إصدارات

الثورات العربية في عيون كتّاب الإتحاد

د. أحمد عبدالملك*

عقد منتدى الإتحاد السنوي السادس جلساته في أبوظبي يوم 20/10/2011 بحضور نخبة من الزملاء المشاركين في (وجهات نظر) ، تحت عنوان ( العالم العربي.. إلى أين ؟) ، وهو عنوان المرحلة الحالية التي تشهد تحولات عديدة ومتنوعة وحالات حراك سياسي أدت إلى تغيير بعض الأنظمة .  وتصادف عقد المنتدى مع انتهاء حقبة ( القذافي) ، التي حتماً ستكون لها ظلال كبيرة على المخاضات المتعسرة في بعض العواصم العربية. وحديث الكتّاب والمثقفين العرب دوماً لا تكون له نبرة واحدة أو شكل واحد، خصوصاً الكتاب المستقلين الذين يؤمنون بقدسية الكلمة، ولا ينتمون إلى التراث الأيدولوجي قد انتمائهم لدور العقل في تسيير الأمور . وتلك ميزة صالحة ومفيدة ! إذ أن ظروف الثورات العربية اختلفت من بلد لآخر ، تماما كما هي دوافعها ومبرراتها وأساليبها . وكما هي اللغة العربية الثرية في دلالاتها وألفاظها وتشبيهاتها، فإن الزملاء المشاركين في المنتدى أثروا الحوار بالعديد من الاتجاهات واالأفكار والتفسيرات لشكل وطبيعة ومستقبل الثورات العربية . فمنهم من رأى أن الثورات العربية لم يتم استنساخها من بعضها. وأ، بعض الثورات كان قد ” اختمر” منذ أكثر من عشر سنوات ، كما هي الثورة المصرية ، وتم التعبير عن ذلك من خلال صحف المعارضة ومواقفها ضد النظام واجراءاته ، وكيف أن الوضع في مصر لم يكن “استجابة ” لنموذج ( البوعزيزي) التونسي . ورأى البعض أن الشارع العربي قد ملّ الأيدولوجيات ( الإسلاموية والقومية والماركسية )التي لم تخلق له الدولة المسؤولة ، وبالتالي أراد أن يتحقق شيء جديد ، ليس له أصول ربما ، وبدون أن يكون له رؤوس ، أو “نجم سياسي” تلتف حوله الجماهير .وهذا قد رسخّ مفهوم الثورات الصالحة أو ” النقية” التلقائية التي شارك فيها الجميع دون أيدولوجيات أو رموز سياسية . وفعلاً لم نشاهد في تلك الثورات أية مطالب قومية ، إسلاموية ، فكرية ، قدر مطالبتها بإسقاط النظام ، أي التغيير . لأن واقع الحال لم يحقق للشعوب كل الوعود التلفزيونية والصحافية على مدى أربعين عاماً.

وبذلك غدا ” إسقاط النظام” هو الهدف الرئيس لتلك الثورات . لقد أشار بعض الزملاء إلى فشل الحركات العربةي في الخمسينيات والستينيات، لأنها تمسكت بشعارات لم يكن من بينها الدعوة إلى الحياة المدنية !. لذك، جاءت الثورات بدكتاتوريات العسكر، التي لم تؤطر للديموقراطية أو تقترب منها في الواقع العملي، ولم تسمح للمكاشفة أو الشفافية . فصار أن تحلّق حول الحكام مجموعة من النافذين  حتى ضاق الحبل على عنق الحاكم الديكتاتوري، الذي لم يجد الفرصة ليقضي على ” البرامكة” الذين قاموا بتسيير الأمور نيابة عنه، بل إن بعض الثوريين من العسكر التجأ إلى قبيلته وفضلها ” على العالمين ” .

ودعا بعض الزملاء إلى ضرورة إعادة قراءة ما جرى في العالم العربي خلال العام الماضي، قراءة متجردة من العواطف أو روح التشفي ، ووجد بعضهم أن الرغيف والحرية والكرامة كان المحفز الرئيس لقيام تلك الثورات. وأن هذا التحول قد جذب أنظار العالم نحو العرب، وبدّل الصيغ الإعلانية ( الستريو تايب) في المخيال الغربي ضد العرب. وأصبح العرب محل تقدير الرأي العام العالمي . وربط بعض الأخوة بين ما جرى في العالم العربي من تحولات، بأنه جزء من حركة التاريخ، وثورة عالمية ، ضد التاريخ الإنساني الراكد ، وأن الشعوب لها قيم وتطلعات تقربها من الإندماج في التاريخ الحديث اعتماداً على قيمتي الحرية وكرامة الفرد.

وأشار بعض الزملاء إلى فشل الدولة العربية في تبديل نهوجها، واستمرائها في تدعيم أركان الحكم مع اهتراء الدولة، أو عدم الاهتمام بكيان الدولة، وهذا ما عجّل بسقوط أنظمة – كنا نعتقد باستحالة تزحزحها – مثل مصر وتونس البوليسيتين . حيث كان الحكم حاضراً في كل ركن من أركان البلاد، في الوقت الذي غابت الدولة في أكثر الأوقات إلحاحاً ومصيرية. وأنحى البعض باللائمة على الأحزاب العربية التي لم تسهم في إذكاء الوعي الثقافي لمفهوم الديموقراطية، بل كانت أجندة تلك الأحزاب تتركز على مناكفة النظام دون وجود أجندة وطنية اللهم فيما ندر. أو أنها لم تقدم البديل الصالح للنظام الديكتاتوري، الذي استبدل السلطة المطلقة بالاستعمار دون أي تفكير أو اتجاه نحو دولة المؤسسات .

دول الخليج كان لها نصيب في المداولات، ولسوف نتناولها في الأسبوع القادم.

الحالة الخليجية في الربيع العربي

خلال منتدى الاتحاد السنوي السادس الذي عقد الأسبوع قبل الماضي في أبوظبي ، تناول زميلنا الدكتور شملان العيسى الأوضاع في منطقة الخليج على ضوء التغييرات التي حصلت في العالم العربي. وكان قد تساءل: هل دول الخليج في مأمن من الحركات والثورات الشعبية؟ وهل نجاح ( الربيع العربي ) في بعض الدول لن يؤثر على شرعية القيم التقاليدية السائدة في الخليج مع الولاء القبلي والديني لفترات طويلة ؟؟!

والحديث عن هذا الموضوع يتطلب الموضوعية والعقلانية بعيداً عن ” الشطط” الفكري الذي ظهر في الأدبيات السياسية والثورية منذ حركات الخمسينيات والستينيات في الخليج.كما يتطلب الأمر عقد مقارنات حقيقية وواضحة بين ما تحقق في دول مجلس التعاون خلال الأربعين أو الخمسين عاماً الماضية، وبين الحالة في النظم العربية الثورية والأيدولوجية!. كما يجب فهم واستيعاب شكل الحالة ” الأبوية” بين رموز الحكم وبقية أفراد الشعب ! ومبدأ   ” المصالحية ” أو ” التصالحية ” الذي قامت عليه تلك العلاقة. والذي ينكر ما حصل من تطور وتغيّر في هذه الدول، التي كانت بعيدة عن أدوات التحضر في الأربعينيات، حيث نجدها اليوم تقدم للمواطن أحدث الخدمات، وأرقى التجهيزات في الطب أو الجامعات ،مع التعليم المجاني، ناهيك عن الخدمات الضرورية التي لم تنجح النظم ” الثورية” في توفيرها للمواطن . إضافة إلى الرواتب المجزية والحوافز وبناء المساكن، والأمن الذي يعتبر من ضروريات الحياة، الذي ينكر هذا فإنه يجافي الحقيقة .

المحظور الذي لم تقترب منه أدبيات المرحلة السابقة هو تطوير العلاقة بين الدولة الخليجية والمواطن ! مع كل التقدير لطرح دساتير جديدة ، وتطور النظام البرلماني في بعض هذه الدول، إلا أن سيادة مجالس الشورى- محدودة الدور- ظل حتى هذا اليوم في أغلب دول الخليج محل نقاش كبير . ذلك أن تلك العلاقة ( البطريركية ) قد تأثرت ولربما توطدت بحالة “التصالح ” بين القبائل الخليجية المؤثرة والأنظمة، مع مشاركة معينة في مداخيل النفط، وهذا ما أوجد حالة التناغم والرخاء الاجتماعي .  كما أن أدبيات  الإعلام والرأي العام مازالت تؤكد على حرية الرأي وحق المواطن في إبداء رأيه في الشأن العالم، ولكن ضمن قانون المطبوعات الذي يضع ” الضوابط” التي تنتهك حرية الرأي !. وتلك معضلة ما زالت موجودة في العديد من الدول ،خصوصاً مع ظهور أدوات التواصل الاجتماعي والمدونين، والظواهر الإعلامية الجديدة التي لم تحط بها قوانين المطبوعات.  ولكن هذا الإعلام أيضاً يتفاوت في مدى اقترابه من الحالة الخليجية، التي دوماً توصف بأن لها ” خصوصية” معينة، كمبرر، تدفع بالصيرورة السياسية والاقتصادية والاجتماعية لاستمرار واقع الحال.

إن حالة الرفاة – مع التقدير بوجود حالات فقر في بعض الدول، وأن نسبة كبيرة من أبناء المنطقة الغنية تسكن في بيوت لا تمتلكها، وبعضها يعيش على إعانات وزارة الشؤون الاجتماعية، وتحت خط الفقر، ناهيك عن شرائح كبيرة ما زالت مدينة للبنوك – هي التي أوجدت معادلة صعبة / سهلة في آن واحد ، لتفهم أو تبرير استمرار تلك الصيرورة، مع أننا  قد نستثني مملكة البحرين ودولة الكويت من ذلك، كون الكويت تمتلك دستوراً واضحاُ منذ الستينات حدد العلاقة بين الحكم والشعب، وكذلك البحرين التي مرّت بمخاضات سياسية وطبقت نظام المجلسين ( المعين والمنتخب)، ومشروع الملك الإصلاحي، رغم الظروف الأخيرة التي وتّرت الأجواء وزعزت الأمن في هذا البلد. ولا نستطيع تجاهل (حالة الرفاة) في شكل تفكير ملايين الخليجيين واتجاهاتهم ورؤاهم المستقبلية .

معادلة ( النفط والديموقراطية ) سوف تحتاج إلى وقت ليس بالقصير لإثباتها أو دحضها!. إذ أن الاستحقاقات التاريخية والاجتماعية والأبوية الحاكمية، تؤثر على أي تحرك أو مطالبة بالديموقراطية أو أي نزوح عن ” بركات ” النفط.   وستظل المشاركة السياسية أحد المسائل الشائكة التي لن يؤثر  على مساراتها الربيع العربي، ذلك أن التحالفات القائمة بين أنظمة الحكم والقبائل النافذة، والاسترخاء الاقتصادي، وتوجه الأنظمة نحو الإصلاح وتوفير الحياة الكريمة الهانئة للإنسان، والتعديلات التي تجري على بعض القوانين لمنح حريات أكثر، وإقامة المؤسسة الداعمة لتفعيل المواطنة ، كل ذلك يمكن أن يوثق العلاقة بين أنظمة الحكم والشعوب. كما أن تلك الحالة ( الخليجية ) قد أفرزت اهتمامات محدودة لشباب الخليج تنحصر في الحصول على وظيفة – حسب دراسة لشركة (بوز) وردت في ورقة الزميل شملان العيسى، وأن دراسة للمفكر الراحل خلدون النقيب قد أوضحت أن ما بين 83%-37% من شباب الخليج يرى أن الأوضاع تحتاج إلى مزيدمن الديموقراطية ، وتستنتج الورقة ” أن شباب الخليج لديهم اهتماماتهم الخاصة ومشاكلهم المحلية ؛ ولا يلتفتون للقضايا السياسية إلا في فترة الانتخابات البرلمانية ، وقد يعود السبب إلى وجود الدولة الريعية ومجتمع الرفاة”.

نحن نعتقد أن الحالة الخليجية سوف تستمر بنفس الوتيرة، وأن تجاوب أنظم الحكم مع مطالبات الإصلاح سوف تُنضج العديد من الرؤى التي ستخدم الطرفين ، عبر الحوار والنقاش الهادئ ! ذلك أن العنف واللجوء إلى أعمال الشغب لن تثمر عن خطوات إيجابية بقدر ما تساهم في تشطير المجتمع .

هنالك مساحات في مسيرة الدولة الحديثة في الخليج تحتاج إلى مراجعات، مثل : إدارة مداخيل النفط والغاز، الاستثمارات الخارجية ، التشريعات المتعلقة بالحريات، التغريب الحاصل نتيجة الخلل السكاني ، تطوير الخدمات التعليمية والتطبيبية .  ونعتقد أن العقلاء من أبناء المنطقة – سواء الذين يَحكمون أم الذين يُحكَمون –   قادرون على دراسة هذه المساحات ووضع الحلول الناجعة لها عبر الحوار.

*أكاديمي وإعلامي قطري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق