قراءات ودراسات

بحر الخشخاش: رواية حول بُغض ونفاق الغربيين للهندي أميتاب غوش

عثمان بوطسان*

يعد اميتاب غوش من أشهر الكتاب الهنود المعاصرين. رأى النور في عام 1956 في كلكتا ، قضى طفولته في بنغلاديش وإيران والهند وسريلانكا. بعد مهمة التدريس في دلهي والولايات المتحدة، عاش الكاتب متنقلا بين كلكتا وغوا وبروكلين. انتشر صيت شهرته في جميع أنحاء العالم، وتوج بالعديد من الجوائز الأدبية المرموقة. من أشهر أعماله نذكر : ” القصر الزجاجي”، ” طوفان النار”، ” نهر الدخان”، ” بلد المد والجزر”، “طليقون في بورما”،”خطوط الظل”،”في أراض عتيقة”،”الرقص في كمبوديا”،”كروموسوم كلكتا”، “في دائرة العقل”، “الإمام والهندي”، ومجموعة كبيرة من المقالات حول موضوعات مختلفة مثل التطرف، تاريخ الرواية، والأدب والثقافة المصرية. فقد عاش الكاتب فترة من حياته في محافظة البحيرة في مصر حيث كان يعمل.
وجدير بالذكر أن أميتاب غوش ليس فقط واحد من أشهر الكتاب الهنود، والنقاد الأدبيين الذين يكتبون باللغة الإنكليزية ، فهو أيضا صحافي وعالم أنثروبولوجي ، نال شهادة الدكتوراه من جامعة أكسفورد في مجال”الأنثروبولوجيا الاجتماعية”.

’’ بحر الخشخاش’’ ، واحدة من أطول الرواية التي كتبها اميتاب غوش والتي يبلغ عدد صفحاتها ال 672 صفحة في نسختها الفرنسية. تدور هذه الرواية حول مجموعة من المغامرات المتعددة ذات الانحرافات الغير محتملة. يتخذ الكاتب من الهند مكانا لسرد أحداث روايته بشكل طبيعي، حيث ينتقل من بيناريس وكالكوتا على نهر الغانج، إلى أعالي البحار في المحيط الهندي في بداية القرن التاسع عشر. بطريقة ذكية، ينتهز المؤلف الفرصة لمناقشة بعض من فصول التاريخ الهندي العظيمة، متطرقا لحرب الأفيون بين الإنجليز و الهنود والإمبراطورية الصينية، والهجرة القسرية للهنود نحو جزر الموريس التي تنازلت عنها فرنسا لصالح إنجلترا: بعد إلغاء العبودية التي كان يفرضها الإنجليز، كان من الضروري أن توفر القوة الاستعمارية الجديدة العمال للمزارعين لدعم الاقتصاد.
تبدأ الرواية بوصول سفينة للهند صنعت في الولايات المتحدة من أجل تجارة الرقيق في إفريقيا، والتي يرغب مالكها الجديد في الاتجار بالأفيون. عندما ستشتعل الحرب مع الصينيين، ستقوم الفرقاطة بنقل العمال إلى جزر الموريس في انتظار تغير الأوضاع. تحتوي الرواية على عدد لا يصدق من الشخصيات، وكلها محببة للغاية، مع قصص شخصية غير متوقعة، تعبر بعضها البعض وتلتقي ببعضها البعض في السرد، الأمر الذي يجعل القارئ غير قادر على التنفس.
زهرة مُبهرة تُدير الرؤوس عندما ترتفع في الدخان. لذلك ’’بحر الخشخاش’’، لا أحد غير أميتاب غوش كان يتخيل هذا العنوان وفرض مثل هذه الصورة من خلال اهتمامه بالرومانسية الوحشية. لكن الكاتب الهندي ليس زهرة زرقاء، هو بالأحرى الشخص الذي يحرك الأرض تحت سجاد بتلات. في روايته ’’ بحر الخشخاش’’، يكشف رواة القصص الموهوبون ما الذي أخفته حقول الخشخاش الشاسعة التي نمت مثل العشب الداجن في الريف الهندي في القرن التاسع عشر. يروي لنا الرواة، ملحمة حفنة من الهنود ومعانتهم جراء تجارة الأفيون التي كانت تقوم بها الإمبراطورية البريطانية في الهند، والتي كانت تمثل واحدة من أهم مواردها الاقتصادية. من خلال هذه البيانات الاقتصادية الباردة، يعيد غوش رسم الواقع الإنساني، خاصة واقع الآلاف من الهنود الذين كانوا يعملون تحت الحكم الإنجليزي. كان يتم زراعة الأفيون من قبل الفلاحين على حساب محاصيلهم المغذية، والتي تحولت إلى مصانع تشبه خلايا النحل، الشيء الذي دفعهم للتخلي عن بلادهم و اختيار طريق المنفى وراء البحار. لكن بعد إلغاء العبودية، سيوفر هؤلاء المهاجرون قوة عاملة مثالية، خاصة في جزر الموريس، حيث ينتظرهم البيض والسوطين.
هذا هو بالضبط ما حدث لأبطال غوش، الذين كانوا على متن سفينة في عام 1838. لم يرو البحر مطلقًا، وسوف يرونه في نفس الوقت الذي سيركبون فيه السفينة. غوش، الكاتب الذي يعمل بكامل طاقته من أجل قضية هذا الشتات البطولي، يفجر حبه للغة في لوحة جدارية مرسومة باثقان وموثقة بدقة شديدة. ريشة الكاتب الهندي، الذي عاش بين نيويورك وكالكوتا ، ليتقاعد في غوا حيث يملك منزلاً، أثرت بطريقة حيوية ومجنونة على شخصيات روايته.

تدور الرواية حول مجموعة من الشخصيات أهمها :

– بيرنهام : تاجر انجليزي، صاحب السفينة.
– ديتي : وهي أرملة تهرب من زواج قسري ثانٍ.
– عشيقها كالو: مفتول العضلات صاحب القلب النقي.
– جودو : المحطّم الذي يحلم بمكان في أعلى الصاري.
– نيل راجا: المفلس، الذي أدانته محكمة إنجليزية.
– بوليت : اليتيم الفرنسي، قارئ روسو وبرناردين دي سان بيير.
– زاكاري : ابن لعبد أطلق سراحه في ديلاوير. وهو أيضًا قبطان القارب الذي سيفوز فيه البحارة في المياه العذبة في النهاية ضد العدائين المحيطيين.
مروراً بباريس في بداية الصيف، قال غوش : “إن الكتاب الغربيين هم أسياد فن السخرية، لكن العاطفة ليس لها مكان. في الهند، نحن لا نرفضها أبدًا. “في هذا النوع الذي هو في الأصل شعور من الصعب علينا مقاومتها. من خلال شخصيات مختلفة من مختلف الطبقات، ينقلنا اميتاب غوش إلى الهند المستعمرة حيث اللغة الإنجليزية ملكة، حيث يجب على الجميع البقاء في مكانه. ثم، عندما تلتقي الشخصيات على متن السفينة، نتابع مغامراتها باهتمام كبير، وقد نتيه في بعض الصفحات، حيث تنحرف الأحداث بشكل مسرحي غير منتظر. فالمؤلف يتقن مؤامراته تمامًا، ويشعرنا أننا مقيدين مثل الشخصيات التي لا تستطيع مغادرة السفينة.
ومن المثير للاهتمام أن نرى أن هذه المؤامرات والأحداث تتشابك في نسق سردي واحد. ومع ذلك، فإن الرواية بطيئة في بدايتها. أولا، تبدو البداية غير واضحة بعض الشيء لأننا نلتقي بالكثير من الشخصيات في وقت قصير. هذا قد يزعج القارئ الذي سيجد صعوبة في إيجاد نفسه. لكن، سينسى هذا البطء في السرد بمجرد انغماسه في قلب الأحداث. سوف يعجب القارئ بالشخصيات الرئيسية. لأنها تخاطر، لأنها لا تريد أن تهزم. ما يحدث لها أثناء الرواية هو نوع من الرحلة التمهيدية التي ستجعلها تتطور، وسوف يشجعها على التشكيك في أشياء معينة.
بطبيعة الحال، فإن مزيج السذاجة واللاوعي الذي يعارضه نيل مع بيرنهام ، قد لا يجذب إعجاب القارئ. سيتعاطف القارئ مع الشخصيات الأخرى بشكل أو بآخر، باستثناء بورنهام وبعض الأعضاء رفيعي المستوى من طاقم السفينة، والذين صورهم الكاتب بطريقة كاريكاتورية، تاركا لهم طابع التصرف كمعظم الإنجليز في ذلك الوقت.
رواية استثنائية، حيث تمتزج مجموعة من اللغات واللهجات، لا يمكن للمرء إلا أن يعجب بعمل المترجم الذي اضطر على حساب اللهجات الغريبة، التحدث بلغة البحارة، والتعبيرات البنغالية أو الهندستانية، أو بلغة الأوغاد الإنجليز، أو بلغة مخالفة للهندوسية من قبل البريطانيين. يعج النص بالكلمات الهندية دون ترجمة وليس فقط الكلمات والآيات الكاملة والصلوات والأغاني. لا توجد علامات اقتباس أو احالات. يتم الدفع بالقارئ بعيدًا في مزيج من اللغات و القصص. خطة الرواية بسيطة : الأرض والنهر والبحر، لكن القصص تختلط، ننتقل من حقل ديتي إلى تحميل النجوم في كيب تاون. يتم ترقيم الفصول ببساطة دون إشارة إضافية لوقت المكان أو الأشخاص. تعقيد غير عادي للعلاقات الاجتماعية، واختلاط غير متوقع، صداقات غير محتملة. يُصور أميتاب غوش شخصية بغيضة في البداية، ليجد إنسانيتها في النهاية.
قصص مثيرة تجتمع في رواية رائعة، ساحرة و جذابة. فالدقة التقنية للأوصاف وتنوع التعابير والانتقال من الكريول الملغاشية الى الإنجليزية الهندية أو الإنجليزية الصينية يساهم في التعقيد السردي للرواية . نتبع عشرات الشخصيات التي تكتشف مصيرها في وقت واحد، وتتقاطع دون مراعاة التقسيم في الفصول، بحيث تذهب كل توقعات القارئ سودا. قد يبدو أن المبالغة في اللقاءات والمصادفات المحظورة مفرطة. هو في الواقع تجاوز للتزامن الغير محتمل للحياة الحقيقية. فالنساء يتمتعن بشخصيات قوية، بما في ذلك ديتي، أرملة مدمن الأفيون التي سيتم إنقاذها من الموقد الجنائزي من قبل كالو، سائق ثور تقع في حبه وتهرب معه . يجعل غوش من شخصياته: شخصيات مستديرة، متعددة ومتناقضة ومتطورة. يكتشف البعض أنفسهم ويكتشفون في الوقت نفسه حكمة عظيمة، مثل نيل رتان هالدر، الذي يصبح رجا المتعجرف حكيماً بين الحكماء. ويضل آخرون، مثل نجار القوارب اللطيف زاكاري، الذي يصبح قبطانًا، ولكن سيتم الاستيلاء عليه بسبب حمى الربح والمضاربة على الأفيون والأرض وسيُفقده طمع الثروة كل المعانى الأخلاقية.
دون أن نفقد أبدًا اهتمامنا بنكسات الشخصيات، روايات غوش هي دعوة للتفكير التاريخي والسياسي. فهي تُظهر حسد ونفاق الغربيين الذين يستشهدون بالتجارة الحرة كمبدأ إلهي، لكنهم يستدعون قوة الدولة عندما يحتاجون إليها. يسلبون الطبيعة ويدمرونها ويستغلونها للاستفادة منها. يجبرون فلاحي الأراضي المهزومة على الاستعاضة عن ديارهم لاستبدال محاصيلهم الغذائية بخشخاش أحادي، ثم يجبرونهم، من خلال نظام الديون، على بيع قوتهم العاملة الى مصانع الأفيون.

​*باحث في الأدب الأفغاني المعاصر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق