ثقافة المقال

غُلَامُ الجَمِيع

معمر طاهر الشريف

أنا المواطن البسيط ، الذي يدعي الكل أنني مصدر كل السلطات ومنتهاها صغيرها وكبيرها، أعلاها وأدناها، ويتشدق الكل باسمي وصفتي وهمومي، وتعاستي وانكساراتي، ويُدبّجُ بها خُطَبَهُ ، ويُحَيِّنُ بها خُططه، ويقضي بها الجميع مآربُ نفوسهم الخبيثة كاملة غير منقوصة فوق هامتي وجبيني.
يتخذني الكل لتمكين النفس من الذي يريدون ، ويطمحون، يرفعني الكل فوق الأعناق مدّة العرض الذي يصورون، ويفبركون، وأرمى بعدها عند نهاية عروضهم المصورة إلى الحضيض الأسفل بلا رحمة ولا شفقة، وتتلاعب بي الأطماع والطموحات، وتكون اكبر غاياتي وأمنياتي أن أبقى بين الأيادي، لا في الأرض تتلاعب بيّ الأقدام.
أنا الرقم الأضعف الذي يستغلني الكل، ويهتف زورا باسمي الكل ويراوغ الكل بمحني وآلامي، لكنهم عندما يتحقق لهم ما يرومون ..أجدهم فوق هامتي، يستعبدونني علنا ويترجونني أن لا أحرك هامتي واصبر ، لكي لا يقع السادة من فوقها ، ويضيعون أوقاتهم الثمينة لإعادة صعودها من جديد …لأن وطنيتي تستدعي ذلك …وحياتي مقصورة على التضحية بالنفس والنفيس … من أحل الوطن كما يقولون .
أنا الأساس الذي يقف عليه كل بنيان …هكذا أقنعوني …وأنا الأرضية الصلبة التي تنبعث عليها كل المشاريع ، بمثل هذا أفتوني كذلك …ستعيش حرا مصانا معززا مكرما هكذا قالوا …ويرفعون قيمتي عاليا بحناجرهم ، ويصنعون لي أبراجا من ذهب عندما يتكلمون ، و ينسجون من أجلي بساطا من ريح عليه أسافر إلى جنة الخلد الجميلة عندما يخاطبون ، أو لحظة يكتبون أو يُنظِّرُون أو يفكرون .
ولكن عندما أفيق من غفوتي ، و من لحظة تخديري ، و أنتبه إلى واقعي أجد نفسي فعلا أنا الأساس الذي عليه يرتكزون وعلى متنه يسافرون لتحقيق مآربهم ، ومطامحهم ، ويتركونني هناك جاثما بلا حراك ، وهل رأيتم أساسا يتحرك ، ويغادر المكان ، يتحمل كل الأثقال ، ومكتوب عليه أن يصبر لأنه أساس ، لا يمكن أبدا أن يكون قمة ، أو سقفا .
انبعاثي من غفوة تخديري كذلك كشفت لي ما كانوا يرددون ، فأنا الأرضية فعلا التي عليها يدوسون ، ومنها، و إلى سمائهم يعرجون ، يتخذون مني محطة للانطلاق والهبوط ، هذه وظيفتي في الحياة التي كلفوني قسرا أن أعيشها ، وهي الحياةُ التي أقنعوني أنها الأجملُ والأفضلُ ، لأنها حياةُ العطاء دون حدود ، وتحقيقٌ للواجب المقدّسِ الذي ينتظرني فيها .
وفعلا عشت حرا لا يقيدني شيء ، لأنني فارغ اليدين والجيوب والأرصدة ، لا أملك شيئا ، لا أخشى على حياتي الخطر ،ولا أبالي لأني لا أحتاجها ، ولا على مالي الضياع ، لأن لا مال لي ، ” واللّي ما عندوش ، ما ضاعلوش ” ، حرا من كل الالتزامات الحياتية ، زاهدا فيها ، وأرحت نفسي وعقلي وضميري لأني أدركت ، وأقنعت داخلي أن لا أمَلَ فيها لتحقيق شيء ، فلماذا التعب ، والعنت والمقاومة ، فاستراحَتْ وكفَّتْ عن المحاولة ، وأعطتْ لي حريتي مطلقة لا قيدَ يقف أمامها حاجزا . وعشت هانئ البال مرتاحا لا أفكر في أيِّ شيء لا استطيع تحقيقه ، واستطعت أن أجسد مقولة فلسفية من مقولات الحياة بثقة شامخة : ” انصوّر في القوت ونستنى في الموت “
وفعلا صنعوا لي ولأمثالي أبراجا من ريح في أقبية الكد والنكد ، والفقر والحاجة ، لا تغادر برجا من أبراج اليأس حتى يستقبلك الآخر فاغرا فاه ليبتلعك …
وفعلا صنعوا لي بساطا من كلام وأماني ، وأجبروني أن أسافر على متنه إلى جحيم الجنون والخبال ، وأن أكافح وأناضل من أجل أتفه الحقوق التي قد تتوفر بسهولة تامة لأي حيوان ، وربطوني بها وقالوا . : جوّع كلبك يتبعك ” …وقضيت كل حياتي جائعا وتابعا كذلك …
صفقت لهم في السلم والرفاهية ، وتورّمت كفاي وأنا أفعل …وصفقت لهم في أفراحهم أيضا حتى استهزأ مني صوت التصفيق و ملني إيقاع التطبيل ..
ودافعت عنهم في الحرب وكنت الدارئة التي تتحطم عليها كل المحاولات ، و واقيهم من الموت والأفول …لكنهم لم يضمدوا حتى جراحي …وعند الفوز والانتصار أخذوا المغانم والمكاسب والأنفال الكثيرة والوفيرة ، وأكرموني أنا بالاعتراف والشهادات الورقية التذكارية ….وفوق هذا هم الذين كتبوا التاريخ ، وأسقطوا اسمي منه .لأني سمعتهم يقولون : ” التاريخ يكتبه الأقوياء “
أنا المواطن البسيط غلام الكل وخادمهم ، أحقق أحلام الجميع ، ولا حلم لي إلا أن أعيش خادما كما يقولون .
الكل يطمح في الأعالي والقمم إلا أنا فمجهودي استنفذه هاهنا في السفوح ، حتى ولو طمحت نفسي في الصعود ،فخزان طاقتي لا يبلغني منتصف الطريق ..مستنفذٌ هنا ومحرَقٌ وقودي …
الكل سيتشبث بتلابيبي البالية لإبقائي في السفح الذي يظنون أنه سيكون لا يطاق بدوني ، إن فكر داخلي سرا يريد المغادرة والمغامرة ، والكل يبكون وينتحبون وينعقون ويجاهرون من لنا بدونك سندا وأساسا ومتكأ يبلغنا أشواق الحياة ومراميها أيها الغلام الخدوم ، جعلك الله ذخرا للجميع فلماذا تريد تغيير مشيئة الله …. !!!
إن حيائي الذي تعلمته في محيط السفوح ، و نشأت على مبادئه وأخلاقه ، يجثم على صدري كالجبال ، ويحتم علي أن لا ارفض طلبا لأحد ، ولا أرد أحدا خائبا ابد ، حتى ولو اتخذ منكبي للفرار وبقيت أنا ، أو اتخذه كمنطلق للنهب والابتزاز والظلم ، والجور ، وابتزني وظلمني أخيرا وهرب …
أخلاق تربيت عليها في محيط القطيع يصعب عليّ تغييرها والثورة عليها بين عشية وضحاها …. خجلي يقودني إلى أن لا أرفض …لا أخون مبادئي التي تربت عليها وعلى الخدمة والمبالغة المفرطة في القيام بالواجبات ….ولا أنتظر الحقوق .
ولكن …
وأنتم تدرون ما ذا تعني ولكن …
هي الاستدراك الذي قد يغير المسار ، ويصحح الرؤى التي أسرته في أول الطريق ، ويصنع نافذةً لانتشار الضياء في محيط الظلام الدامس والسكون ..
حتى ولو انتهيتُ بالذي بدأتُ به حياتي أنا المواطنُ الغلامُ الخادم المطيع .. ،همًّا و أَلمًا وحُزنًا و أن أموت مرميا على هامش الحياة مُهملاً .
وأن يُعجّل بفنائي هذا ” الواجب الآسر المستعبد ” الذي تفانيت في تقديسه وعشتُ حياتي أقدم له القرابين، لإسعاد الذين يرقصون ويمرحون ، ويشربون أنخاب انتصاراتهم فوق جثتي المتهالكة الضعيفة المسكينة ..
سأهيئ أبنائي وأحفادي على غير الذي عشته أنا وأقول لهم :
لا تظلموا …لا تحتقروا أحدا …لا تخدعوا …قوموا بواجباتكم أحسن القيام ،
ولكن ..
لا تتركوا حقوقكم تضيع ،و لا تعينوا أحدا على وأدها ، حتى ولو كلفكم إصراركم عليها حياتكم وما تملكون … ولا لحرياتكم أن تُحدّ ….ولا لأنفتكم وقيمتكم في الحياة أن تداس …
لا تتركوا هامشا بسيطا للظلم يمارسه الآخر في حقكم ، وعلى ذواتكم أو أنفسكم أو أرواحكم ….
لا تسمحوا لقشّة الذل ، والتواكل ، أن تعشش في واقعكم ، وبين حنايا أحلامكم فتمحقكم بوبائها القاتل ،
لا تفرطوا في جذوة العلم والبحث والاستقصاء ولا تهملوا روح الإرادة المتقدة والعزيمة الجامحة داخل أنفسكم .واحموها من الخمول والخمود والانطفاء .
وتأكدوا جيدا :
أنّ البذرة الواحدة ، قد تكون ضعيفةً ، ووحيدة …ومرمية في الطرقات وفي الخلاء ، يدوسها البشر والطير والدواب ، لكنها قد تُورّثُ الحياةَ حتما لسبعِ سنابلَ ، “فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ “

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق