، ع1، شتاء 2009، ص29.

[5] – صلاح صالح: سرد الآخر (الأنا والآخر عبر اللغة السردية)، المركز الثقافي العربي، بيروت-الدار البيضاء، ط1، 2003، ص36.

[6] – ياسمينة صالح: وطن من زجاج (رواية)، منشورات الاختلاف ، الدار العربية للعلوم ،ناشرون ط1، 2006، ص93

[7] – المصدر نفسه، ص124.

[8] – فتحي بوخالفة : شعرية القراءة والتأويل في الرواية الحديثة، عالم الكتب الحديثة، إربد، ط1، 2010، ص381.

[9] – مصطفى عطية جمعة: ما بعد الحادثة في الرواية العربية الجديدة، ص129.

[10] ياسمينة صالح:بحر الصمت،دار الآداب،بيروت،ط1،2002،ص49.

[11] ياسمينة صالح:لخضر،الدار العربية للدراسات و النشر،بيروت، ط1،ص107،106.

[12] المصدر نفسه،ص 107.

[13] ميخائيل باختين: تحليل الخطاب الروائي، تر: محمد برادة، دار الفكر للنشر والتوزيع، القاهرة، 1989، ص124.

[14] ياسمينة صالح:وطن من زجاج، ص51.

[15] المصدر نفسه، ص76.

[16] المصدر نفسه،ص ص63،62.

[17] آمنة بلعلى: المتخيل في الرواية الجزائرية من المتماثل إلى المختلف، دار الأمل للطباعة والنشر، دط، 2011، ص89.

[18] ينظر: رواية وطن من زجاج، ص ص28 ـ32.

[19] المصدر نفسه، ص173.

[20] المصدر نفسه، ص150.

[21] آمنة بلعلى: المتخيل في الرواية الجزائرية من المتماثل إلى المختلف، ص28.

[22] سامي سويدان: أبحاث في النص الروائي العربي، دار الآداب، بيروت، ط1، 2000، ص156.

[23] المرجع نفسه، ص156.

[24] سامي سويدان: فضاءات السرد ومدارات التخييل (الحرب والقضية والهوية في الرواية العربية)، دار الآداب ، بيروت، ط1، 2006، ص189.

[25] ياسمينة صالح :بحر الصمت،ص75.

[26] المصدر نفسه،ص65

[27] ياسمينة صالح ،لخضر،ص105.

[28] المصدر السابق، ص105.

[29] محمد خطابي: لسانيات النص، مدخل إلى انسجام الخطاب، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط1،1991،ص17

[30] ينظر رواية وطن من زجاج، ص38.

[31] المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

[32] عدنان الظاهر: انتصار لاكامورا، مجلة الحوار المتمدن، ع2398، 2008. .www.ahewar.org

[33] ياسمينة صالح: رواية وطن من زجاج، ص40.

[34] ينظر: المصدر نفسه، ص31.

[35] المصدر نفسه، ص45.

[36] المصدر نفسه، ص48.

[37] مصطفى عطية جمعة: ما بعد الحادثة في الرواية العربية الجديدة، ص99.

[38] وطن من زجاج، ص93.

[39] بحر الصمت ،ص65.

[40] وطن من زجاج ،ص58.

[41] المصدر نفسه، ص65.

[42] مصطفى عطية جمعة: المرجع السابق، ص120.

[43] إبراهيم صحراوي: تحليل الخطاب الأدبي (دراسة أدبية)، دار الأفاق، الجزائر، 1999، ص101.

[44] وطن من زجاج، ص55.

[45] المصدر نفسه، ص53

[46] ينظر المصدر نفسه، ص55

[47] حسن عليان: تعدد الأصوات والأقنعة في الرواية العربية، مجلة جامعة دمشق، مجلد 24، ع1،2 ، 2008، ص 177.

*أستاذة جامعية. كاتبة أكاديمية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق