ثقافة السرد

قرية على الحدود

بقلم: ندى ذياب فواز (زهرة اريحا)

كان يوماً صيفياً جميلاً، فيه نسيم عليل يداعب أوراق الأشجار، ونهر الأردن يجري رقراقاً كآله موسيقى تعزف ألحاناً شجية؛ لتسمع أهالي القرية تلك الالحآن التي لم يكفوا عن سماعها آلاف المرات، بل يزدادون سروراً عند سماعها.
وأزهار الربيع التي تتراقص يميناً وشمالاً على أنغام لا تهدأ أبداً .

وفجأة يشق هدوء الباقورة صوت أبي سمرة الرخيم وهو يغني ”
غريب الحي والغربة ليالي طوال
في أرض الله أنا والاه بقيت جوّال
أشيل الحمل وكتافي تقول صابرين
على الوعدة وعلى المكتوب وعلى اللايمين
وفين يا قلبي مرسانا وفين الخطوة وخذانا
بقالي كتير على ده الحال نغم حاير مع الموال “.

وهو يحمل على كتفه كيساً مملوءاً بالفول الأخضر؛ ليوصله إلى الشاحنة التي يقوم بتحميلها بالخضار لتنقلها إلى السوق المركزيّ في عمان .
هذا هو حال أبي سمرة ذاك الرجل الكهل الذي يعمل حمّالاً في القرية ، أسمر البشرة، طويل القامة ، يرتدي معطفاً باهتاً شوحت الشمس لونه، وعمامة أكل الدهر عليها وشرب وينتعل حذاءًً ممزقاً .
لا أحد يعلم من أين أتى؟ وكيف جاء! فلا يعلمون عنه شيئاً سوى أنه رجل غريب أتى إلى القرية منذ سنوات طلباً للرزق ، وأنه ينام في كوخ بناه من القصب على جانب إحدى المزارع .
وفي ليلة من ليالي آذار ، حيث كان الجو صافياً، والقمر يضيء عتمة الليل ، والهدوء يخيم على القرية ، هبَّ الناس من مراقدهم مذعورين إلى أطراف القرية على أصوات الرصاص ، حيث كان العدو يحاول اقتحام القرية .
وما إن اشتبك أهل القرية والقوات المعادية حتى بدؤوا بتبادل إطلاق الرصاص ، فاستيقظ أبو سمرة على ذلك وحمل فأسه وخرج .
وبعد وقت قصير ساد الهدوء ، وبدأ العدو يتراجع خارج القرية .

وفي اليوم التالي أعلن العدو في بيان له أن قائد الحملة العسكرية الضابط( موشيه زيفون) قد قتل داخل القرية بضربة على رأسه بأداه حادة أدت إلى مقتله على الفور .

وفي ذاك اليوم الذي أعلن فيه العدو مقتل الضابط بدا على أهالي القرية الفرح والسرور
ولكن بدت عليهم الحيرة أيضاً … فمن هذا البطل الذي قتل الضابط وأنقذ القرية ؟!
وبعد ذاك الهجوم أُرسلت وحدة عسكرية، لحماية القرية من العدو بأمر من القيادة العامة . وكان قائد تلك الوحدة شاباً في الأربعينيات من عمره ذا بنية جسدية قوية ، يرتدي بذلة عسكرية وعلى كتفه تلمع نجمة ذهبية .
احتار هذا الضابط بلغز مقتل الضابط الإسرائيلي وبدأ يتساءل من الذي قتل الضابط؟ وكيف قتله ؟ ولماذا لا يظهر نفسه ؟
ثم عاد إلى عمله يعطي الأوامر للجنود بأخذ مواقعهم ومراقبة الحدود .

وفي إحدى صباحات آذار الجميلة والعطر يفوح من الأزهار على جانب الطرقات ، وقد كان أبو محمد صاحب الدكان يجلس مع صديق له ، وكانوا يستمعون إلى الأخبار عبر المذياع .
– أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي منذ ساعات في بيان له أنه قد قتل جندي من جنوده على ضفاف نهر الأردن بوساطة أداة حادة ، ولم يعثر على المنفذ حتى الآن ، ويرجح أن يكون المنفذ من قرية أردنية على الحدود ” هكذا علا صوت المذيع .
أطفأ أبو محمد المذياع وقال : ” سلمت يداه على ما فعله . “
وقال صديقه :” إنه بطل ابن بطل . “

ما هي إلا ساعات قليلة ،حتى ظهر ابو سمرة يحمل على كتفه كيساً من البصل أتى بهِ من أحد البساتين في أطراف القرية لأحد المنازل .
وألقى التحية على أبي محمد وصديقه ثم مضى في طريقه .
– أعان الله هذا الرجل على عمله ، فعمله شاق ومتعب وهو رجل كهل. قال ابو محمد
– أعانه الله وأعطاه الصحة والعافية . ردّ صديقه

بعد أن فشلت مساعي العدو في العثور على ذلك المناضل المجهول قرر أن يحاصر القرية ويبدأ البحث عن قاتل الضابط والجندي ، فحاول العدو أن يقتحم القرية وأعطى الأوامر لطائراته بالتحليق فوق القرية ، ورصد حركة أهاليها ، وهم يفكرون كيف سيواجهون العدو فهم لا يملكون طائرات ولا دبابات حتى الأسلحة النارية نادرة في القرية، وبدأت التساؤلات
– ماذا لو قصف العدو القرية بالطائرات ؟ كيف سندافع عن قريتنا ؟
أهالي القرية مشغولون بتلك التساؤلات وأبو سمرة يحمل على كتفه كيساَ من الخضار وهو يغني : ” يما مويل الهوى يما موليا
ضرب الخناجرولا حكم النذل ليا ” .

تعجب الناس من ذاك الرجل، وبدؤوا يقولون عنه ” إنّه معتوه “. فطائرات العدو تحلق فوق القرية وهو يغني . بينما كان الضابط الأردني يتفقد مرابض جنوده رأى أبا سمرة وهو يغني فذهل من تصرفه فأمر أحد جنوده بأن يستدعيه إليه .
فأتى أبو سمرة إلى الضابط قائلاً : السلام عليكم .
فرد الضابط : وعليكم السلام . وسأله :أ أنت من هذه القرية ؟
فأجاب أبو سمرة : نعم أنا من هذه القرية .
فقال الضابط : شكلك لا يوحي بأنك من هذه القرية ، أين ولدت ؟
فأجاب أبو سمرة : ولدت في الخرطوم .
تعجب الضابط وقال : الخرطوم في الجمهورية السودانية ، والباقورة في المملكة الأردنية الهاشمية .
فقال أبو سمرة : ” سوى ، سوى ” أيها الضابط .
فقال الضابط : ماذا تقصد ؟
فقال أبو سمرة : الخرطوم هي الباقورة والباقورة هي الخرطوم ، ألم يقل الشاعر : ” بلاد العُرب أوطاني وكل العرب إخواني “.
دُهش الضابط بفصاحة ذاك الرجل وطلب إليه أن يقابله بعد أن ينتهي من أداء عمله . ذهب أبو سمرة مودعاً الضابط متوجهاً الى عمله ، وبعد ذلك اللقاء بوقت قصير بدأ العدو بقصف القرية بالمدفعية فأمر الضابط جنوده بأخذ مواقعهم استعداداً للاشتباك مع العدو واتصل بالقيادة العامة وأبلغها بالوضع ، ثم عاد مسرعاً وهو يلتفت يميناً وشمالاً حذراً من غدر ذاك العدو . واستمر الاشتباك ثلاث ساعات ، ثم فر العدو ولم يتمكن من سحب بعض آلياته التي حاولت دخول القرية وترك بعضاً من جرحاه، وغنم جيشنا بعضاً من أسلحة العدو وآلياته . وقد أصيب ثلاثة من جنودنا وسبعة مواطنين بجراح وهبّ أهالي القرية لنقل الجرحى إلى المركز الصحي ، وتفتيش المزارع بحثاً عن قتلى العدو وأسراه . وفي صبيحة اليوم التالي ذهب أبو سمرة للقاء الضابط في مركز القيادة فألقى عليه التحية وجلس .
فقال الضابط : أريد منك يا أبا سمرة أن تعمل معنا .
فقال أبو سمرة : كيف ذلك فأنا لست جندياَ ولا أحسن استخدام السلاح .
فرد عليه الضابط : لا أريد منك أن تعمل جندياً ، أريدك أن تعمل في إحدى المزارع القريبة من الحدود وتراقب خطوط العدو .
فضحك أبو سمرة وقال : أنا أعلم ما خلف خطوط العدو .
اندهش الضابط وقال : ماذا ..؟.ماذا…؟ وكيف …؟
فرد أبو سمرة وقال : كنت أذهب في كل ليلة من الليالي إلى ضفة النهر واجتازها وأراقب العدو عن قرب فلديه بعد ذاك البرج العسكري ثلاث دبابات واثنتان من ناقلات الجند وما يقارب ألاثني عشر جنديا للحراسة ولديهم ثلاثة كلاب بوليسيه ، وخلفها توجد غرفة القيادة .
فتعجب الضابط الأردني وقال : ما الذي يدفعك إلى هذا العمل ؟
فرد عليه أبو سمرة قائلاً : قبل أن أقول لك ما الذي دفعني إلى هذا العمل أريدك أن تعلم أن من قتل الضابط والجندي هو أنا .
أصيب الضابط بالذهول وقال : كيف قتلتهم ؟
رد أبو سمرة : بالفأس ، أما ما دفعني إلى هذا العمل هو حبي للوطن العربي ، أريد أن يعلم هذا العدو أن الوطن العربي فيه رجال أشاوس يدافعون عنه ، ألم يقل الشاعر
” سجل أنا عربي ” …
وقال في نهاية قصيدته :
” إذن سجل برأس الصفحة الأولى
أنا لا أكره الناس ولا أسطو على أحد
ولكني إذا ما جعت أكل لحم مغتصبي
حذارِ حذارٍ من جوعي ومن غضبي “

فها أنا العربي أحب الكرامة ولا أسمح لأي من كان أن يعتدي على كرامة وطني …
خرج أبو سمرة من مكتب الضابط مسرعاً . غاب بعد تلك الحادثة لا أحد يعرف أين ذهب ، وروى أحد أهالي القرية أنه رآه في تلك الليلة يجتاز النهر قاصداً فلسطين .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق