قراءات ودراسات

التوقيعة الشعريَّة عند الشاعر عزالدين المناصرة

• –الدكتور محمد جمال صقر*

التوقيعة اسم مرة ،التوقيع الذي هو إيقاع شيء على شيء من أشياء دون شيء، وهذا من عجائب العربية؛ فعلى رغم دلالة صيغة التفعيل على تكثير الفعل، تدل على المراوحة بين الفعل وعدم الفعل، فكأن التكثير قد شمل مع الفعل عدم الفعل؛ فإذا هما كلاهما كأنهما فعلان، لا فعل وعدم فعل! من ذلك توقيع المطر أي إصابته بعض الأرض دون بعض، ومنه توقيع الدَّبَر (الحفاء) أي إصابته بعض الجلد دون بعض؛ فأما هذا فمنه أُخذ توقيع الكتاب أي إجابته بعبارة بليغة نافذة، تضاف إليه من آخره بلون غير لونه، وأما ذاك فمنه أخذ تنسيق الأصوات الموسيقية، أي المراوحة بين إطلاقها وحبسها.

ولعل الدكتور أحمد بسام ساعي حين سمى الشعر الحر شعر التوقيع، بكتابه “حركة الشعر الحديث في سورية من خلال أعلامه”، المنشور أول مرة عام 1398 … 1978، بدار المأمون الدمشقية- إنما نظر إلى معنى تنسيق الأصوات الموسيقية، من حيث يستبيح الشاعر فيه لنفسه أن يستحدث ما شاء من الأوضاع الصوتية العَروضية وغير العَروضية. ولكن الدكتور عز الدين المناصرة شاعر الفلسطيني الكبير، المتخرج عام 1968 في كلية دار العلوم من جامعة القاهرة، المشتغل بتوقيع الشعر منذ 1964 إلى اليوم، إنما نظر إلى معنى إجابة الكتاب بالعبارة البليغة النافذة المضافةبلون غير لونه، ولعله الذي نبه الدكتور أحمد بسام ساعي نفسه، إلى تسمية الشعر الحر- شعر التوقيع!

لقد ألقى الدكتور عز الدين المناصرة عام 1964 مجموعة من قصائده على الجمعية الأدبية المصرية -وكان أحد أعضائها- نصًّا سماه “توقيعات”، بعشر توقيعات مُرَقَّمة غير مُعَنْوَنة- ثم عام 1968 نشره بكتابه الشعري “يا عنب الخليل”، فإذا فيه نص ثانٍ سماه “توقيعات مرئية”، بتوقيعتين اثنتين مرقمتين ومعنونتين. ثم عام 1969 ضمَّن كتابه الشعري “الخروج من البحر الميت”، نصا ثالثا سماه كذلك “توقيعات”، بعشرين توقيعة مرقمة غير معنونة -وكتابه النثري “مذكرات البحر الميت: قصائد نثرية رعوية”، نصا رابعا سماه “لا تغازلوا الأشجار حتى نعود: توقيعات”، بتسع عشرة توقيعة مرقمة ومعنونة. ثم عام 1974 ضمَّن كتابه الشعري “قمر جرش كان حزينا”، نصين خامسًا سماه “توقيعات مجروحة إلى السيدة ميجنا”، بأربع عشرة توقيعة مرقمة غير معنونة- وسادسًا سماه “توقيعات في حفل التدشين”، بخمس توقيعات مرقمة غير معنونة. ثم عام 2000 ضمَّن كتابه الشعري “لا أثق بطائر الوقواق”، نصا سابعا سماه كذلك “توقيعات”، بعشرين توقيعة مرقمة ومعنونة. ثم عام 2013 اختار من ذلك كله كتابه “(توقيعات عز الدين المناصرة) هايكو ،وإبيجرامات شعرية مختارة”.

لقد شمل بكل نص من تلك النصوص السبعة، تسعين نُصَيْصًا مُرَقَّمًا، أي منصوصًا على تميزه من داخل نصه، بل عَنْوَنَ من هذه التسعين واحدًا وأربعين، مبالغة في تمييز بعضها من بعض، ثم لما دعته فاتن أنور منصور إلى تسميتها غير ما سمَّاها، قال مما نشرته بعنوان “عز الدين المناصرة… رائد شعر التوقيعات (شعر هايكو عربي) 1964″، بصحيفة رأي اليوم اللندنية، في 26/12/2017:

– “البداية كانت مع بداية نشوء منظمة التحرير الفلسطينية في القدس 1964. عام 1964 كان انطلاق الشعر الحقيقي لي ولمحمود درويش، ولغيرنا من شعراء فلسطين. إنّ الذي أثر فعليا في كتابتي للتوقيعات، هي (التوقيعات العباسية النثرية، وقصيدة البيت الواحد، والمقطعات الشعرية الجاهلية، والهايكو الياباني المترجم والإبيجرام، والسونيتات الإنجليزية والأقصودة ) ،… هذه كلها دفعتني لكتابة التوقيعات.

هل التّوقيعة هي الهايكو العربي؟

– نعم؛ سمّيتها أولا هايكو، ثم عدت وأسميتها توقيعة، لأن فن الهايكو الياباني هو أحد مصادري الشعرية الهايكو فرع من فروع التوقيعة الشعرية.

– نحن نسميها هايكو أستاذ وهناك نادي الهايكو العربي!

– لماذا لا تسمّونه توقيعة، توقيعات؟ وهو فن نثري ظهر بالعصر العباسي يقوم على الاختصار والتكثيف. أنا لست ضد إدخال كلمة هايكو أبدا؛ إنما أخشى على اللغة من التبريد ومحو الهوية وتقليد غيرنا. أنا مع الشّعر العربي. ليس كل شعر موزون شعرا، وهنا أشير كمثال الى ألفية ابن مالك (اللاشعر).

إذن التوقيعات كانت في سنة 1964؟

– نعم؛ وقد ألقيتُ تلك القصائد في القاهرة منذ عام 1964 حتى فبراير 1970. كنت عضوا في الجمعية الأدبية المصرية، والتي كان الدكتور عزالدين اسماعيل رئيسا لها. وبعيدا عن ذلك هي منشورة في مجلدي الأعمال الشّعرية في طبعاتها العشر”.

ثم تداول المشتغلون بظاهرة النص القصير قول المناصرة في تعريف التوقيعة -وقد أوردته فاتن أنور منصور في حوارها السابق نفسه-: (“قصيدة قصيرة جدا، من نوع جنس الحافة، تتناسب مع الاقتصاد والسرعة، وتتميز بالإيجاز والتركيز وكثافة التوتُّر. عَصَبُها المفارقة الساخرة، والإيحاء، والانزياح، والترميز. ولها ختامٌ مفتوح قاطع أو حاسم، مدهش، أي إنَّ لها قفلة تشبه النَّقْفَة المتقنة، ملائمة للحالة. تحكُمُها الوحدة العضوية؛ فهي متمركزة حول ذاتها، مستقلة. أو تكون مجتزأة يمكن اقتطاعها من بناء القصيدة الطويلة. وهي في شفافيتها وسرعتها تشبه ومضة البرق، لكنها ليست مائعة الحدود كالومضة. وتستخدم التوقيعة أحيانًا أساليب السرد. وكلُّ توقيعة هي قصيدة قصيرة جدا، لكن ليست كلُّ قصيدة قصيرة توقيعة”.)

لكأني بالدكتور عز الدين المناصرة الشاعر الناقد، يقول –وإن لم يقل-: ألست الذي استحدث لكم هذه التوقيعات؛ أولستم منذئذ تحطبون في حبلي وتنهجون نهجي صغارا وكبارا منكرين وعارفين؛ أفلست الأولى إذن بتعريف التوقيعة وتحديد حدودها؛ ألا قد فعلت؛ فاللهم اشهد!

للدكتور عز الدين المناصرة (تسعون توقيعة) في سبعة نصوص:

– أما نصه الأول “توقيعات” -وفيه عشر توقيعات- فقد كان من الشعر الحر، مُتدارَكيّ الوزن متعدّد القوافي، إلا توقيعته الأخيرة التي كانت من النثر، بخمس وخمسين كلمة، على ستة وثمانين سطرا.

– وأما نصه الثاني “توقيعات مرئية” –وفيه توقيعتان اثنتان- فقد كان من الشعر الحر، مُتدارَكيّ الوزن متعدّد القوافي، بثلاث وأربعين ومئة كلمة، على اثنين وثلاثين سطرا.

– وأما نصه الثالث “توقيعات” –وفيه عشرون توقيعة- فقد كان من الشعر الحر، متعدّد الأوزان والقوافي، بست وأربعين وأربعمئة كلمة، على ثمانية ومئة سطر.

– وأما نصه الرابع “لا تغازلوا الأشجار حتى نعود (توقيعات)” –وفيه تسع عشرة توقيعة- فقد كان من النثر، بأربع وثلاثمئة كلمة، على خمسة وتسعين ومئة سطر.

– وأما نصه الخامس “توقيعات مجروحة إلى السيدة ميجنا” –وفيه أربع عشرة توقيعة- فقد كان من الشعر الحر، متعدّد الأوزان والقوافي، بسبع وعشرين وأربعمئة كلمة، على اثنين وتسعين سطرا.

– وأما نصه السادس “توقيعات في حفل التدشين” –وفيه خمس توقيعات- فقد كان من الشعر الحر، متعدّد الأوزان والقوافي، باثنتين وأربعين ومئة كلمة، على واحد وثلاثين سطرا.

– وأما نصه السابع “توقيعات” –وفيه عشرون توقيعة- فقد كان من الشعر الحر، رمَليّ الوزن متعدّد القوافي، بأربع وسبعين وخمسمئة كلمة، على أربعة وثلاثين ومئة سطر.

تتخرج أوزان التوقيعات الشعرية –وهي إحدى وسبعون من التسعين، بنسبة 78.88%- بأبحر المتدارك والرمل اللذين انفرد أولهما بنصين اثنين وآخرهما بنص واحد، واشتركا هما والوافر والمتقارب والرجز في أربعة النصوص الباقية- كل ذلك بأربع وأربعين وثلاثة آلاف كلمة، متوسط ما في التوقيعة الواحدة منها 33.82، على ثمانية وسبعين وستمئة سطر، متوسط ما وزعت عليه التوقيعة الواحدة منها 7.53.

أقصر تلك التوقيعات كلهن هاتان التوقيعتان (الثانية والسادسة عشرة من نصه الثالث “توقيعات”):

(1) – “أَنْتَ أَمِيرْ
أَنَا أَمِيرْ

فَمَنْ تُرَى يَقُودُ هَذَا الْفَيْلَقَ الْكَبِيرْ”.

– (2) “رَحَلَ الْأَحْبَابُ بَقِيتُ هُنَا وَحْدِي

صِرْتُ يَتِيمًا كَالنَّخْلَةِ فِي الصَّحْرَاءْ”.

وأطولهن هذه التوقيعة (الثامنة من نصه الرابع “لا تغازلوا الأشجار حتى نعود (توقيعات)”:

– (3) “لَا تُغَازِلِ الْأَشْجَارَ حَتَّى أَعُودَ

أَصْفَرَ أَصْفَرَ كَالْغَيْرَةِ وَالْفِرَاقِ

هَكَذَا كَانَ وَجْهُهُ الْإِجَّاصِيُّ وَقْتَ الْمَسَاءِ

أَشْقَرَ أَشْقَرَ أَشْقَرَ كَتُنْبَاكٍ عَجَمِيٍّ

كَزَبِيبِ الْخَلِيلِ

يَا مَجْنُونَةَ الْقَلْبِ وَالشَّرَايِينِ.

– (4) لَا تُغَازِلْ سَمَاءَ الْجَلِيدِ
لَا تُغَازِلْ أَشْجَارًا مُثْمِرَةً مَسْمُومَةً

لَا تُغَازِلْ أَفْعَى الْمَاءِ الشَّقْرَاءَ

لَا تَجْدِلْ لَهَا ضَفِيرَةً مِنْ عَسَالِيجِ الْعِنَبِ

لَا بَأْسَ إِذَا غَازَلْتَ شَجَرَةَ الْحُمَّى

لَا بَأْسَ أَنْ تَشْرَبَ كَأْسَكَ حَتَّى النَّزْفِ

آخِرَ اللَّيْلِ سَتَقُولُ لِي

بَعْدَ الْمَطَرِ تَأْتِي الْعَصَافِيرُ يَا رَفِيقُ

مُبَلَّلَةَ الرِّيشِ لَيْسَ لَكَ سِوَى ارْتِعَاشِهَا

لَهُمُ الْبَحْرُ وَحِيتَانُ الْبَحْرِ

لَكَ زَبَدُ الْبَحْرِ الْأَبْيَضُ يَا هَذَا

لَهُمُ الثَّرَوَاتُ الْفِضِّيَّةُ

وَالْفِيلَّاتُ الْغَامِضَةُ السِّحْرِيَّةُ

لَكَ مُتْعَةُ الْخَدِيعَةِ وَالْفُرْجَةُ يَا هَذَا

لَكَ قَبْرٌ فِي الْمَنْفَى تَحْتَ الشَّجَرَةِ يَا هَذَا

حَقًّا إِنَّهُ زَمَنٌ أَسْوَدُ

يَا بِرْتُولْدْ بِرِشْتْ”.

وأوسطهن هذه التوقيعة (السادسة من نصه الخامس “توقيعات مجروحة إلى السيدة ميجنا”):

– (5) “أَزْرَعُ نَخْلًا فِي السَّاحَاتْ

يَا مِيجَنَا وْيَا مِيجَنَا دُومِي

أَتَمَنَّى أَنْ تَلْدَغَنِي أَفْعَى الْمَرْجَانْ

تَرْقُدَ تَحْتَ الْعُشْبِ الْأَصْفَرِ

تُنْهِيَ أَشْجَانِي وَهُمُومِي

حَتَّى لَا أَسْمَعَ عَنْكِ أَسِيرَةَ سِجْنِ الرُّومِي

أَوْ خَادِمَةً فِي قَصْرٍ أَوْ خَانْ”.

-(6) الأفعى لا ترحل إلاّ بالفأسْ

الأفعى لا ترحل بالموسيقا

الأفعى لا ترحل إلاّ أنْ قُطع الرأسْ.

-(7) سلاماً، آهِ يا أبتاهُ

إنْ تعبوا ، فلن أُتعبْ

وإنْ ذهبوا إلى أعدائهم خوفاً

فلن أذهبْ.

• – عزالدين المناصرة : مواليد (11-4-1946) بفلسطين . غادرها عام 1964 إلى القاهرة ،ولم يستطع العودة حتى اليوم . أصدر (11ديوانا شعريا ) . وأصدر كتاب (توقيعات عزالدين المناصرة ) . وترجم إلى أكثر من عشرين لغة أجنبية . هو (رائد فن التوقيعة الشعرية ، وفن الهايكو العربي منذ عام 1964 ) ، لكنه يرى أن الهايكو العربي ، هو أحد مكونات ( التوقيعة الشعرية ).

*(كلية دار العلوم ،جامعة القاهرة)

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق