ثقافة النثر والقصيد

هِيَ بَوْحُ عاشِقٍ

ابراهيم مالك*

 1ـ
أيـَّتـُهـا الـمـَرْأةُ
الأجـْمـَل
أيـَّتـُهـا الـمـَرْأة الأجـْمـَلُ مـِنْ كـُلِّ مـا نـَحْسَبـُهُ جـَمـيـلا !
بـَعـْد طـويلِ تـجـْرِبـَةِ حـيـاة
سـأعـْتـَرِفُ فـي حـَضـْرَتـِك وبـيـن يـَدَيـْكِ
أنَّ أجـْمـل مـا فـيـك لـيـْسَ هـُوَ هـذا الـجـَسـَد !

أخـْفـيـتـِنـي زَمـانـًا فـي رَحـْمـِكِ
حـَتـّى اكـْتـَسـَبـْتُ حَـيـاةً
فـَصـِرْتُ سـَيـِّدَ ذاتـي لأعـود ،
راضـِيـًا ، عـَبـْدَ ذاتـك !

وَكـَمْ أبـْهـَجـَنـي كـَسـَرانُ غـَفـْوة
بـَيـْن يـَدَيـْكِ الـحـانـِيـَتـَيـْنِ عـَلـَيَّ كـَأم ،
لأروح بـعـْدَهـا أصـْغـي لـِبـَوْح نـَبـْضِ قـَلـْبـِكِ
الأشـْبـهَ بـِمـوسـيـقـى تـَكـَسـُّرٍ خـَفيف
لـِمـَوْج يـُنـغـْنـِغـُهُ صـَخـْرٌ مـُغـْتـَسـِلٌ بـِرَذاذِ بـَحـْر .

أيـَّتـُهـا الـمـَرْأة الـجـَمـيـلـَة الـسـَّمـْراء
شـَديـدَة الـشـَّبـَهِ بـِذرَّاتِ تـُرابِ بـِلادي
رَقـيـقـَةُ الـعـودِ كـَقـَضـيـبِ رُمـّان
عـَبـِقـَةٌ كـَخـُبـْز ” طابون “
دافـِئـَة الأحـاسـيـس كـَخـُبـْزِ ” مـوقـَدَة ” سـاعـَةَ الفـُطـور
نـُحـاسـيـًّةُ الـبـَشـَرَةِ كـَرمـْل عـَكـّا الـعـاشـِق .

أيـَّتـُهـا الـمـَرأةُ ،
فـارِعـَةُ الـطـول كـَابـْهـا نـَخـْلـَة !

أيـَّتـُهـا الأشـْبـَهَ ، لـَحـْظـَةَ تـَبـْتـَسـِمُ ،
بـوَمـْضِ نـُجـومٍ وَلـَحـْظـَة تـَضـْحـَك ،
أسـْمـَع صـَوْتَ مـَطـرٍ يـَهـْطـِلُ .

أيـَّتـُهـا الـسـَّخـِيـَّةُ كـأسـْخـى مـا تـكـون كـُروم ،
لـَحـْظـَةَ يـَحـيـنُ أوان رَبـيـع
الـْحـَيـَيـَّةُ كـأجـْمـَلَ مـا يـكـونُ حـَيـاء
وَالـمـُشـِعـَّةُ جَـلالًا كـطـلـَّةِ قـَمـَرٍ لـَحـْظـَةَ الاكـْتـِمـال .

أيـَّتـُهـا الـمـَرْأة الإنـْسـانـة
يـا صديقة طـُفـولـَتـي مـُنـْذُ أزلٍ بـاتَ أمـَدًا راحَ يـَطـول
كـمْ أحـِبُّ فـيـك نـفـْسـِيَ الـعـاشـِقـَةَ الـمـَعـْشـوقـَة
لا لـِشـيء ، إلا لأنـَّكِ نـِصـْفـِي الأبـْهـى
وَكـَم أحـِبُّ أن أبـْقـى نـِصـْفـَكِ الآخـّر !
ـ 2 ـ
أيتها المرأة التي تُجلُّها نفسي
أيَّتها المَرأةُ التي تُجلُّها نفسي
لَطالما بَهَرَني جَمالكِ المَوْسوم ببساطةٍ عادِيَّة
حتى كِدْتُ أندَهُ مِنَ انبِهاري صائِحًا
إنّي مُصابٌ بنِعْمَةِ جُنونٍ عاشِق .

لحْظة أكونُ في حضرَتِك مَأخوذا بجمالِكِ
أروحُ أوَزِّعُ ناظِرَيَّ بينَ يَديْكِ شديدَتيِّ الخشونة
لِكَثرَةِ ما صارَعَتا وُحولَةَ الطّين
بحثًا عن كِسْرَةِ خُبْز معجونةٍ بعَرَقِ جَبين
وَبَيْنَ عَينيْكِ المُتعَبَتيْن
لكثرَةِ ما أجهِدَتا بَحْثًا عَن بارِقةِ أمَل في غدٍ آخر .

أيّتُها المَرْأة التي تجلها نفسي
لطالما بَهَرَني جَمالُكِ
الموسوم ببساطةٍ عادِيَّة
هذا النأيْتِ به عن أصباغ الزيفِ الخادِعة
المَسْروقة مِنَ الباحَةِ الخلفِيّة للإله قزح .

أيّتها المَرْاةُ التي تُجلها نفسي
لَطالَما بهرني جَمالكِ الآسِر
تُذكّرُني خشونة أصابعِكِ بالطُّرُقاتِ المُترَبَة
لِمَعْشوقتي ” سمخ “
وقد سَطا عَليْها في ليْلةِ ” عِتِم “
مَلأحٌ مَلأ البحارَ رُعْبا
وَقدْ أتاها يبْحَثُ عن أصفَرَ زائف

أيّتها المَرْأةُ التي تُجلُّها نفسي
لَطالما أحببتُ فيكِ
طيبَة الجديان السُّودْ وَهْيَ تقفِزُ فرَحًا
بين الصُّخور
وقد اغتسلتْ برَذاذِ قطراتِ مَطر .

ها أنا ذا آتيكِ مَبْهورًا
أحْمِلُ إليْكِ في وَلَهِ العاشق
ما لَمْلَمْتُ مِنْ نَبْتةِ الزّوفةِ الوَعْرِيّة
لِتسْتحِمّي بذوْبها المُنعِش
كيما تعود إلى أصابعَ يَدَيْكِ
رِقّةُ عودِ الرّمّانِ في ربيعٍ سَيأتي لا مَحالة .

الإنسانة الرائعة
رَأيتها أوَّلَ مَرَّةٍ قبلَ سِنين
في زَمَنٍ ارْتحَلَ وأفلِت سَريعًا
وَعَلى دون وَعْي
مِنْ بيْن أصابعي .

رَايْتُها
كانتْ حافية القدَمَيْن
تقفِزُ باسِمَةً بَيْنَ أترابها
ذواتِها الأخر
تمارِسُ لُعْبةَ “الإكْسِ المُحَبَّبة ” .

وكانت تتقافزُ جَديلةٌ سَوْداءُ
عَلى كتفيْها الفاتِنتيْن
وَدَدْتُ لَوْ أنَّها حَبْلُ مِشنقتي
لِنَنْشنِقَ بها مَعًا
فنُدْرِكَ مّذاقَ الوِلادَةِ مِنْ جَديد .

لا أزالُ أذكرُها جَيِّدًا
كانت سَمْراءَ
عادِيَّةَ قسَماتِ الوَجْه
لا يُشوِّهُهُ طينٌ مُخادِع
وفي عَيْنيْها كانَ يُشِعُّ بريقٌ حَيِي .

لا أزالُ أذكُرُ
يَوْمَها فتنتني
حينَ راحَتْ تدْفعُ حَجَرَ اللُعْبَة
بقدَمِها الحافِيَة
مُتجاوِزَةً خطوطَ مُرَبَّعاتٍ وهمية
وَمُندَفِعَةً أمامًا .
ـ 4 ـ
شكوى مَحارَة
أصْغيتُ في غفوتي النهاريِّة الناعِسَة
إلى مَحارةٍ سَمْراءَ تبُثُّ شكواها
فغمَرَني بالفرَح الًحزين حَرُّ شكوى .
أسَرَّتْ لي:
أشعُرُ أنَّ نورَ الحَياة يتسلَّلُ سرًّا الى جَسَدي
المُخبَّأ في صَدَفةٍ ، أتلمَّسُ حَرارَتهُ ولا أراه .
قالتْ :
ألقتني أمي، من وهبتني الحياة لأصيرَ أمًّا ،
إلى جَوْفِ يَمٍّ يتدافعُني مَوْجُهُ الصّاخِبُ
فلا تأتيني قيلولةُ عاشِقةٍ مُنذُ ألفِ عامٍ أو يَزيد .
وَقد وَشوَشتني أمِّي قبَيْلَ رَحيلِها
مالِئَةً نفسي بالسَّلْوى الحالِمّة
“لنْ يَفكَّ أسْري إلاّ مَنْ أحِبُّ ويُحِبُّني”
فكُنْهُ يا ابنَ أمّي !.
ـ 5 ـ
المرأة التي أحب

ـ المرأة التي أحبُّ
أحِبُّ فيها وَهَجَا يُشعِلُ عقلي وَمْضُهُ
وكمْ أحِب
لو أنَّ بوحَ عشقنِا يَشحَنُ عقلي نبْضُهُ

ـ المرأةُ التي أحِبُّ
مِشكاةُ نورِ نِصْفِيَ المُضاء
وكمْ أحِب
لو أنَّ عَتْمتي ببَعْضِ نورِها تُضاء !!

*ابراهيم مالك كاتب وشاعر فلسطيني جزائري الأصول

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق