حوارات عامة

الكاتبة اللبنانية مروة كريدية: الإبداع هو الحياة

حوار: إشراقة النور

مروة كريدية ليست “كاتبة” بالمعنى المألوف للكلمة، فالكتابة بالنسبة لها كسائر شؤون حياتها انعكاس للخبرة المُعبِّرة عن ينبوع حبّ كامن ينكشف إبداعًا بوصفه كمال التناغم اللامتناهي بين مكونات الوجود، والابداع عندها ليس حكرًا على أحدٍ أو على فنّ بعينه بل هو الوجود نفسه، وتؤكد أنَّ الحرية تكمن في الانعتاق من الرغبة الدائمة بالتملك، وترى أنّ ممارسات الكائن الانساني لا تنفصل عن بعضها، وأن جوهر الممارسة الروحية لا ينفصل عن الاعمال اليومية بما فيها السياسة والاجتماع…

ما هو آخر كتاب قمت بقراءته؟

كتاب “التأمل Meditations” للمؤلف جدو كريشنامورتي Jiddu Krishnamurti، الذي رَصَدَ فعل التأمل في حدِّ ذاته، من دون تدخُّل الإرادة أو الاختيار أو القرار أو أيِّ فعل آخر من أفعال “المفكِّر”. مما يخمد الضجيج المستمر في داخلنا والذي  يشكِّل خلفية وعينا المعتادة، بحيث يصير الذهنُ صامتًا عمومًا.

ما الذي جذبك لاقتناء هذا الإصدار  وأي نوعٍ من الكتب تُفضلين؟

بشكل عام فإنني لا أجد رغبتي في الكتب التي تكون عبارة عن كراسّة وصايا تملي على الانسان ما ينبغي فعله وما لا ينبغي، ولعل ما جذبني إلى كتابات كريشنامورتي أنها تتناول أصل المشكلات البشرية وطبيعة الذهن وكيفية التحرر النفسي وتحقيق الإشراق الروحي وهو أمر أجد روحي تواقة إليه. فهو  يكتفي  بإعطاء إشارات حول “فن” القيام بهذا التحول” التأمل “؛ إذ ليس ثمة طريق ولا منهاج لبلوغه من وجهة نظره، فعلى كل أحد أن يقوم بالعمل بمفرده، دون اللجوء إلى أي معلم أو مرجعية؛ فالحياة بأسرها تصير المعلَّم.

هل هذا الكتاب الأول للمفكر كريشنامورتي الذي تقرأينه؟

يعود تعرُّفي إلى فكر كريشنامورتي أول مرة إلى أواخر التسعينيات حين قرأت عنه كتابا باللغة الفرنسية بعنوان “كريشنامورتي والوحدة الإنسانية” لمؤلفه كارلو سواريس، وهو من أوائل الذين ترجموا كتبه إلى الفرنسية، وما أثار اهتمامي الفعلي بفكره هو أنه لم يعتنق أي مذهب، كما لم يبشر بأية عقيدة، بل صاغ تعليمه الفريد وحده، منصرفًا انصرافًا كليًّا إلى رصدٍ دائم للعمليات التي يقوم بها  الذهن البشري وآلياته. وخلال إعدادي لبحث عن اللاهوت في جامعة القديس يوسف اليسوعية ببيروت قرأت كتابًا عنه بالفرنسية أيضًا  بعنوان  ثورة الحق  للمؤلِّف رونيه فويريه. وفيما بعد، وخلال الأعوام الثلاثة الماضية، فقد ساهم الصديق ديميتري أفييرينوس بجهد دؤوب وتفانٍ منقطع النظير بترجمة دقيقة  لكتابات كريشنامورتي إلى العربية  فاتحًا آفاقًا لا محدودة عبر قراءات متأنية قل نظيرها في عصر فوضى الترجمة والنشر.

إذن أنت تنتقين المترجم أيضًا، فما هو أهم ما ميزّ هذا المترجم عن غيره؟

ما يميز ترجمات ديميري أفييرينوس عن سواه أنه يُعايش ما يترجمه على المستوى الروحي والنفسي والوجداني، لذلك فهو عندما ينقل لنا فكر كريشنامورتي فإنه ينقل خبرة اكتنزتها روحه وعايشاها، وهو بالمناسبة رجل حكيم مستنير، وإني أتوجه له بامتنان عميق وأُدين له بخشوع حيث أن كتبه المميزة ساهمت في فتح آفاق معرفية لديّ ،وما فتئت تمدني على الخوض في حياتي وسط غابة الأفكار والمعتقدات، ويعود له الفضل في إطلاق سلسلة “الحكمة” الذي طمح من خلالها الى ترجمة التراث الإنساني النفيس المشترك مما فتح ثغرة على أفاقٍ وجودية رحبة تتجاوز العلب الفكرية والأيديولوجية، وتشكل زادًا على طريق تحقق الإنسانية المتمثلة بالمعرفة والمحبة .

ما هي الرؤية الجديدة التي خرجت بها من هذا الكتاب؟

ضرورة تحرر البشر نفسيًّا لكي يكونوا على تناغُم تام مع الكون و مع أنفسهم ومع الطبيعة. فالإنسان هو صانع البيئة التي يعيش فيها، وأن إيقاف الألم والعنف المستمر والنزاعات التي نعاني منها لا يتم إلا بتحول جذري في أنفسنا. إنها رؤية تعتق الإنسان من أسر الصور النمطية و الكلمة الجاهزة؛ بكونهما فكرًا يهيمن على ماض يظل يجبر الفرد على الخضوع لتحجر الكلمة وألفة الصورة. مما يحقق براءة كونية في نفس كل إنسان. براءة هي مزيج من الحب والبحث، الهدوء والصرامة، الخوف مما يعيق تحرر الفرد من سطوة المجتمع والإيمان بمجتمع لا يسخف عقول أبنائه، ولا يتسلط على تكوين الفرد وتربيته. إن كريشنامورتي يبلغ بفكره من السكينة أقصاها. بطبيعة الحال فكر كهذا يشكل حالة استفزاز  للذهن المستكين إلى يقينياته، فنحن خرجنا إلى الحياة ووجدنا حولنا جحافل ممن منحوا انفسهم حق التدخل في فطرتنا تحت مسمى الإرشاد والتربية وهم الذين يوزعون علينا كراسات الوصايا ويعملون على صرف “الوصفات الروحية” والوعود بالجنان والسعادة .

هل تهتمين إذن بالكتب الفلسفية ؟

ما أهتم به هو الكتاب الذي يوقظ في داخلي الفطنة والحكمة التي هي مدار الفلسفة وليست الكتب الفلسفية الأكاديمية.

ماهي افضل الاوقات للقراءة لديك؟

في الفترة الصباحية أكون بحالة توقّد ذهني عجيب ونشاط فكري مذهل،  لذلك فإني أقرأ  كتبًا فكرية عميقة تتطلب مني يقظة كاملة وتركيزًا عاليا، وغالبًا ما أدون فيها ملاحظاتي وحواراتي  وهوامشي،أما في فترة بعد الظهر فإني أقرأ  الكتب الأدبية والخواطر الشعرية .

هل القراءة عندك مشروع كتابة موازية؟

إن أيّ حوارٍ مهما كان عفويًّا، وقراءةُ أي معلومة مهما كانت بسيطة وعابرة، تُشكل جزءًا من تجربتنا كبشر وانتاجنا الواعي منه وغير الواعي، لأن  أفكارنا على حقيقتها ليست الا إعادة انتاج لصوغ أفكار كل السابقين وحصيلة تراكم خبرات الآخرين. و أنَّه “لا وجود لِمَا يتولّد من ذاته بل من تواجد أصوات متتابعة ومتراكمة”على حدّ قول ميشال فوكو. لذلك فإنني لا أدّعي في أيٍّ من كتاباتي خلقًا جديدًا أو فلسفة عظيمة، بل هي مُجَرَّد إشارة الى أقوال من سبقوني من المُستنيرين  مِمن شقوا ثغرة نور في جدار العنف، أفتحها لِمُحبّها  ممَن أراد ان يتجاوز الواقع نَحو أفق آخر مغاير ينعتق به من أسر السلطة وعنف المادة وصخب الإعلام الدعائي المضلل.

بالانتقال الى موضوع التشكيل والشعر في تجربتك بالإضافة الى كتابتك الفكرية التي تتناول قضايا اللاعنف كيف تبلورين  هذه العلاقة  الإبداعية؟

ارى الفن تناغمًا يخلق عالمًا من حالة ، واللوحة التشكيلية كما القصيدة كما الكلمة تتكون صدفَة وتصنع تاريخًا، في أفق الوحدة بين الزائل والخالد، بين الأبدي الفاني ابداع المواجد شعرا أو كلمة أولونًا بالنسبة لي هو الحياة، لأنها منسوجة بتكوينات الوجود. فالشعر هو ايقاع الكون الصوتي فيما التشكيل ترجمة  للمعنى لرؤية بصرية ، انها تحولات الجمال! إنها كنسمة الهواء التي تدخل بتلقائية عند فتح النافذة، فالإنسان لا يفعل أكثر من أن يترك الأمور تتحرك ببراءة وعفوية لا حدّ لها! وكتاباتي الفكرية لا تخرج عن هذا الإطار كونها محاولة عفوية لطرح رؤيةٍ لاعنفية تستند إلى أصالة التسامي اللامحدود لوعي الإنسان وسط صحراء المادية المتفاقمة، من جهة، والمثالية العاجزة عن تحقيق ذاتها من جهة أخرى.

ماهو جديدك الفكري الذي تقدمينه للقارئ بعد إصداراتك الأربعة؟

لدي كتاب جديد بعنوان “استراتيجيات الأمل في عصر العنف”، والذي يأتي مكملا للرؤية النقدية التي تناولتها في كتاب”فكر على ورق ” وكتاب “أفكار متمردة ” حيث حاولت الدخول الى الزوايا “المُغلقة ” والمسكوت عنها المُغلَّفَة “بالفضائل” فيما هي على الحقيقة ليست الا صورة تأخذ الأبصار ببريقها وهي تحجب قبح العنف المستتر في التجمعات البشرية الخاوية على عروشها، هو”تمرّد” على شرعيات اكْتُسِبَتْ من النفاق والخداع وعملت على فصل الكائن الانساني عن جوهره الأصيل مكرِّسة ذلك بثالوث العنف المتمثل بالوجوه السلبية “لرأس المال والسلطة والإعلام” كماانتقدت فيه مفهوم امتلاك الحقيقة المسبب للعنف، فالانسان عندما يدعي إمتلاك الحقيقة يسوّغ لنفسه محاكمة الآخر مستخدما الوسائل العنفية المادية منها والرمزية، علما أنه لا وجود لحقائق مطلقة بل الحقيقة مفهوم نسبي يتغير وفق البيئة التي ينتمي لها ومستوى الواقع الذي ينطلق منه. وأحاول من خلال كتابي الجديد طرح رؤيةٍ لاعنفية تستند إلى أصالة التسامي اللامحدود لوعي الإنسان الكوني.

هل تعتقدين أن هذا النوع من الكتابات سيحدّ من أعمال العنف أو يوقفها ؟

هذه الأطروحات مَثلها كمثل ماسِحةِ زجاج السيارة لا توقف المطر ولكنها تجعل رؤية السائق واضحة . إن ما يقوم به دعاة اللاعنف قد لا ينهي الحروب ولكن قد يجفف وقودها عبر إطلاق الوعي لدى الانسان المتحكم بصناعة الدمار.

لماذا لا تحضر قضايا المرأة في كتاباتك الفكرية فيما نجدها حاضرة في ديوانك الشعري “لوامع من بقايا الذاكرة بكثافة ؟ وكيف تجدين الإبداع النسوي في العالم العربي ؟

لا أتدخل في أي نوعٍ من  انواع نقد البناء اللغوي للنصوص سواء الشعرية ام النثرية ولا ادخل في إطار ” اطلاق الاحكام” وتقييم أعمال الغير ، أما من ناحية مضامين الموضوعات فإن غالبية ما وقعت عيني عليه من كتابات “نسائية ” و”رجالية ” تدور في فلك الأنوية للتجمعات الذكورية السلطوية القائم على مبدأ الفصل التام بين وحدات المجتمع الانساني، حيث الصورة تركز على المتعة البصرية التي تكرس الاستهلاك الذكوري عبر مقارنات محمومة. المرأة تُقَدّم فيه دومًا على انها الكائن المجتمعي الذي يتشظى في دوامة النزاعات، و الاعلام يسوّق للمرأة “السيليكونية ” الصورة ، لذلك نجد ان النساء يلهثن بشكل مقزز خلف عمليات “التجميل” التي تشوه الفطرة  وارتضين ان يتحولن الى كائنات “بلاستيكية” عارية عن الروح والمضمون… من جهتي فإن الانسان هو القضية  فتحقيق الحرية والعدالة مثلا هي مسائل إنسانية وليست همًّا “نسائيًا”، عندما يكفّ الإنسان (امرأة أم رجل)  عن المقارنة بكل أشكالها سينعتق . أما بالنسبة للمرأة المتكلمة الحاضرة في ديواني ” لوامع من بقايا الذاكرة ” فهي  كينونة الكائن الانساني… هي الأنثى المبدعة الخلاقة هي رمزية العشق والخلق، بالعودة الى القصائد ستكتشفين البعد السريالي والصوفي العميق التي تمثله الانوثة ببعدها الانطلوجي.

مروة كريدية

تعد الكاتبة مروة كريدية واحدة من المهتمات بالقضايا الإنسانية واللاعنف، حيث  تطرح العلاقات الاجتماعية والسياسية من خلال رؤية وجودية تتجاوز الانقسامات الاثنية والدينية والجغرافية، وقد عملت في ميادين فكرية متنوعة، ولها العديد من الأعمال الأدبية و الفنية التشكيلية والخواطر الشعرية والأبحاث الميدانية في علم الاجتماع السياسي. شاركت في أعمال حوار الأديان واللاهوت المقارن ، كما نشطت في ميدان الإعلام الثقافي .

من اصداراتها :

  • · أفكار متمردة –  في الفكر والثقافة والسياسة .
  • · معابر الروحديوان شعري .
  • · مدائن الغربة – في الفنون التشكيلية
  • · لوامع من بقايا الذاكرة – ديوان شعري
  • · استراتيجيات الامل في عصر العنف- في الفكر السياسي

لها مدونات عدة على شبكة الانترنت منها :

http://marwa-kreidieh.maktoobblog.com

http://marwakreidieh.unblog.fr/

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق