قراءات ودراسات

رواية ‘’الخالدون‘’ : الموسيقى كمرآة للفلسفة للهندي أميت شودوري

عثمان بوطسان*

’’الخالدون’’، رواية نادرة تُرجمت إلى الفرنسية للكاتب الهندي أميت شودوري تحت عنوان
’’ Les Immortels”. يقدم الكاتب في هذه الرواية رحلة موسيقية ومجتمعية في الهند في الثمانينات من القرن الماضي. تحمل الرواية مجموعة من المفاتيح القيمة لفهم ثقافة وتقاليد هذا البلد الغني لغويا ودينا وثقافيا.
تدور أحداث الرواية في مدينة ’’بومباي’’ في الثمانينيات حول شخصية تدعى شيامجي، ابن مغني كلاسيكي، تم إحضاره لتقديم دروس في الغناء لماليكا سينجوبتا. زوج ماليكا، يدعى أبورفا وهو مدير أعمال معروف. إن اللقاء بين عالم الفن وممثليه لمختلف الاتجاهات الموسيقية والأعمال التجارية سيؤدي إلى تبادلات مثمرة. خاصة عندما يقرر نيرماليا، الابن المنتمي لعائلة سينجوبتا أخذ دروس في الغناء.
يرسم شودوري صورة بلاده بطريقة مخلصة ومعقدة لا تقل عن قيمة الهند الثقافية والفنية. فقد ركز في روايته على الاختلالات الاجتماعية التي تتميز بها مدينة بومباي، المدينة المتلألئة حيث الاختناقات المرورية المستمرة والعشاء الأنيق في المطاعم الفاخرة. لكن يتحدث أميت شودوري قبل كل شيء عن الموسيقى وأساليبها المختلفة : بعضها يُعتبر “شعبيًا” ولا يستحق تعليمه، والبعض الآخر يطلق عليه ب”الكلاسيكيات” مع النجوم البارزين الذين يغنون ويسعدون المتذوقين. خلف هذه الثقافة، لم تعد سينما بومباي (بوليوود الشهيرة) بعيدة عن الأنظار، حيث تعشق ماليكا أغاني أحد أفلامها المفضلة. ما يميز هذه الرواية ، هو تطرقها الى العلاقات الاجتماعية المعلنة وغير المعلنة، والدقة التي اعتمدها الكاتب في وصف التبادلات بين أفراد الطوائف أو الطبقات الاجتماعية.

أميت شودوري موسيقي غير عادي من البنغال، عاش في بومباي لفترة طويلة قبل الهجرة إلى إنجلترا من أجل الدراسة. بدأ العمل كمطرب موسيقى هندوستاني كلاسيكي لمدة تزيد عن ال 20 عامًا، وقد ذكر أن ذكرياته الأولى من الاستماع هي ذكريات موسيقى البلوز والروك والجاز، عزف على الجيتار خلال السبعينيات، وعندما تحول للموسيقى الهندية، قام بذلك بطريقة جذرية، حيث أدار ظهره لكل شيء في آواخر الثمانينيات، حيث برهن عن وجود تقاطعات بين الموسيقى الغربية والهندية، في أوجه التشابه الهيكلي على سبيل المثال بين النطاقات الخماسية من البلوز وتلك الموجودة في موسيقى الراغاس. لمواجهة موسيقى القرن العشرين الهندية الغربية والتقليدية، تجاوز شودوري نقاط تقاطع الطرق بين الغرب والهند ووجد مساحة جديدة من خلال الاشتغال على الموروث الموسيقي ومحاولة تجديده وتغييره في اتصاله مع باقي الفنون الموسيقية الأخرى. يكتب أميت شودوري عن الموسيقى بالدرجة الأولى: في رواية ’’راجا بعد الظهر’’ (2005) يتذكر الراوي الذي يعيش في أكسفورد معلمه القديم الذي علمه الموسيقى مع والدته. وفي رواية ’’الخالدون’’، ظهرت الموسيقى كعنصر أساسي في روايته للتطرق للمستقبل الهندي. هنا يستحضر شخصيات ساتياجيت راي وأيضًا شخصية رافي شانكار.

بدون وجود الموسيقى، يعرض لنا الكاتب الأشياء على شكل من الأوساخ : يتم تسليط الضوء على الفقر من خلال أدلة دامغة، وتلميحات دوامة العرق داخل المستشفيات المشبعة والمكتظة. بهذه الطريقة يصور لنا شودوري مدينة بومباي في الثمانينيات. بومباي المدينة الهائلة التي تخنق الشخصيات تحت شمسها ورائحتها، ولكن من أجلها يكشف لنا الكاتب تقاليدها وفنها. تُتَرجم ممارسة الغناء بهذا المعنى، كرامة الواقع الذي لا يستسلم لثقل جراثيمه. ومع ذلك، فإن الأغنية لا تملك قيمة البوق ولا قيمة البؤس؛ الغناء التقليدي الهندي هو في الأساس إحياء للأساطير التي يمكن أن تكون بمثابة معالم في التعليم الذاتي، أي أنها تشير إلى إمكانية تحقيق إنسان واحد في قلب هذا العالم المضطرب.
إن الحداثة الزاحفة التي استولت على بومباي فرضت نوعا من الصوتيات التي اختبرت ذاكرة الأغنية الهندية التقليدية. يطرح شودوري سؤالا مهما : هل من الضروري أن نكون فنانين أم نجوماً؟ في هذه الحالة، هل يجب أن نستثمر الأفكار القديمة أو نفرض أرصدة الأفلام السينمائية التي تميل للنوع الغنائي، حتى على أغلفة الألبومات ذات السحب الكبير؟ تقدم رواية ’’الخالدون’’ بالتالي خيارين للخلود: من ناحية، هناك البحث عن “الحديث” بين القدماء المعرَّضين لخطر ممارسة الفنون السرية، ومن ناحية أخرى، هناك البحث عن الأصالة للوصول إلى القيمة المطلقة.
يمكن للقارئ ملاحظة أن مشكلة التعليم تمر عبر الرواية من البداية إلى النهاية، وتتضح من خلال الفن الموسيقي، وخاصة الغناء. من الناحية المثالية، يجب أن يتعارض تناغم الموسيقى مع تنظيم الروح، لتستقيم العيوب الصغيرة ومحو التناقضات الخفية قدر الإمكان. هذا المنظور من التطهير الروحي والتناسق يعتمد على الأرجح على عازفي الهارمونيكا، الأداة الموسيقية التي يذكرها الكاتب عدة مرات في هذا الكتاب. يظهر التناغم كمحور اصطناعي للأرواح. غالبًا ما يكون لمعلمي الموسيقى الهنود تناغم يرافقهم في عملهم الخاص بالنقل. بناءً على هذا النموذج، بدأ شيامجي لال، ابن الأسطوري رام لال الذي تم ترقيته إلى منصب “بانديتجي”، في تعليم الغناء لعائلة سنجوبتا، وخاصة لنيرماليا حتى يتمكن من الاستيلاء على الشكل الذي من المحتمل أن تدخله الموسيقى في الوجود. أما بالنسبة للأب، أبورفا سينجوبتا، فهو لا يهتم بممارسة الغناء، لأن وظائفه البيروقراطية متناقضة في جوهرها فيما يتعلق بهذه الثقافة.
رواية ’’ الخالدون’’ هي رواية عائلية، لأنها تتطرق لمشاكل عائلة سينجوبتا، سيكون هناك دائما بين الأب والابن، تضارب في القيم والأفكار. يتم تناول هذه المعارضة ببطء، على غرار تناول مشاكل طبقين متشابهين من الناحية الكمية، لأنهما غريبان نوعًا ما عن بعضهما البعض. لذلك عندما يعلن نيرماليا عن نيته في دراسة الفلسفة، يُلاَحظ أن هناك غياب للاحتجاجات أو التدخلات العائلية. وفي مقابل النجاح الموضوعي للأب، يقترح نيرماليا بناءًا فرديًا، ويصبح موضوعه المفضل هو الوجود بعد أن لمس الأفكار الفنية لبينديتو كروس. على الرغم من أنه يحاول ادعاء الغرابة، الا أنه نتاج لنفس “البيئة” ، أي أن طريقة عيشه في العالم تعتمد أولاً على الأحياء التي يعيش فيها. بدلاً من التراكبات النظرية التي يسعى إلى دمجها مع حياته اليومية. أثار تشودوري أهمية الأحياء في مومباي. من وجهة النظر هذه، سيكون من الضروري أن يتأثر نيرماليا من منطقة إلى أخرى، وفقًا للترقيات العائلية والمجتمعية، حتى يبدأ الملك الطفل في النهاية في فهم الأفكار التي يتبناها لإدراك الصدى الموجود بداخله. كما أنها رواية تعليمية تربوية، فبعد أن وصل نيرماليا إلى مرحلة من الانكماش الأسري الحقيقي، سيتخذ من الفلسفة أداة للتعلم والنقد. سيدرس الجاذبية والوجود لِيُكون تصوره الخاص. فقد كان تصوره للحياة في البداية نرجسي نوعا ما.

تتطرق الرواية أيضا، لمسألة الفن والصراع الطبقي. فراوي الرواية يؤكد على وجود صراع بين الطبقات من خلال المقارنة بين فنون الأثرياء والفن الكلاسيكي. ومن هنا يجب أن نتساءل عما إذا كانت فلسفة المدرسة، في الهند خلال هذه الحقبة الزمنية، لم تكن في نهاية المطاف ترفًا لفئة أعلى، وما إذا كانت ممارسة فن كلاسيكي، في هذا الترتيب للأفكار، يساء استخدامه في جماليات الحقبة المعاصرة، بحيث لن تكون له حقوق محفوظة على قدم المساواة أمام “الصوفيون” الأثرياء. علاوة على ذلك، فإن مثل هذا الإسقاط يجعل من تشودوري مُؤلفًا متمردًا، مما سيساعد في فتح بعض الناقشات وهذا ما يشجع القارئ على قراءتها بشكل أفضل.
يمكن القول، أن الموسيقى مشكلة حقيقية لأنه يتم إعادة توزيعها في أي وقت، من فيثاغورس إلى يومنا هذا. فيما يتعلق بالرواية، فإنها تأخذ جانبًا من سؤال مزدوج: كيف تُنقل الموسيقى من جيل لآخر؟ أو من هو “الخالد” في الموسيقى؟ على الأرجح ، يخبرنا تشودوري أن الموسيقى تحتوي على معلم ديناميكي لأنه يشير إلى ذكر شيء أساسي (نيرماليا يتذكر المعرفة العميقة بمجتمعه خلال رحلته الإنجليزية). طالما كانت نظريات التعليم الغربية تقدر دائمًا العودة إلى القدماء من أجل ’’الهام’’ أفكارنا بشكل أفضل، فإن الموسيقى بقدر ما تُرفض في الهند تعتمد على قاعدة أسطورية شاسعة، مثلما كانت في القِدَم. يفترض هذا الأساس الأسطوري ميلًا ثابتًا للاستماع، مما لا شك فيه أنه حفر حقيقي للأذن الداخلية يمكن أن ينتقل من أصوات الأوركسترا المغامرة إلى آلهة التقليد. يمكن تفسير هذا اللجوء إلى الأساطير على أنه مقاومة للجمهور الحديث الذي يبدو أنه يزعج جميع الشخصيات في رواية ’’الخالدون’’ دون استثناء، والمنافسة الشرسة بالنظر إلى عدد الطامحين. في هذه الحالات، من شأن عودة الوصفة الموسيقية إلى المصدر أن تخفف من عدم التناسب بين الجمهور (سواء كان هنديًا أم غربيًا) ، مما يلمِّح إلى إعادة تعليم الفرد وإمكانيةً لتوليد روح حقيقية متناسقة. لذلك، ليس من قبيل الصُدفة أن يبدو أن الأفراد الذين يشكلون شخصيات “الخالدون” تغمرهم التوترات الداخلية في الموسيقى. معظمهم ما زالوا غير قادرين على تذكر أنفسهم أو يرغبون في الترحيب بمثل هذه الذكريات، باستثناء نيرماليا الذي تمكن من خلال الاتصال المطول مع الشخص الغريب، من الخوض في بعضٍ من ذكرياته الهندية الأكثر حميمية و الأكثر انفصالا عن الجموع والارتباك. في وقت من الأوقات، لم يحصل شيامجي، الذي تم نفيه مؤقتًا إلى لندن، على نفس التجارب التي اكتسبها نيرماليا. يكمل هذا الخلاف في إشكالية علاقة الشخصيات بالموسيقى. ليس من الضروري بالضرورة أن يذهب بعيدًا إذا أراد المرء أن يسمع. بالتأكيد شيامجي تذكر ما هو أساسي في الماضي من وجوده. ببساطة، لم يفهم بعد ما يعرفه عن نفسه، أو أنه لا يشعر بأنه مستعد تمامًا لفهمه. هناك فكرة عن هذا، ولكن الأمر متروك للقارئ لتكوين رأي آخر خاص به.

​*باحث في الأدب الأفغاني المعاصر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق