ثقافة المقال

لماذا أدب الرعب؟

رضا سليمان*

موضة أدب الرعب أو كما أحب أن أُطلق عليها “أدب الإثارة والتشويق” ليست بجديدة على الساحة الأدبية العربية كما يتحدث البعض، الإثارة والتشويق ضاربة بجذورها فى تاريخ الحكايا الأدبية، منذ العصور الفرعونية وهناك قصص الإثارة والتشويق فهناك قصة “البحار الغريق” و قصة “ست نا ولعنة الكنز” و “قصة رادوبيس” و”الفلاح الفصيح” وغيرها من القصص التى تحفظها لنا النقوش الفرعونية.وهناك من الأدب المكتوب ما يفوق التصور فحكايا “ألف ليلة وليلة” مثال حى عن أدب الإثارة والتشويق مستقى منه،حاليا، العديد من الروايات العربية والعالمية. وليست حكايا الجدات عن “أمنا الغولة” و “أبو رجل مسلوخة” وغيرها من المسميات المرعبة بعيدة عن حالة أدب الرعب والإثارة والتشويق.
موجة أدب الإثارة والتشويق الحالية ليست بجديدة وإن ارتفعت بعض الأراء بهذا الرأى حاليا. لكن التوجه الحالى لهذه الموجه بشكل يجعلها موجة رائجة، كما أرى، له أسبابه وأهم هذه الأسباب الهروب من الواقع الحالى وذلك بسبب كثير من الضغوط، وأيضًا حينما لا يجد الأديب المادة الخام للرواية من الواقع المجتمعى المتعايش يبحث عن بدائل خيالية مثيرة، يضاف إلى ذلك تأثير الجمهور واتجاه الذوق العام للمتلقى، وما حدث ويحدث فى المنطقة العربية منذ اندلاع الشرارة الأولى للربيع العربى وما صاحبها من مشاهد العنف والقتل وسفك الدماء،انتقل بالشخصية العربية إلى منطقة أخرى أهم سماتها الجفاء والقوة والصلابة إضافة إلى الجرأة والتحدى، جعل شخصية المتلقى لا تجد مبتغاها فى الرواية الإجتماعية أو الرومانسية، وكثير من هذا الجمهور صاحب المشاعر الجافة وفقا للظروف الجديدة لم يعد يهتم بهذا التصنيف الاجتماعى أو الرومانسى ويميل فى خطوة لا إرادية نحو العنف والدماء وهى أساسيات تلك الموجة من أدب الإثار والتشويق أو ما يطلق عليه أدب الرعب.
وإن كان المد لهذه الموجة حاليًا فلا ضير ولا عجب كما أوضحنا لكن الغريب هو هرولة الأدباء إلى اعتلاء هذه الموجة مستغلين فى ذلك كل ما هو غير منطقى وكثيرٌ من التقليد والاقتباس الكامل من الأفلام الأجنبية متناسين بقصد أو بغير قصد طبيعة البيئة التى نعيش فيها والتى يجب أن تكون هى مصدر الإلهام خاصة وأن منطقتنا العربية تمتلك من التراث والحكايا والأفعال الحالية ما يحتوى على مادة غنية “مسكوت عنها” لمثل هذه الموجة الأدبية الحالية من أدب الإثارة والتشويق.
للأسف الشديد يعتقد عدد من الأدباء أن الحديث عن هذا “المسكوت عنه” فى الواقع المصرى والعربى من عادات وتقاليد وأفعال تحدث على أرض الواقع هو حديث عن خرافات ما يجب التعرض لها. أتعجب بشدة من هذه الأراء الرافضة لرصد واقع حقيقى وتلهث خلف حكايات غربية واقتباسات لا مبرر لها غير الاستسهال فى النقل. هذا المسكوت عنه، “فى القرى والنجوع وكثير من التجمعات السكنية فى المدن يا سادة، بل هو معتقد ثابت عند ما يُطلق عليهم عِلية القوم، أصبح يُعلن عن رجاله وما يقدمونه بمقابل مادى على الشاشات”، نعلمه ونشاهد تأثيره على سلوك الأفراد والمجتمع، كثير من العلاقات تُبنى أو تُهدم، حالات طلاق، جرائم قتل، حتى السياسة يوجد فى دهاليزها الكثير من تلك الأمور. هذا المسكوت عنه، والذى استخدمته فى روايتىَّ ظلال الموتى والمدنس، مادة مثيرة وثرية يجب أن تتغذى عليها موجة أدب الإثارة والتشويق الحالية. فأنا لا أدعو إلى غريب غير الغوص فى أعماق هذا المجتمع وأن نستخرج منه مادة معاشة تكون نواة تلك الأعمال الأدبية الحديثة وأحسب أنه أفضل من اقتباس مباشر من أعمال أجنبية.

*روائى وإعلامى مصرى

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق