ثقافة النثر والقصيد

نَصوص شعرية مِنْ مَجْموعة، ” عَيِّنات “

ابراهيم مالك*

أكثر ما علمتنيه تجربة كتابة الشعر أن الشعر في خاتمة كل مطاف حالة حالمة ، غير عادية ، وليد عاطفة جَيّاشة ، عاشقة ، دائمة القلق والتخيُّل ووليد فلسفة حياة ، وليد تجربة وذاكرة دائمة الحضور ، فهو فكرة مختزلة ، قوية الإيحاء ، تموسِقُ ذاتَها ، ملونة وشديدة العِشْق بتجلياته الحياتية . وكتابة الشعر تتطلب التجريب الدائم للكشف عما في العقل السارح من مَخْزون . وفيما يلي قصائد جديدة وأخرى قديمة ، هي عينات تجريب ، أعيد كتابتها من جديد ، كمحاولة للتجريب الدائم ، أو للتعبير عن الشعر كما أفهمه .

ـ ما أعْظَمَ ما توحي بهِ وتَتَحَدَّثُ عَنْهُ أسْطورَةٌ سومَرِيَّة
تَرْوي أنَّ مَجْلٍسَ الآلِهة انْعَقَدَ لٍيُسائِل أحدَ آلِهَتِهِ :
عَمَّنْ أعْطاهُ الْحَقَّ
أنْ ينْتَهِكَ أحَدَ أبْسَطِ حُقوقِ صبِيَّةٍ رَأها مِنْ عَلْيائِهِ
تَسْتَحِمُّ عِنْدَ ضَفَّةِ نَهْرٍ
فانْقَضَّ عَلَيْها
وانْتَزَعَ عُذْرِيَّتَها بصلف غرور .

ـ أنْكيدو يا ابن الطبيعَةِ الحياة
و نقيضَ كُلِّ ما كانه كلكامِش
وَحاشِيَتِهِ مِنْ قُضاةٍ
عَسْكَرٍ ، كَتَبَة قَصْرٍ ، بغايا وَكَهنَةِ مَعْبَد ،
فقدتَ حرِّيَّتَكَ وأفقدْتَنيها لَحْظَة
سَقَطتَ في شِباكِ مَنْ أغروكَ
بمُتْعَةٍ جَسَدِيَّةٍ عابِرَة

ـ أخناتون يا عَشيق الشمس !
أصغي للصَّوْتِ الطالِعِ مِنْ مِحْرابكَ
وأنتَ تُرَدِّدُ تراتيلَ عِشْقِكَ الشَّمْسَ
فَيَشْتَعِلُ في عَيْنَيَّ الحالِمَتيْن
بريقُ مَجالِس ، يَؤمُّها إخوة .

ـ أبيقوروس !
كَمْ هُوَ جَميلٌ ما نُسِبَ إلَيْكَ قَوْلُهُ
وقد باتَ بوصَلَة حَياتي
وَبَصيصَ نورِ آخرِ النَّفَقِ :
لَيْسَ لي عَجَزُ الثَّوْرِ
لأديرَ ظَهْري لآلامِ النّاس

ـ وَشْوَشَني مُعَلِّمٌ قَديمٌ
لأعي واحِداً مِنْ تَجَلِّياتِ جَدَلِيَّةِ الْحَياة
قالَ :
ألمَرءُ لا يسبَحُ في النَّهْرِ ذاته مَرَّتَيْن .

ـ كذاكَ عَلَّمَني حَكيمٌ آخَرُ ارتحل من زمن
أن رِحْلَة الألْفِ ميل تبدأ خُطوَةً ،
فبقيتُ أغُذُّ الْخَطْوَ بَحْثاً عنْ حَبيبي ،
لأعودَ إليهِ ، فَأعْشَقَ مَوْجَ بحْرِهِ
صَخَبَ ريحِهِ ، قِمَمَ صخْرِهِ ، تشابُكَ شجره ، تَفَتُّحَ زهْرِهِ ، وَمْضَ نُجومِهِ ، سَقسَقة مَطَرِه
وَكُلَّ ما يَنْبِضُ حياةً
في عالمِهِ الْمُشْرَعِ على أكْثَرَ مِنْ مَدى .

ـ وَعَلَّمَني شبهُهُ أن الصيّادَ
لَحْظة ينْشَغِلُ عَقْلُه الْمُحاطُ
بأكْثَرَ مِنْ شَبَكَةِ خُيوطٍ وَهْمِيَّة ،
ينشغل فقط في الجَرْيِ النَّهِمِ وَراءَ صَيْدِهِ – ضَحِيَّتِهِ ،
يَفْقِدُ حُرِّيَّة عَيْشِهِ
ويَصيرُ أسيرَ سَمَكَةٍ تسْبَحُ في نَهْرِ حَياة

ـ قُبالَة كولْسْيوم روما وَقَفْتُ ذاتَ نَهار
أتأمَّلُ ما فَعَلَ الزَّمَنُ بنا ، به وبي ،
فازْدَدْتُ قناعة أنّي وهوراس أخَوانِ ،
أمُّنا الطّين ،
وكُنْتُ تعلَّمْتُ منهَ ومِن آخرينَ كثيرينَ مٍنْ قَبلي
أن لا سَيِّدَ لي إلاّ الحقيقة ،
أندفِعُ واعيا ومُفَكِّرا بحْثا وَذبّاً عنها .

ـ كمْ يَبْهَرُني قَوْلُهُ
” لَيْسَ بالخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيا الإنْسان ” ،
فمن يَوْمِها باتَ خُبْزي كفافَ يَوْمي
وبِتُّ أعيشُ وقتي
بحْثاً عَنْ زَيْتِ حَياةٍ
طَلِقَةٍ كالعَصافير
خَضراء كالعُشْب
مُلَوَّنَةِ كَوَرْدِ حَديقة ،
لأغْمِسَ بهِ كَفافَ يومي .

ـ يا ابنَ عُوانة يا صَديقَ عِشقي وحلمي !
كُنْتَ ستراني أرْقُصُ طرباً ،
لحظة يَحينُ أوانُ رَحيلى ،
لَوْ أنَّ إنْسانَ زَمَنِنا بَدَأ يَنْتَفِضُ
عَلى خوارق هذا الزَّمَنِ وما فيها مِنْ جَشَعٍ ،
عُنْفٍ ، جوعٍ وانْحِسارِ عقل

ـ ألله يا وطني كم تمنيتُ
لو أنك تنتفِضُ على ما فيكَ وحَوْلَكَ
مِنْ رَمادٍ يُؤذي البصيرة ،
تنتصِرُ على ذاتِكَ وما دُفِعْتَ إليه ،
فتفكَّ قيْدَكَ السِّحْري
وتعاود التحليق طلقَ الجناح .

– يا وطني ! كم تمنيت
لو تصيرُ وَطَنَ إنْسانٍ
يطمح للكشفِ عن سِرِّ التشابك المُحْيي
بين شجرِ الغابة وروْعَةِ التماهي
بين ألوان قوس قُزَح .

– يُحْزِنُني يا وَطَني ، أيَّما حُزْن ،
هذا الصَّدى المنبَعِثُ مِنْ آبارٍ كَثيرَةٍ مَهْجورة
في قرانا المَسْلوبَةِ الْمُهَدَّمة ،
وقَدْ جَفَّ فيها دمُ أطفالٍ نازِفٍ ،
لكنَّ أكْثَرَ ما يوجِعُني
هُوَ هذا التَّشْويه الحاصل في طبيعتك الخلابة الفاتنة ،
فَلَم ينْجُ مِنهُ مَساراتُ وَعْر
شُطوطُ بحر
نتوءاتُ صَخْر
غُدْرانُ وادٍ .
ولمْ ينجُ شَجَرٌ ، ولا زَهْرٌ ، ولا عُشْبٌ ولا عَذْبُ ماء .

– كلَّما أتَذَكَّرُ مأساة طِرْوادة وما يوحي به حِصانها الخشبي ،
أتذَكَّرُ مَأساتَكَ يا وطني
وما أصابك وأصابَ أكثرَ ناسِكَ مِن
عَسْفِ ترْحيلٍ ويَباسِ شّتات .

– أيْ كازانتزاكس ، يا شريكَ ألمي وحلمي !
مَعْذِرَةً ، حاولْتُ مراراً دُخولَ الْغابَةِ
، لأرى أسَدا فأحَيّيه :
مَرْحَبا يا أخي .
وكم تمنَّيْتُ مِراراً وتكراراً
لوْ أنَّهُ عِنْدَها راحَ يُقَلِّمُ أظافِرَهُ .

ـ مَعْذرَةً أدونيس !
كُلَّما تأملتُ عالمي العربيَّ الصغير ،
أدركتُ سِرَّ قلقكَ الحذرَ ،
فقد عَلَّمَتني تَجْرِبَةُ الحياة ،
أنَّ منْ لا ينتفِضُ على ما فيهِ وحوْلَهُ مِنْ عَقارِبَ وسُمومٍ ،
فإنَّهُ لن يرى إطلالة فجْرٍ وتَجَدُّدَ عوالِم .

ـ قالَ أبي ذات يوْمٍ
وكانَ لا يَزالُ يُقاسِمُني هُمومَ الشَّتات :
مِنْ يَوْمِها لَمْ تَعْرِفْ عَيْنانا لَوْنَ الفرحِ ،
فأكْثَر ما كان يُفْرِحُهُما انكَسَرَ
وانكَبَّ ما فيهِ مِنْ ماءٍ
وما فيهِ مِنْ سَمَكَةٍ صَغيرَةٍ مُلَوَّنة ،
تُحَرِّكُ ذَيْلَها وتُلَعْبِطُ بفرَحِ أطفال .

– حدَّثني النهر
وكانَ مَوْجوعَ الخرير ،
قالَ :
أضْنانِيَ طولُ المَسيرٍ
ولمّا تلُحْ في الأفقِ ضِفافُ بَحْر !

ـ حضرني على حين بغتةٍ طائرٌ بهيُّ الريش ،
كان يُحَلِّقُ في فضاء وطني المَسْلوب ،
صاحَ :
قُمِ انهضْ وانتَفِضْ حياةً
وألقِ عَنْ كتفيْكَ المُتْعَبَتَيْن
كُلَّ أعباءِ هذا الزَّمَنِ الغادرِ ببَعْضِ ناسِهِ ،
وخذ مَعَكَ مِزماراً
يروي قِصَّة عِشْقِ هذا الوطن !

ـ كمِ اسْتَنْزفني الحَنينُ الموجِعُ إلى طُفولَتي المَسْروقة ،
لأعودَ كالأطفال أحفِنُ حَبّاتِ تُرابِكَ يا وطني
وأخفيها عميقاً في عتمة روحي ،
فلا يَسْطو قراصِنَة الْبَرِّ
على ما بقي من تراب .

– كثيرا ما جلستُ أصغي لمَوْجاتِ شطِّ عكا المَحْزون ،
وهي تتكسَّرُ في ولهِ عاشقٍ بين نتوءات صخرِهِ ،
وكم تمنَّيْتُ ! يا وطني
لَوْ أنَّها تعيرُني نغمات تكسُّرِها العاشق الصارخ
لأنْدَهَ من قحف رأسي مُرَدِّدا :
يا وطني ما أجْمَلَك وإن سرقوكَ مِنّي !

ـ خطب الحاكم بأمره في جمهرة من الناس
التفّتْ حوله وكانتْ تتسلّى بقضم ما انتفخت به جيوبه
قال إنَّ الخطبَ جَللٌ فلا تستهينوا به
وأخطر ما فيه أنّ العقل قد يبدأ
بتعويدِ نفسه على التفكير ،
فأمر بسجنه .

ـ حدّثني ولدي وكان يتصفح كتاب تجربة حياة ،
قال :
علَّمتني الحياة ،
ما كُتِبَ عن بعض مسارها ،
أنَّ ناسنا الأقدمين صانوا أمَّهُمُ الطّبيعة ،
فلم يُجَفِّفوا ماءَ بَحْرٍ
لم يحرفوا مسار نهرٍ
و لم يقتُلوا عُشْبَ برِّ .
وَمُنْذُ ظهر الحاكم بأمره
وأمر بسَجْنِ العقل
استحالَ عالمنا حُفَرَ قبور
ورِحابَ سِجْن .

ـ أللهُ ما أجْمَلَكِ يا فاطِمَة !
فكُلَّما أرى جميلاً ،
يُشَبِّهُ لي أنّي أراكِ ،
فيفقِدَني جَمالُكِ حِكْمَة الاتزان
وأبْدَأ مَسيرَة التّيهٍ في صَحْراء عُمْري .

– ساعة الإصْباحِ وحين يبدأ الفجْرُ
يتسلَّل إلى كُلِّ زاوِيَةٍ من وَعرتي وَتَتناهى
إلى سَمَعي زَقْزَقاتُ عَصافيرَ غرِدَة
وَيَغْمُرُني فَرَح حياة أجِدُني أصيحُ :
الله يا فاطِمة .

ـ يَنْتابُني هَوَسُ عاشقٍ
لَحْظَة أتَذكَّرُ طلَّة فاطِمة ،
فأتَمَنَّى لَوْ أنَّ في جَيْبَيِّ عَقلي ،
خيوطُ تَطْريزٍ لأزيِّنَ بَها جِذْعَ بلوطَةٍ ،
فتصير مَزاري المقدس .

ـ أكْثَرُ ما أطمحُ إلَيْه أنْ يفترِشَ واحِدُنا ،
هُوَ وَفاطِمَتُهُ ،
عُشْبَ الْبَرِّ قُبالَة بُيوتٍ مُشْرَعَةِ النَّوافذ
وخُبْزُهُ كَفافُ يومِهِ .

– علَّمتني فاطمة العشقَ وما يكون
قالت :
يَجمُلُ بالمَرْءِ أن يَعشَق ذاته الأخرى
ليجْمُلَ في عَيْنيْهِ عِشقُ ذاتِهِ !
قالتْ :
العِشقُ الحَقُّ يكون حين تحب
ولا تتوَقعُ ” رَدَ جَميلٍ ” مِمَّنْ تُحِبْ !
قالتْ :
أصدق العشق يكون حين تكون أنْتَ هِيَ
وَهْيَ كُلُّ ذاتِكْ !
قالت :
أصدق العشق حين تكون عاشِقاً ومَعْشوقْ !

ـ ألله يا خشب الصندل
فواحَ العبق
كم يُدْهِشُني فيك عِطْرُ حبيبي !

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق