ثقافة المقال

الحراك الشعبي الجزائري: الربيع السلمي والتحول السياسي.

-موقف تاريخي مشرف لجمعية العلماء-

د. وليد بوعديلة

لقد أدهش الجزائريون العالم بسلمية حراكهم وتحضره، وبرز فيه تأثير الإعلام الجديد، فزماننا هو زمان شبكات التواصل الاجتماعي و تكنولوجيات الاتصال، ولها التأثير الشعبي الكبير، وهو تأثير يتجاوز كل وقفات يمكن تفسيرها بالعقل والتفكير، فظهر مفهوم “القوة الناعمة” الذي يعني ما تملكه وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من أدوات الإعلام الجديد من سلطة وقوة للتغير والتحول، فهي تعتبر من آليات التفاعل بين الأفراد والمجتمعات، وقد حضرت-مؤخرا- قوة شبكات التواصل في النهوض الجزائري للتغيير، كما برزت جمعية العلماء المسلمين بوقوفها إلى جانب الشعب في أفراحه وأحزانه، كما كان شأنها في الماضي البعيد والقريب..

الإعلام الجديد وصوت الوطنية الجزائرية:
كتب منذ سنوات المفكر العربي علي حرب كتاب “ثورات القوة الناعمة في العالم العربي، نحو تفكيك الديكتاتوريات والأصوليات” (الدار العربية للعلوم ومنشورات الاختلاف- 2011م)، متوقفا عند التأثير الكبير لوسائل التواصل الاجتماعي على الحراك الشعبي والتحول السياسي وهو ما استفاد منه الشباب الجزائري الثائر ضد ممارسات الاستبداد والفساد، وسطوة المال الفاسد على المشهد السياسي والاجتماعي.
انطلق المفكر علي حرب من فكرة هامة حول الربيع العربي، وهي أن الانتفاضات الراهنة هي ثمرة فتوحات العولمة، لأنها قد غيرت نظرة الإنسان لنفسه، وبدلت موقعه في العالم، كما غيرت علاقته بالوجود وقضايا الهوية والمعرفة والحرية والسلطة؛ ومن هنا كانت الأجيال العربية الشابة اليوم مخالفة في وعيها وحراكها للأجيال التي سبقتها، بمختلف مشاربها الفكرية، ومستفيدة من القوة الناعمة والفائقة للثورة الرقمية والتقنية، وبفضل الميادين والمنظمات الافتراضية للتواصل والتجمع ترجم الشباب مواقفه في أرض الواقع.

د. وليد بوعديلة

كما جاءت الثورات لتجاوز النموذج النخبوي الفاشل، والنموذج البيروقراطي العاجز والنموذج الجهادي القاتل (الحركات الأصولية)، فكلها نماذج للفشل وفقدان المصداقية من منظور علي حرب، وللتخلص منها ستكون الآفاق المستقبلية لرهانات عربية جديدة تخلع عباءة الأيديولوجيات المقدسة، وتكسر عقلية النخبة والبيروقراطية والتخلي عن العنف والإرهاب لتغيير الأوضاع، وبدلها استعمال الوسائل السلمية المدنية التواصلية.
وعندما نسجل قراءة في شعارات مسيرات و وقفات الحركات الشعبية الجزائرية سنجد الحرص على احترام الدستور وإرادة الشعب، والتأكيد على الدفاع عن الهوية وإبعاد المسؤولين على المنظومة التربوية التي حاصرت مواد الهوية وأرجعتها للخلف في مختلف المستويات التعليمية، كما نجد شعرات الدعوة لعدم التدخل الأجنبي في الشأن الداخلي و التنبيه لأهمية السماع لصوت الشعب فبل صوت الدول شرقا وغربا،
.
جمعية العلماء.. الموقف المشرف:

وقد صنع الشارع الجزائري ثورته بطريقته الخاصة، فلم يكن ربيعه مثل ربيع الدول العربية، بل كان سلميان يبغي الانتقال الديموقراطي والتحول السياسي، بشعار الأخوة بين الشعب وجيشه، لدفع الرئيس المريض للانسحاب وعدم الترشح، تكريما لتاريخه النضالي،وفتحا لجمهورية جديدة، تحقق ما عجزت عن كل السياسات السابقة.
لسمح لي أبناء ورجال جمعية العلماء المسلمين أن أقف موقف الشكر و الثناء على الموقف المشرف والايجابي للجمعية من الحراك الشعبي الجزائري منذ بداياته، عندما كانت الكثير من الجمعيات والشخصيات الوطنية ملتزمة الصمت ، او مطبلة للنظام أو مترقبة للحظة إعلان الولاء للنظام المتهالك الفاسد، فقد كان بإمكان جمعية العلماء أن تعلن مساندتها للعهدة الخامسة ووقوفها إلى جانب استمرارية الرئيس المريض ونظامه المستبد ، لأن الجمعية وصحفها ومدارسها تعاني الكثير من التضييق والحاجة للمال لكي تنشط وتتحرك وتحقق أهدافها، لكن الرؤية الاستشرافية للأمور ونزاهة الأخلاق وقوة الفكر ، مع الاستفادة من تجارب التاريخ، قد ساهمت في جعل الجمعية تعلن بيانها التاريخي المساند لأصوات التغيير والانتقال الديمقراطي.
و كذلك كان شانها بعد إعلان عدم ترشح الرئيس وتوقيف المسار الانتخابي، فقد جاءت القراءة واعية عند رجال جمعية العلماء، فاعلوا أن ما أقدمت عليه السلطات من إجراءات( تغير حكومي، تأجيل الانتخابات، إلغاء العهدة،…) هو جزء من المطالب الشعبية، وهو مفتقد للجانب القانوني الذي ينص عليه الدستور، لتعلن من جديد مساندها للحار كالشعبي وعدم تفكيرها إطلاقا في التطبيل للنظام المتجدد، لتؤكد في بيانها أن رسالة الشعب الجزائري المسلم كانت واضحة، وهي إحداث التغيير البناء الذي يعيد للوطن ثوابته ومقوماتهن وللدولة سيادتها ووحدتها وأمنها وأمانتها.
إن مواقف الشجاعة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين في أيام الحراك الشعبي هي استمرار لكثير من المواقف التاريخية الشجاعة و الحضارية التي تبنتها الجمعية، منذ زمن الشيخ عبد الحميد ابن باديس، وصولا للشيخ عبد الرزاق قسوم، فكانت صوت الإصلاح الأخلاقي والاجتماعي والتربوي في بداياتها، في ظل الاستعمار ومحاولاته طمس الشخصية الثقافية و الدينية الجزائرية، وسانت الثورة التحررية بالموقف والرجال والشهداء ،منذ الزمن النوفمبري 1954، و لا داعي لتجديد الحديث عن صمودها دفاعا عن المرجعية الوطنية و الدينية بعد الاستقلال في مجابهة البرامج والمشاريع المتعددة في المنظومة التربية ومحاولات النظام ووزرائه احتقار هوية الشعب و الدوس عليها.

سيسجل التاريخ هذا الموقف المشرف والوطني للجمعية، وسيجدد الشعب احتضانها، وسيعيد لها الإشعاع و الدعم، بعد أن يكنس من خان عهد الشهداء، وداس على أفكار وبرامج ابن باديس، وقد قرأنا -في المسيرات- كثيرا من الشعارات التي تمجد ابن باديس و تتغنى بالشهداء، ويعدهم الشباب بالدفاع عن الأرض والهوية بعيدا عن سلطة فاسدة مستبدة، وستعود جمعية العلماء لمرتبتها المحترمة اللازمة في القلوب وفي الميدان، وسيكون-مستقبلا- لها المقر الوطني الشامخ، وسيزداد توزيع جريدة البصائر، وستتسع مدارس الجمعية وتتقوى آليات دفاعها عن جزائر الإسلام و الشهداء.من خزينة مال دولة العدالة و القانون و صوت الشعب….
صورة من مسيرة بعزابة،سكيكدة

صدى الحراك..” انسحبوا”:

إذن، تشهد الجزائر منذ أسابيع مسيرات كثيرة مطالبة بعدم ترشح الرئيس لعهدة خامسة، وبرحيل السلطة الفاسدة وزمرها ووجوها،وقد اشتركت فيها مختلف فئات المجتمع، لتعبر عن صوت الشارع الجزائري الكاره للمشهد السياسي المتعفن، والمحاصر بالفساد السياسي المتحالف مع الفساد المالي،ونحن نساند كل الأفكار والمبادرات التي تسعى لحماية هذا الحراك السلمي البناء، ليصل إلى غاياته الكبرى، لذلك نؤكد على ما يلي:
-ضرورة حضور العقلانية في الطرح إلى جانب الثورية في التحرك.
– لا أساند مقترحات ضرورة وجود ممثلين للحراك، لأن في ذلك حصار للحراك وخنق له في ركن محدد، قد يساعد زمر السلطة على الالتفاف حول شرعية الشارع وقوة تأثيره، لكن إن تطلب الأمر وجود ممثلين فيجب أن يجمعوا بين الأداء الثوري الجريء والقدرة على الإقناع والخبرة السياسية و المجتمعية والنزاهة المالية و الأخلاقية…(يمكن لجمعية العلماء المسلمين أن تقدم الكثير من إطاراتها ليكونوا صوت المجتمع الجزائري كما كانوا دائما عبر التاريخ)
-نحذر من ترويض الحراك وإجهاضه بمقترحات سلطوية ظاهرها يغري وباطنها يؤذي، أو بمواقف سياسيوية حزبية مشبوهة تحيل على صفقات تحت الطاولة.
– يجب الحفاظ على الشعار”سلمية..سلمية”، ويكون حاضرا في القاعة التي تنظم بها الندوة الوطنية، ومع الابتعاد عن كل خطاب سياسي وإيديولوجي ضيق،
– إن الحرص الجماعي على تغيير جذري للسلطة المستبدة والفاسدة، لا يعني تهديم الدولة ومؤسساتها، فالتغيير الديموقراطي والسلمي يكون بالدرج.
وقبل أن تتضح معالم الموقف السلطوي مستقبلا، نجدد نداءات الحراك الشعبي السلمي البناء:
أيها القابعون على صدور الشعب انسحبوا من اجل ذاكرة الشهداء ومجدهم..
انسحبوا من تاريخنا ويومنا، واخرجوا من عيوننا وقلوبنا ومخيالنا..
لقد كرهنا حضوركم وكلامكم وصوتكم، انسحبوا من صحفنا وإعلامنا وكلامنا،…
لقد مات الموت ولم تموتوا ،وانصرف المستبدون من كتب التاريخ والجغرافيا وانتم مستمرون في استبدادكم،…
ولقد افتقر الفقر وانتم ما افتقرتم،،اخرجوا من ارض الشهداء،فأبناءهم الوطنيون وأحفادهم قادمون لكنسكم،…
يا من تتحدثون باسم الزعيم قد آن زمن خروجكم من عطر أرض الملحمة الثورية الخالدة،…..
لنا السلم والأمن والاستقرار،فاخرجوا،لنا أفراحنا وأحزاننا فاخرجوا،….
لقد مل الملل وانتحر وانتم ما مللتم،فانصرفوا من وطن همّش-في زمانكم- أفكار ابن باديس والابراهيمي ومالك بن نبي وحاصر أحلام الشهداء…
وانصرفوا من وطن خان-في زمانكم- نضالات زيغود يوسف ومصطفى بن بو العيد وديدوش مراد وغيرهم ،….
أيها النظام القابع على الجسد والروح منذ سنين قد آن لك أن تنسحب وترحل،بطريقة سلمية، وفاءا للشهداء والمجاهدين ، واحتراما لإرادة كل الشعب،بعيدا عن الطبالين والمداحين والآكلين في كل الموائد،؟؟
لأجل أطفالنا وشيوخنا،انسحبوا، و لأجل دموعنا وصراخنا ،انسحبوا، ولأجل أحزان امرأة فقدت ابنها في البحر قتيلا ،وهو يهرب من فسادكم وسرقاتكم ،انسحبوا،واستمعوا لصوت الحكمة والعقل، ولا تحرقوا الوطن،… و اللهم احظ هذا البلد وأهله

*د-وليد بوعديلة/ كاتب وأكاديمي جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق