ثقافة السرد

بلا وجوه.. بلا أقنعة!!

نور الجندلي

نظر إليَّ بطريقة غريبة، شيء من جمودٍ في عينيه، مصحوباً بسخط مبهم، فتجاهلت نظراته، وتابعت العبث مع القطة، فأرسلتها إليه لعل شيئاً من سحرها يصيبه فيتوقف عن العبوس. واستجابت بوسي فأسرعت إليه تسعى بودّ، تموء تارة، وتتمسح بقدميه وكأنه صديق قديم منتظرة منه تجاوباً، لكنه أزاح قدميه بقرفٍ، وتمتم بكلمات توقعت أنها شيء من هجاء، وخرج مسرعاً من المطبخ ممسكاً بفنجان قهوة لم يستطع ابتلاع شيء منه إلى جوارها. عجبتُ لحاله مع هذا الكائن اللطيف، لماذا باتت غير مرحب بها مع أنها تشغل وقتي، وتأخذ الحيز المطلوب من فراغي، هل لأنها ببراءتها تُشبه الأطفال وتذكره بهم، أم تراها ستشعره أمام الجميع بضعفه ونقصه كما يتخيل، لكنني قنعت بوجودها قربي ولم أعقّب لئلا أحدث شجاراً في لحظة من لحظات سعادتي فاكتفيت بالصمت. لم يكن قرار اقتنائي للقطة أمراً عبثياً، فقد شعرت بحاجة ماسّة لصديقة تملأ عمري بالابتسام، أبوح لها بأحزاني دون أن أتحرج، وتنصت هي لمشاعري دون أن تقاطعني أو تعترض، كان ذلك أجمل قرار اتخذته منذ سنين طويلة، قضيتها بين جدران بيتي العالية وحيدة ألوكُ الحزن والهمّ، وأعيش على أمل التغيير. منذ وقت قريب تحسست جرحي، فوجدته عميقاً، وكان لابد من علاجه وإنقاذ نفسي دون أن أتصنع أنني بخير، لكنه كان مغرماً بفكرة التصنع تلك، وأنا للأسف لا أجيد إلا أن أمثل الواقع بكلّ تناقضاته. ظنّ أنني أمتلك قلباً كقلبه، يمكنه الصمود، والتجلّد على الجراح، وبأنه يمكنني أن أدوس على ألمي، وأتصنع الفرح. وظنّ أيضاً أن هنالك أشياء يمكن أن تسعدني وتنسيني حلم الأمومة الذي يؤرقه أكثر مما يؤرقني، فأتى بحاسوب مزود بخط إنترنت لعل بإمكاني أن أسلو عن وجعي كما تفعل الأخريات، وسجّلني في سلسلة متتالية لتعلم الحاسوب، وأقنعني أن أزيد ثقافتي اللغوية، فعدت طالبة من جديد في معهد تعلم الإنجليزية والفرنسية، ولما حصدت بعض الشهادات همس لي أنه يحب اللغة الإيطالية والأسبانية، وبأنه قد يجوبُ معي العالم يوماً، لنتحدث مع كلّ الشعوب بلهجاتهم، ونعرّفهم على أنفسنا ونتراسل ونتواصل من بعيد مع كلّ الغرباء، وأنا لم أكن مغرمة إلا بلغة واحدة هي لغتي، ولم أحلم بالابتعاد ش براً عن وطني، ففي داخلي رغبة جموح لأن أعود كما كنت طفلة، أجوب الشوارع وأحادث المارة، وأمازح الأطفال، وألهو معهم دون قيود.. لكنه لم يلتفت إلى حلمي، بل كان كالمجنون يخاف عليّ من النّسيم أن يحمل للناس همومي، من نظرة حبّ أرسلها إلى طفلٍ صغير أقابله في شارعٍ أو حديقة فيسبب حضوره في حياتي المتاعب، وأفاتحه بمسألة العلاج التي لم أفاتحه بها منذ أعوام، حتى بات الجلوس في الحدائق واستضافة أقاربي مع أطفالهم، أو زيارتهم من المحرمات. فالأطفال هناك قذرون، عديمو التربية والأخلاق، والأطفال عموما مزعجون، يثيرون العبث والفوضى في كلّ مكان، وباتت زيارة أهلي ضمن مواعيد رسمية ومرتّبة، لئلا أخلو بأبناء إخوتي وأخواتي، فيشتعل في قلبي اللهيب، ويحترق هو ببقايا دمعي. وكم تمنيت إخباره أنني أحبّ الأطفال في كل أحوالهم وأشكالهم، في عبثهم وضجيجهم، في لهوهم ومرحهم، وكم أحبّ الطفولة فيه، وأكره أنانيّته! عشرة أعوام مضت كلمح البصر، فتشت فيها عن لحظة لقاء واحد بيننا، تحضره الصراحة والوضوح، عشرة أعوام لم يدع لي مجالاً فيه لأن أخبره بأنني سعيدة بالزواج منه دون أطفال، وبأنني لن أفكر بالطلاق يوماً لهذا السّبب، لكنني لن أبقى سعيدة أبداً في حياة مغلفة بالعقد والأقنعة والأوهام. في ذلك المساء… نظرت إليه، كان نائماً على الأريكة، مستغرقاً بأحلامه، أو مغيباً عنها بشيء من أوهامه. فكرت طويلاً أن أوقظه، وأواجهه بصندوقي الأسود الذي انتشلته من أحلامي المحطمة، لعله يعثر من خلاله على حقيقة رغبتي بأن أعيش حرّة، أعيش حياتي كما هي بجمالها، أقنع بما لديّ، دون أن أتوارى خجلاً من الناس من ذنب لم أقترفه، ولم يقترفه أحد، لأنه ليس ذنباً بالمطلق. لكن مصادرته لأحلامي هيمنت على لغتي، فالتحفت الصمت، وعدت إلى قطتي الصغيرة ألاعبها بكرة الصوف الزرقاء التي فاضت من كنزة نسجتها له بيديّ وقدمتها عربون مصالحة، ورشوة لقبول بوسي.. لعبنا يومها حتى تعبنا، ونامت هي بأمانٍ تحت قدميه وقد نسيت كرهه لها، واستسلمتُ لنوم هانئ افتقدته منذ زمن. استيقظت في الصباح الباكر فلم أجده، ولم أجد بوسي… جُنّ جنوني، وأيقنت أنها لن تعود، اتصلتُ به أحاول كظم غيظي، فأخبرني أنها تبعته وضاعت منه في أحد الشوارع الفرعيّة، قال لي…” انسي الأمر، وأعدي حقائب السّفر، لنرحل معاً في رحلة إلى مكان جميل منعزل عن كلّ البشر”.. هيأت حقيبتين، واحدة وضعت فيها رسالة حب، وكنزته الصوفية الزرقاء بلون السّماء، تذكار التفهم الراقي ومفتاح التفاهم بيننا، أقفلتها بعناية، وأقفلت معها صفحة حزني، وفي الثانية حزمت حقائبي، ومضيت أخترق الشوارع، أغوص في زحام اشتقت إليه، أقبّل كل طفلة أو طفل أقابله، أو أعبث بشعورهم بمودّة، ورحت أسير حتى غابت الشمس، وما انطفأت في قلبي رغبة السير مجدداً على أضواء مصابيح المدينة الحالمة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق