ثقافة السرد

الكلام المباح

عبد العزيز دياب*

الكلمات التي تخر من أفواهنا، أو التى تملأ الكتب. الجرائد. المجلات، الكلمات التي تسعى إلى غايتها، تسبح فى الفضاء دون أن ترتطم بوجوهنا أو تجرحها، كان الرجل يتأملها بكل حب، فيما أدركت زوجته معنى فريداً، أدركت كيف تكون بحق زوجة لرجل كهذا، تفهم معنى أن تضبطه متلبساً وهو يمسك بكتاب سميك فى التاريخ. السياسة. الأدب….
لم يكن الزوج يطالع كتابه بِنَهَمْ أو كَسَلْ أو بأية مشاعر أخرى تتعلق بالمطالعة، إنما كان يرجرجه متخيلا تساقط الكلمات عن صفحاته تساقطاً جميلا، هطول مطرها السخى على بلاطات جرحتها أحذية، هكذا- بدون قصد- منح الرجل زوجته فرصة باذخة لمصمصة شفتيها الرفيعتين، فحاولت هى الأخرى- بقصد- أن تمنح عينيه نظرة سخية على مفردات جسدها الأهيف ، وهى توليه ظهرها متجهة إلى أعماق أعماق البيت.
لم يكن غريباً على رجل كهذا أن ينهض من نومه، مستبدلا شربة الماء التى يلهث فى طلبها كل صباح بورقة وقلم، لن تحتاج المرأة إلى التفكير كثيراً عن سبب حاجته للورقة والقلم. الأوراق والأقلام جعلت للكتابة، والرجل مد جسور التواصل مع كلمات كثيرة، خرجت من بوابات فخيمة لمحاضرات. ندوات. شتائم. ثرثرات. غزل. مهاترات. نميمة، حاوطته .لفته كرداء لامع. براق، تخيله رداء سلطان، فجلس على كرسى عرشه يُسَيِّرْ أمور الشعب من البحر إلى البحر. من النهر إلى النهر، يطوق أعناقهم بنفحات سخية لايقدر عليها إلا أمثاله السلاطين، يا امرأة: الأوراق والأقلام هناك على طاولة.
كتب الرجل كلمة واحدة فقط، لعله خرج بها من حلمه، أو جاءته فيما كان يرتع فى ما بين يقظة ونوم، أو التقطها من فضاء فسيح يموج بكلمات من حوله، طوى الرجل الورقة التى تضم كلمته، أودعها صندوق أسرار البيت، أمر زوجته أن اتركيه ها هنا في الباحة، على رف، أو فوق طاولة.
لم تصدق الزوجة عينيها عندما شاهدت- لأول مرة- تجليات يقظته، كانت تعرف أن ساعات نومه فقيرة بلا أحلام، فامتدت يداها لتقبض على يقظته المخادعة: عيناه مفتوحتان لكنه يرى ما لانرى، تتحرك مقلتاه يميناً وشمالا دون أن يلحظ أن بالجوار من يرصده، وكأن الكلمة التى يبحث عنها أو انتظرها أو استدعاها قد ظهرت أمامه، أو انفلتت بجانبه، فما عليه إلا أن يقفز قفزة واحدة، لتلتقطها كفه بسرعة لسان ضفدع، ينادى والزوجة بدورها تفهم أنه بحاجة لأن يودع كلمته صندوق السر.
المرأة التى عرفت كيف تكون زوجة لرجل كهذا، كانت تعرف أنه سيأتى يوم يجف فيه العالم من حوله من كلمات يستطيع لسان الضفدع أن يقتنصها، كان ذلك بالنسبة لها إيذاناً بموت الزوج أو خروجه دون رجعة، فكان خروجه دون زاد أو زواد، أو زوجة، أو كلمات، أو رداء سلطان. صَرَّحَتْ لأهله أنها لم تفتح صندوق أسراره، وأن أوراقاً كثيرة بداخله تحتاج من يبحث عن سرها. يفك طلاسمها.
تعترف المرأة أن رجلها فى يومه الأخير ضاجعها كما لم يضاجعها من قبل، كان جسده موشوماً بالكلمات، خريطة مشوهة، تخايلها الكلمات، تركض كأرانب برية صغيرة، تحسستها المرأة فيما كانت بلهفة تستر الجسد الذى أمتعها بحق، ترقيه. ترش حوله البخور. التعاويذ “من عين أمك واخواتك. من عين جيرانك. من عين كل من شافك ولم يصلِ على طه….”
أما صندوق السر، فقد فتحه غلام لم يبلغ الحلم، فى حضور من أتى من أهل الرجل وناسه، يبحثون فى إرث كلامه، على أن تَرُصْ الورقات بجوار بعضها البعض، بنظام محسوب لا يختل، امرأة خاصمها الطمث، فكانت الزوجة هى من تستحق بجدارة أن تقوم بمهمة كهذه، كانت الكلمات بين يديها تسرد فضائح خفية، جعلتهم يبارزون بعضهم البعض بالنقائص والعيوب، تهدم الزوجة ترتيب الورقات، ترصها من جديد. تسرد الكلمات وثائق تُفْصِح عن أموال منهوبة، فيتربص البعض بالبعض، تكشف الكلمات عن مؤامرات حِيكَتْ وأخرى لم تُحَكْ فكادوا أن يلتحموا، وعندما بدأت الكلمات تسرد بفصاحة سيرة كل واحد منهم، تلقت الزوجة- وهى تمارس لعبتها فى هدم ترتيب الورقات ورصها من جديد- طعنة غادرة، اليد الخفية التى كانت تحمل النصل- فى تزاحمهم الهمجى- كانت أسرع من لسان ضفدع، أسرع بكثييير….

*كاتب مصرى

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق