ثقافة المقال

القراءة غذاء العقل وأصل الإبداع

أسعد العزوني

“إقرأ”هي أول كلمة نزلت من الله جل في علاه من فوق سبع سموات طباقا ،بواسطة الأمين جبريل،على نبي الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم،وتأتي أهمية هذه الكلمة ،من كونها ذات قيمة لا تقدر،لأنها أساس المعرفة والعلوم ،كما أنها تكتسب أهمية زائدة من الثلاثي العظيم الذي يرتبط بها أو هي التي ترتبط به .
كما قلت آنفا فإن هذه الكلمة نزلت من الله العلي القدير،العالم بالخبايا وما تخفي النفوس ،ولذلك فإن القراءة تقضي على الجهل وتزرع المعرفة بدلا منه ،كما انها تحل النور في النفس البشرية وتقضي على الظلام.
ولأن جبريل الأمين هو الذي إختاره الله ليكون واسطته مع نبي الله محمد ،فقد كلفه بحملها والنزول بها إلى الأرض وإبلاغها للنبي ،بقوله :إقرأ !فرد عليه :ما أنا بقاريء ! فقال له جبريل:”إقرا بإسم ربك الذي خلق ،خلق الإنسان من علق”،وهذا يعني أن أول باب في القراءة فتحه الله على المسلمين هو معرفة الله وقدرته وكينونته ،وطلب منه أن يعرف كيف تمت قصة الخلق ،وكانت القراءة هي الأسلوب الذي إختاره الله لنا لإكتساب المعرفة.
ويأتي الشق الثالث في القراءة وهو انها نزلت على النبي محمد صلى الله عليه وسلم ،وكان أميّا لا يقرأ ولا يكتب،بمعنى أن القراءة هي الخطوة الأولى في إكتساب المعرفة ،وإكسابها أيضا ،كون النبي صلى الله عليه وسلم إختاره الله لإبلاغ الرسالة ليس إلى أهله وقومه فقط بل للناس كافة ،وهذا يعني أن من سيبلغ الرسالة من بعد محمد الذي قضى الله عليه بالموت شأنه شأن أي مخلوق،يجب أن يكون قارئا ،أي أن يكون متعلما وفاهما ،ولذلك فقد إنتعشت الترجمة في عهد الإسلام .
بعد هذه المقدمة الطويلة التي لا بد منها ،لا بد من التوضيح أن القراءة هي غذاء العقل ،كما هي الموسيقى غذاء الروح ،والحب الحقيقي غذاء القلب،لأننا بالقراءة نستكشف تجارب الآخرين بغض النظر عن هوياتهم ،فها نحن نعيش في هذا العالم مترامي الأطراف وكأننا نعيش في قرية صغيرة ،وأنا هنا لا أعني القراءة فقط باللغة العربية ،بل بأي لغة متاحة .
نستطيع حاليا وبكبسة زر إستكشاف أحوال البعيد،ولكننا في حال عدم معرفتنا بلغات الآخر لن نستطيع الوصول إلى المبتغى،وبالتالي سنبقى ندور حول أنفسنا مثل ثور الساقية،فالعالم أيضا غني بالتجارب لأن شعوبه لديها ما تقوله ،ومرت في ظروف وأحوال متغيرة ،وفي حال قرأنا تجاربهم ،فإننا سنستفيد وسنقصر المدة أمامنا للتطور ،لأن الكيّس من إتعظ بغيره ،أما من حاول الإتعاظ بنفسه أي أن يدفع ثمن تجربته من جيبه ،فسيخسر كثيرا.
أتوجه للمبدعين الشباب ألا يستعجلوا بالكتابة والنشر ،وعليهم تعميق الأساس والوصول إلى الصخر”الأساس” ،وفي هذه الحالة ،لن نصل إلى الصخر إلا بالمعرفة ،ولن نكتسب المعرفة إلا بالقراءة ،وفي حال إستعجلنا الكتابة والنشر ،فإننا سنكون مثل مستثمري الإسكان هذه الأيام ،تعجز بنايتهم عن مواجهة سيل في طور التشكيل،بينما نجد بنايات الأنباط الصخرية في الأردن ،ما تزال صامدة حتى اليوم ،وتحكي تاريخهم وحضارتهم وإنجازهم.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق