ثقافة السرد

مختار

سهام حمودة*

كلما رآها تهرول إلى المدرسة الابتدائية قبالة مركز الشرطة خفق قلبه وابتسم رغما عنه فهي دائما تأتي إلى العمل متأخرة. يقف عند باب المركز يرصد حركاتها وسكناتها وهي تعدل من هندامها فيما يأتي الحارس ليفتح لها الباب متأففا. كثيرا ما تجتاحه رغبة في أ ن يحضره إلى مركز الشرطة لتأديبه حتى يتعلم كيف يتصرف في حضرة امرأة ولكنه لجمها فهو لم يلتحق بسلك الشرطة لترهيب الناس إلا ٲنه في ذلك الصباح الممطر ضرب كلما تعلمه من مؤدب قريته عن الترفق بالضعفاء عرض الحائط فهو لم يتحمل رؤيتها تقف مبتلة بعد أن رفض ذلك الأحمق فتح الباب لها ليدير ظهره و يعود إلى جحره يجر بوته و يشد عليه معطفه الواقي من المطر في تكاسل. كان في سيارة الشرطة قريبا من المدرسة يومها ورأى كل شيء بأم عينه. كانت ترتجف تحت المطر وعلى شفتيها ترتجف العديد من الاعتذارات.
_حارس قميء!
فتح باب السيارة واندفع باتجاهها وقد بلغ غضبه أشده. كان يعلم أن ما أسعر نار الغضب فيه غيرته إذ لم يتحمل نظرات الحارس لها. شعرت بريح دافئة تحتضنها من الخلف. التفتت والتقت عيناها. رأت رجلا ثلاثينيا ليس بالطويل ولا القصير يرتدي زي شرطي يقف بجانبها. تراجعت إلى الخلف والدهشة تملأ عينيها اليابانيتين.كان يبدو غاضبا جدا.
_اذهبي واجلسي في السيارة. أمرها بصوت لا يقبل النقاش.
لم يصدق نفسه وهو يأمرها. كان صوته يشبه صوت أبيه وهو يحدث أمه.
أطاعته دون أن تنبس ببنت شفة .
-كيلاني! صاح بأعلى صوته. أطل الحارس برأسه من شباك غرفته ولما رآه أقبل يجري وابتسامة صفراء تزين وجهه الكالح وما إن فتح الباب له حتى أخذه من ياقة معطفه بيده وجره إلى السيارة والرجل يولول.
أوقفه عند عربة الشرطة وساقاه لا تكاد تحملانه. اتسعت عينا الحارس في دهشة عندما رآها تجلس في المقعد الخلفي للسيارة.
لم ينبس مختار بكلمة ولكن الحارس فهمه. حرره من قبضته بعد تردد فارتد الرجل على أعقابه ورائحة الخوف تعبق منه.
نظر إليها ثم فتح لها الباب وأشاح بناظريه عنها. .كانت عيناها تشبه عيني أمه. عيني امرأة ضعيفة. كم كان يكره ضعف أمه.
هرولت إلى داخل المدرسة دون أن تشكره. لم تفهم سبب الغضب المزبد في عينيه.فجأة أيقظته من حلمه قهقهة برهان. كان حلما جميلا ؛ رأى أمه تبتسم لأول مرة.
_انهض أيها العاشق.
أمضيا تلك الليلة في مركز الشرطة فقد كانت أعمال الشغب ما تزال مستمرة في الحي المجاور.
—أحتاج الى حمام دافئ
عربية حضر لسيدك الحمام… قهقه برهان.
يبعد بيت مختار ثماني كيلومترات عن مكان عمله وهو المكان الوحيد الذي رآه مناسبا لإقامته في حي تكاد تتداعى جدران منازلها على آمال أصحابها. ناداه برهان وهو يقطع الطريق نحو المدرسة ولكنه لم يجب.
ابتسم مدير المدرسة في توتر عندما أخبره الشرطي أنه يريد أن يسمح له بالاستحمام في الحمامات الخاصة بالتلاميذ في قسم الرياضة. لم يحدث أمر مثل هذا قط ولكن ماذا لو رفض؟ هل سيعود أدراجه أو يجره إلى مركز الشرطة كما فعل بكيلاني. كان مكتبه صغيرا جدا وبدأ أصغر بحضور مختار المسيطر. يكاد رأسه يلمس السقف الذي أكلته الرطوبة.
-أعرف الطريق،لاداعي لمرافقتي.
ولكنه لم يذهب وحيدا فما إن رأوه صبية المدرسة حتى اندفعوا نحوه يصيحون ويضحكون ويهتفون باسمه ولم يتفرقوا إلا بعد أن سمعوا رنين جرس الدرس.كانت الحمامات بعيدة عن قاعات الدرس. وجد بناء مهجورا وقذرا ولكن همه الاستحمام ثم كوب قهوة دافئ لا رقي المكان. عثر على حمامين متلاصقين وآخر منفردا فاختار الحمام البعيد. دخل وأوصد الباب.ابتسم وهو يقرأ الخربشات البذيئة المكتوبة على الحائط. بدأ بخلع ثيابه.أرادته أمه أن يصبح معلما كجميع الأمهات في قريته الصغيرة ولكنه ٲصر ٲن يصبح شرطيا .رفع نظره إلى السقف وهي يسحب يده من كم قميصه الأبيض حتى لا يرى آثار الحروق عليها.
مد يده لفتح صنبور الماء ثم توقف. تناهى إلى مسمعه خطوات تقترب من المكان.لقد أخبره مدير المدرسة أن الحمامات لم تستعمل منذ سنوات. لم يشعر بالارتياح فالخطوات أصبحت فوضوية.أعاد ارتداء ملابسه بسرعة ودون أن يغلق أزرار قميصه خرج ليرى من القادم . رفع ذراعيه إلى أعلى معلنا عن استسلامه ونصرهم. اجتمع الأطفال حوله وهم يضحكون بشقاوة.
– لم تأت المعلم صباح فهل تلعب معنا كرة القدم؟
—اتركوه وشأنه. إنه متعب من ملاحقة الفقراء . جاء صوت برهوم وقدماه تشق طريقها نحوه بين أقدام الأطفال الذين انفضوا من حوله. كان برهوم ٲكبرهم سنا٬ سمعوا قصصا مثيرة عنه من إخوانهم والآن يعرفونه شخصيا فعدد المرات التي رسب فيها كثيرة. طرد من المدرسة ومع ذلك اتفق معلموه أن يظل ليتعلم أو ستكون نهايته مثل إخوته بائع زطلة فأمهم امرأة كادحة تعمل كامل الأسبوع بتنظيف المدرسة ويوم الآحاد تذهب لتنظيف عيادة طبيبة النساء.
قطب مختار حاجبيه عندما رآه. لم يفهم سبب الغضب الذي يعتريه كلما وقعت عيناه عليه. كان برهوم طويلا جدا و هزيل البنية يبدو أكبر من عمره، برزت تجاعيد حول فمه الصغير قبل آوانها.كانت ثيابه على بساطتها أنيقة وظيفة. رآه يدخل يده إلى جيب سترته و يخرج محفظة جلدية زرقاء. كانت محفظته ولا بد أنه أوقعها من جيبه في طريقه إلى هنا.
-لم ينبس كلاهما بكلمة. تبادلا النظرات فقط.
-هل سنلعب الكرة اليوم؟
كان اليوم جمعة وتعود مختار أن يدرب الأطفال أساليب لعب كرة القدم . كانت تسليتهم الوحيدة في مدرسة لا يوجد فيها نواد وبلدة لا أماكن ترفيهية فيها.ولكنه كان يشعر بصداع رهيب و ألم بحنجرته ربما بسبب الوقوف في المطر البارحة.
-هل يمكن أن نرجئ لقاءنا اليوم إلى الغد.
—حسنا
رآهم يبتعدون يقودهم برهوم. لم يتساءل مختار ٲبدا عن سبب كراهية الصبي له فالشعب لا يكن له وأمثاله إلا الكراهية والحقد؛ عصا الحاكم.
تذكر شيئا. فتح مخفظته وفتش بين أوراقها. لم يكن يهمه إن كان سيجد النقود فيها أم لا فقد كان المال آخر همه في حضرة صورتها. تنفس الصعداء عندما لاحت له في الجيب الصغير، تناولها بين سبابته وإبهامه. لم يتمالك نفسه من الضحك. لقد رسم على وجه الفتاة شاربين وحاجبين ضخمين.
-برهوم، برهوم، ردد وهو يعود أدراجه إلى الحمام.
كانت الساعة تشير إلى العاشرة مساء عندما أن أنهى عمله. انطلق بسيارته الجيب إلى مسقط رأسه. طلب منه برهان أن ينتظر الصباح ولكنه أبى.اجتاحت مؤخرا المدينة أعمال الشغب ولكن لن يحدث شيء إن تغيب يوما واحدا عن العمل.
بقيت ساعة على وصوله لقريته. توقف ليملأ خزان السيارة بالوقود. لاحظ أمرا غريبا جلب انتباهه. تلكؤ العامل في محطة البنزين٬ المسافر الذي يقف قبالته حدجه بنظرة حادة ، تمتم بكلمات ثم بصق على الأرض وهو لا يشيح ببصره عنه.أدرك أن أمرا جللا سيحدث أو حدث. نقد العامل المال ثم أدار محركه وانصرف بسرعة.
ٲخيرا قرر ٲن يتحدث ﺇلى برهان . كان هاتفه يرن ولكنه لا يجيب.طلب رقم مركز الشرطة فسمعه يرن ثم جاءه صوت برهان غاضبا.
-ما الأمر
-هذا انا مختار
-أيها المحظوظ لقد هربت بالوقت المناسب
-ماذا تقصد؟
-لقد اقتحم شرذمة من الأوغاد مركز الشرطة وحاولوا حرقنا أحياء.
-هل أصيب احد بمكروه
-بعض الخدوش السطحية و لكنهم نجحوا بحرق مكتب الرئيس. لقد كانت فوضى عارمة.
-الحمد لله. هل قبضتم عليهم؟
-لا لقد لاذوا بالفرار ولكن هناك من أذى نفسه وهو يلقي بالزجاجة المشتعلة. أقسم أني سأقتحم المنازل بيتا بيتا حتى أعثر عليه . حروقه بليغة و لن تندمل بسرعة. سأجده ولو بعد حين.
لا يعلم مختار لماذا ومض اسم برهوم في ذهنه. أكان هو يا ترى؟ ماذا لو كان هو؟ لن يرحمه برهان فقسوته أشد من الحجر.تبقت ساعة واحدة على وصوله للبيت ولكنه وجد نفسه يعود أدراجه.ستتفهم أمه الأمر حتما. لن يبدأ برهان حملته التفتيشية إلا عند الصباح لهذا اطمئن قلبه وحاول أن يقود السيارة في مهل.
توقف عند استراحة ليلية في الطريق لبضع دقائق. كانت خالية إلا من قطتين وجدتا الدفء في ركن ركين قريبا من الباب تصيخ سمعها ﺇلى فرقعة الفحم المشتعل. هي ليلة من ليالي جانفي الباردة جدا. اختار مختار طاولة قريبة من النافذة حيث يستطيع رؤية سيارته. لم ينظر إليه صاحب الاستراحة وهو ينقده ثمن القهوة وعلبة السجائر فقد كانت عيناه متشبثتان بالتلفاز. ظلت يده معلقة بالهواء لدقائق وفمه فاغر ثم قال:
-“الأوغاد لقد أخرجوه من بين الموتى عندما زاره الرئيس”
احتسى مختار قهوته وغادر. كان الجو ينبئ بأمر جلل. ٲشارت ساعة يده إلى السابعة صباحا عندما وصل إلى مركز الشرطة.دعا أن لا يكون برهان بدأ حملته في البحث عن المجرم.
-لماذا عدت؟سأله برهان وهو يعدل حزام سرواله.
—فكرت أنكم ستكونون بحاجة ماسة إلي لهذا عدت.
-قرار جيد!
—لماذا لا ننقسم إلى فريقين؟ ٲنا و خليل سنذهب إلى الحي الفقير وأنت و …
—كيلاني سيذهب معي!
رفع مختار حاجبيه وهو يرى كيلاني ينسل من غرفة التحقيق.ركب مختار سيارته وعيناه تراقبان كيلاني. لقد كان عين الشرطة في المدرسة. لا عجب أنه لم يحبه أبدا.
انطلقت السيارات بسرعة كبيرة من أمام مركز الشرطة. هل هي مريضة؟ تساءل فهو لم يلمحها قادمة.
توغلوا في الحي المجاور. كانت الٲزقة ضيقة وقذرة جدا فمياه الصرف تملأ الطريق والمنازل متداعية الكثير منها مغطاة بأسقف من القصدير. ابتعد صبية يلعبون بالكرة يجرون ليفسحوا الطريق للرجال الذين نزلوا من السيارات السوداء.
-فتش منازلهم جيدا و لا تأخذك بهم رحمة هؤلاء الملاعين. رمق برهان مختار
-كيلاني! تعالى معي.
لم يحب مختار طريقته في التعامل مع الناس.كان فظا ووقحا جدا. لمح امرأة مسنة تختلس النظر من النافذة الصغيرة من منزلها. ابتسم لها و أشار لها بأنه يريد التحدث معه. كان مختار يرى في كل إمرة ٲمه.
-صباح الخير يا خالة
-صباح الخير بني
نريد أن نفتش البيت يا خالة. هلا فتحت الباب لنا.
لم تبتعد العجوز عن النافذة ولكنه سمع خطى تقترب. اتسعت عيناه عندما فتح الباب وظهرت أمامه زهرة.

أخذت دقات قلبه تدق بعنف. لم يعرف أنها تسكن الحي المجاور.
-مرحبا
-نريد أن نفتش البيت
-تفضلا
ٲفسحت له زهرة الطريق وتبعه مساعده .لم يكن البيت كما تشي واجهته الأمامية فهو مرتب ونظيف وأثاثه جميل يكشف عن ذوق صاحبه الراقي.ابتسم مختار للعجوز التي ابتسمت بدورها له.
-لقد هجم البارحة ثلة من الفتيان على مركز الشرطة وقاموا بحرق قسم مهم منه ونحن نفتش عن الفاعل أو دليل يقودنا إليه.لهذا علينا أن نفتش البيت.
-تفضلا. احرصا فقط على عدم كسر الأشياء فهي غالية.البيت صغير جدا يتكون من غرفتي وغرفة جدتي ومطبخ وحمام وغرفة المعيشة. لن تستغرقا وقتا طويلا في التفتيش.
زم مختار شفتيه.تبدو مختلفة هذه المرة. تبدو قوية.
ما إن دخل خليل الغرفة المجاورة للمطبخ حتى استقبلته رائحة الأدوية. كانت غرفة الجدة. وقعت عيناه على كرسي هزاز جميل.
-ﺇنه لجدي.ٲجابت زهرة على فضوله .
-لجدي كرسي مثله صنعه من أجله صديق من لبنان انتقل للعيش في تونس هربا من الحرب.
فتش خليل في كل الأماكن بالغرفة ولم يجد شيئا وعندما خرج متجها لغرفة زهرة أمسكه مختار من ذراعه.
—لا أعتقد أننا نبحث في المكان الصحيح. فلنغادر!
—ولكن..
—لننصرف من هنا. هناك بيوت أخرى علينا تفتيشها قبل حلول المساء.
-أتمنى لكما يوما طيبا.خرجت الكلمات بصعوبة من فم مختار. حاول أن يبقى هادئا وهو يرى الحروق التي ظهرت على ساعد زهرة النحيل عندما انحسر كم قميصها وهي تساعد العجوز في الجلوس في كرسيها المتحرك. التقت عيناهما.دعا من قلبه ان تقرأ ما فيها.
-أفيقي أمي المنزل يحترق، أفيقي أمي!

قاصة ومترجمة من تونس

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق