ثقافة المقال

تعريفات، شذرات وحكايات

فلسفة مبسطة - جزء١-

نبيــل عــودة

مدخل

موضوع الفلسفة هو أكثر المواضيع التي يقف امامها الجيل الناشئ، واكثرية الأجيال بما فيهم الكثير من المثقفين، موقفا سلبيا بظن انه موضوع بلا مضمون وبلا ارتباط بواقع الحياة. وان الفلسفة أقرب للثرثرة التي لا تغني ولا تسمن .. ربما مجرد ابحاث لا تزود الانسان بأي جديد، وبأثر ايجابي على تفكيره وتطوير قدراته الذهنية. والمؤسف ان الكثيرون من اصحاب المقدرة العقلية لا يألون جهدا في فهم المضامين الفلسفية وأثرها على التفكير وتطور كل مجالات الحياة في المجتمع الانساني. هل هي التربية الخاطئة، هل هو اسلوب التعليم الذي يفتقد للكثير من المركبات الضرورية لخلق انسان المستقبل؟ مختلف دول العالم المتنور اقرت الفلسفة ضمن برامجها التعليمية. نحن في الشرق نصر ان الدين هو المركب الفكري الضروري. لا بأس من فهم مضمون الدين، لكن المضمون الأخلاقي والانساني وليس المضامين التي ترى بكل مختلف دينا وطائفة وفكرا عدوا يجب القضاء عليه.
تاريخ الدين في القرنين الأخيرين، العشرين والحادي والعشرين، هو تاريخ مليء بالدماء والآلام لبني البشر. بحساب بسيط، شكل الدين بالأسلوب الذي ساد كارثة للشعوب العربية والشرقية وطال العديد من الدول الأجنبية. لا أحد ينكر ان الغرب الاستعماري ترك بلادنا قفرا من التطور. عمق التطرف القومي والديني. ترك لنا دولا هي مهازل، وانظمة حكم تعمق أزمة الشعوب العربية، تنهب ثرواتها، وهذا سينعكس بطريقة لا يمكن توقع مدى مأساويتها الكارثية على مستقبل المجتمعات العربية.
في هذه الشذرات والنصوص التي جمعت بعضها وصغت بعضها الآخر، بناء على عشقي للفلسفة ودراستي لها واهتمامي بشرحها وتبسيطها، من رؤيتي انها ضرورية خاصة لأبناء جيل المستقبل، وذلك عبر سلسلة مقالات تحت عنوان “فلسفة مبسطة” ظهر منها الكتاب الأول واعمل على اعداد الكتاب الثاني، ويمكن للمهتمين ان يقروا النصوص عبر البحث في غوغل، وقد دمجت بالمواضيع الفلسفية، قصصا ساخرة معبرة عن المضمون الفلسفي، وهو اسلوب اتبعه استاذي الروسي، حين درست في الاتحاد السوفييتي السابق .. قربنا هذا الأسلوب من عشق الفلسفة واشغال عقولنا بربطها بالواقع الانساني.
هذه نصوص وشذرات فكرية وفلسفية .. استغرقني العمل على صياغتها وقتا كبيرا. هدفي منها ان افتح اطلالة هامة على المضامين الفلسفية، لعل ذلك يدفع البعض للاهتمام الجاد بالفلسفة، ولعل العالم العربي يقر هذا الموضوع ضمن برامجه التعليمية، ولكن بتحرير الفلسفة من أي مركب اسطوري او خرافي او ايماني مغلق. وما أعرفه ان تونس فقط، ومنذ عهد الحبيب بورقيبة، جعلت موضوع الفلسفة ضمن برامج التعليم .. بينما دولا اخرى لا تعطي للموضوع نفس القيمة التي سادت التعليم التونسي.

من دفتري الخاص: حكايتي مع الفلسفة
شاركت وانا في نهاية المرحلة الابتدائية، بدورة دراسية فلسفية في اطار الشبيبة الشيوعية في الناصرة، سحرتني الفلسفة، من يومها صرت اسيرا للفلسفة وبت استعمل اصطلاحاتها في تفسيراتي للكثير من مواضيع الدراسة، أحيانا بلا فهم كامل لمضمون الاصطلاح، بسبب ذلك انتقدني احد المعلمين بقوله ان الكتابة والحديث عن الفلسفة لا تخدم ثقافة الجيل الناشئ، لأنها ثرثرة بلا مضمون..
لم اكن على دراية كاملة لأعرف كيف ارد عليه. لكني رفضت رأيه، وقلت ان الفلسفة هي في صميم التفكير ومجمل العلوم. فلم يجد من جواب الا ان يسخر مني ويُضحك بعض زملائي الطلاب بوصفي ب “الفيلسوف الذي لا يفقه ما يقول ويعيش بأحلام بعيدة عن الواقع”. ونصحني ان اعود الى عقلي ووعيي، وان اهتم بدروسي وابتعد عن الفلسفة والثرثرة.
اعترف اني غرقت بالصمت والتفكير لفهم عقلية مربي أجيال يجهل قيمة الفلسفة بخلق جيل حر ومفكر ومتحرر من الخرافات والأوهام.. لم اكن قادرا على تفسير موضوع الفلسفة كما شرحه لنا المحاضر.. بتأكيده ان الفلسفة ضرورة لجيل ينشد العقل والعلم والمعرفة من اجل احداث نهضة فكرية واجتماعية وعلمية في مجتمعنا الذي يعاني من ظواهر مقلقة من التطرف الديني المناقض لفلسفة الدين، ومن الجرائم التي ترتكب بمجتمعنا والتي اراها نهجا غير نظيف يلقى التجاهل النسبي من السلطة، ومن القصور الرهيب في التربية السليمة!!
بعد ان حثني المعلم وهو يضحك من جهلي (بالأصح استفزني مرات عديدة) ان اجيب على ملاحظته، قلت له باختصار: من اجل مستقبل طلابك قدم استقالتك من التعليم!!

عبس وتجاهلني!!
بالتلخيص، شكرا لذلك المعلم الذي جعلني احول الفلسفة الى موضوعي المفضل، تركت دراسة هندسة الميكانيكيات بعد سنتين من الدراسة ، واتجهت لموسكو لدراسة الفلسفة في المدرسة الحزبية، وأخطأت اني لم اواصل الدراسة الجامعية للحصول على اللقب الجامعي لأني كنت متحمسا ان انقل ما تعلمت للكوادر الشبابية!!

 

يتبع

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق