الموقع

استخلاصات الانتخابات التونسية

بقلم علي بدوان

أطلقت الثورة التونسية روح التغيير في العالم العربي، وأشعلت الحراكات الشعبية العارمة التي امتدت إلى أكثر من قطر عربي، فيما لاتزال تفاعلاتها تعتمل داخل تونس، حيث جاءت الانتخابات الأخيرة للمجلس الوطني التأسيسي وبنتائجها المعلنة لتشكل نقطة انعطاف نوعية في مسار الثورة التونسية. وبالطبع، فان الحديث عن الانجاز الهام في تونس والمتمثل بالانتخابات النزيهة التي جرت للمجلس الوطني التأسيسي، لايعني بأننا نوافق الرأي السائد الذي خلط بين الأمور في بلادنا، بين (ربيع حقيقي) تتصدره حركة الناس، وبين محاولات خارجية دؤوبة لدس اليد في هذا البلد العربي أو ذاك، وهو ماخرب على الناس وعلى حركة الشارع ومس شعاراتها المحقة ونبلها وسعيها الحقيقي للتغيير، حتى بات مصطلح (الربيع العربي) مصطلحاً فضفاضاً، يطلق على عواهنة دون تدقيق وتمحيص ملموس.

فالربيع العربي المطلوب والمنشود، ليس ربيع الحروب الأهلية والتطاحن الذاتي والاقتتال وسيادة الانقسام وسفك الدماء وتشكيل المجموعات المسلحة، بل هو بالضبط ربيع الناس التي خرجت للشوارع دون سلاح تبحث عن العدالة والحرية، وتتوق للتغيير بعد سنوات طويلة من القبضة الفولاذية التي كتمت أنفاس الناس والعباد.

ولعل في دروس المحنة الليبية خير مثال على ذلك، فقد دمر هذا البلد العربي واستبيح من قبل قوات الناتو، تحت شعارات (الربيع العربي)، التي ارتكبت باسمها الجرائم والتصفيات التي مافتئت تتواصل إلى الآن في مشهد يعيد إلينا صورة العراق العربي الجريح الذي مزقته قوات الغزو الأنكلوساكسوني. فعن أي ربيع نتحدث هنا في ليبيا، وهل يكون الربيع العربي بالحروب الضروس الداخلية التي أكلت الأخضر قبل اليابس أم بالحراكات الشعبية الديمقراطية السلمية التي تستطيع وحدها فتح دروب التغيير الحقيقي. فلا جديد تحت الشمس في ليبيا، والربيع العربي يستحيل في ليبيا الى سايكس ـ بيكو جديدة …!

لقد جاءت قوات الناتو إلى ليبيا ليس من أجل الفقراء والغلابى والمساكين (فهي ليست جمعية خيرية) أو من أجل حماية المدنيين (كما تدعي) أو حتى من أجل تصدير الديمقراطية لليبيا، إنما جاءت وشهيتها تندلق من أجل بالوعة النفط والغاز، ومن أجل تصفية حسابات مع نظام القذافي البائد سواء اتفقنا معه أم اختلفنا (ونحن لسنا في موقع الدفاع عن نظام القذافي).
ومن هنا فان فاتورة الحرب من طلقة البندقية الى الصاروخ الى مرتبات العسكر على السفن والبوارج الغربية، وفاتورة إعادة الاعمار ستدفع بالكامل (ودون نقصان حتى سنت واحد) للغرب الأوربي والولايات المتحدة من ثروات الشعب الليبي، وهو ماسيرهن ليبيا واقتصادها وخيراتها لسنوات طويلة تحت رحمة الغرب والولايات المتحدة.

لقد كانت الثورة التونسية وهروب الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي ثورة حقيقية، أعطت نتائجها عبر الحراك اليومي للناس في شوارع تونس وعلى امتداد الأرض التونسية، وكذا الحال بالنسبة لما جرى في مصر بالرغم من كل المحاولات الخارجية الجارية لوأد أي تحول أو تطور جديد في مصر لصالح الثورة والشعب المصري، نظراً لموقع مصر في الخريطة الجيوستراتيجية في المنطقة، خصوصاً بالنسبة للصراع مع العدو “الإسرائيلي”.

من هنا، إن الانتخابات التونسية الأخيرة، كانت نتاجاً صافياً لحركة الناس في الشارع الذين هبوا من أجل العدالة والحرية والمساواة، ومن أجل إسقاط الطغمة الديكتاتورية التي حكمت تونس بطوق من الحديد والفولاذ بالرغم من تلحف نظام بن علي البائد بشعارات التغريب والانفتاح.
وفي العودة للانتخابات التونسية، فقد شكّلت نقلة نوعية لجهة النزاهة العالية التي اصطبغت بها، ولجهة المشاركة الشعبية الواسعة والمتميزة، إضافة لنتائجها المذهلة، والتي اكتسح فيها حزب حركة النهضة الإسلامية (المحظور سابقاً) الساحة السياسية التونسية محققاً حضوره المتميز عبر فوزه بتسعين مقعداً، تعادل مانسبته (41,47%) من مقاعد المجلس الوطني التأسيسي، الذي سيتولى صياغة دستور جديد لتونس تجري على أساسه في وقت لاحق انتخابات رئاسية وتشريعية شاملة كما هو مقرر.

وعليه فان الفوز الكاسح لحزب حركة النهضة الإسلامية المعروف عنه بوسطيته واعتداله وحكمة واقتدار مؤسسه الشيخ راشد الغنوشي، ولحزب المؤتمر من أجل الجمهورية بقيادة المنصف المرزوقي، عنواناً بارزاً في تقييم الانتخابات التونسية، التي ترافقت نتائجها مع انحسار وتراجع حضور الحزب الديمقراطي التقدّمي، الذي كانت عمليات استطلاع الرأي تضعه في المرتبة الثانية بعد حزب حركة النهضة، إلا أن مكانته قد اهتزّت بشكل ملحوظ.
من هنا، كان أيضاً التراجع المريع لحركات اليسار التونسي، وبالأخص أحزاب أقصى اليسار، التي وجدت نفسها أقلية ضئيلة جداً داخل المجلس الـتأسيسي المنتخب بعضوية لاتتعدى ثلاثة أعضاء من اصل (217) عضواً هم أعضاء المجلس الوطني التأسيسي.

أخيراً، إن دروس الانتخابات التونسية الأخيرة، تشكل مقياساً أولياً، لمعرفة اتجاهات وتطورات الأمور المتوقعة في بلد عربي كتونس، ولقياس مدى تعطش الناس للحرية والديمقراطية التي حرموا منها، وقد حارب النظام السابق جميع القوى وخاصة الإسلاميين، ومنهم حزب حركة النهضة، فبادر الناس لإعطاء هذا الحزب أو الحركة وغيرهما من القوى أصواتهم بكثافة كتعبير منهم على إدانتهم لعمليات الإقصاء التي مارسها النظام السابق ضد هذه القوى.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق