ثقافة المقال

إسلامــوفوبــيا إعلامية مضادة!

د. مصــطفى غَــلْمَـان

لماذا تخجل بعض وسائل الإعلام الوطنية والعربية وصف حادث مذبحة مسجدي كرايست تشيرتش النيوزيلندية التي نفذها يميني متطرف أسترالي بالعملية الإرهابية؟
جوقة المطبلين من إعلام حكام العرب المتأبدين، تنكروا لالتزامات الخط التحريري المحايد، وركبوا موجات دعاة الترامبية الجديدة، معلنين أن الحادث الإرهابي الذي اعتبرته الحكومة النيوزيلندية عملية إرهابية مكتملة الأركان، ليس سوى عمل منفرد قام به شخص مجنون؛ وهو وحده من يتحمل وزر وقوعه ؛ وليس ما يدعيه أصحاب نظرية الاسلاموفوبيا وكراهية الوجود الإسلامي المتصاعد في الغرب؟!
المثير هو انقسام الحلفاء الخليجيين العرب ومصر في موقعة التحليل السياسي للظاهرة إياها . فبينما تلح الشرذمة المناصرة لوصف الظاهرة بالفهم الخاطئ للإسلام وتأسيس ذلك على حدود لا تتجاوز الأفراد والعقليات المحدودة، دون الاستناد إلى ما يثبت التأويل المخل للفهم إياه، تتشبث الفئة المخالفة بوجود جذور تاريخية للكراهية والعداء المعلن. متماهية مع النزوع الشديد نحو تعميق روح الاسلاموفوبيا في المجتمعات الغرببة، بل وتمويلها ونشرها على نطاق واسع.
الغريب العجيب أن تتورط بعض التيارات السياسية اليسارية في تأليب الإعلام على العمليات الإرهابية ضد المسلمين، بالسكوت أحيانا والمؤامرة أحايين أخرى ، وبالتحليل السياسوي الفج الذي لا يرقى لمستوى العقلانية والمنطق اللذان يدعوان إليهما في كل الأدبيات والمسلكيات الخطابية التابعة والمتبوعة.
وهنا يمكن الإشارة لبعض يومياتنا الصحفية المأسوف عليها. إنها تعاملت مع حدث إعدام خمسين مسلما تتراوح أعمارهم بين 7 و77 سنة وجرح ما لا يقل عن أربعين آخرين؛ كأنه حادث عابر يتعلق بمسألة قضاء وقدر. وهو تعبير عن نزعة سيكوباتية دفينة، ترتبط بالهوية الأيديولوجية الثقافية والسياسية المريضة.
ولو استعجلنا النظر في اقتدارية هذه الإرادة الحقودة لتحقيق جزء مما يكال للمظلومين والمضطهدين من أي الأعراق والديانات والكيانات الصغيرة والقبليات المنتهكة حرماتها، لتكون محط عناية إعلامية مهنية منصفة ورحيمة لزاغت وانتصبت عداء ومباغتة واستغفالا لا مبررا.
وقد رأينا بأم أعيننا كيف تم تغطية أحداث انفجارات وعمليات دهس باريس وستوكهولم ولندن وبرلين؟! وكيف وصفت أصحابها بالمسلمين الارهابيين ؟! وكيف طالبت بإعادة تجديد الدين وإقامة الحد على نصوص من كتاب الله وسنة الرسول ؟!.
إن تزييف الخير في وسائل الإعلام جزء من الوعي الغربي، ومنظومة لا يمكن تغطيتها بالتكريس الفوقي للطهرانية الملتبسة، وبالمناورة المدسوسة والكيل الأخلاقي غير المبرر.
نحن اليوم أمام ظاهرة التخوين والتخوين المضاد، تسترد فيها ثقافة التمييع والهبوط الأخلاقي أدوارا هي في مقدمة الظاهرة الأكثر حضورا في تقاليد الباراديجم الإعلامي الأقل استبدادا والاقرب ديمقراطية في تحويل النقاشات الراهنة إلى ساحة حروب ومواجهة.
أفلا ينظر أصحاب المشاريع الإعلامية، ساسة كانوا أم أصحاب مشاريع ربحية إلى أن طفرة إنسانية في ومضة الشذوذ الظلامي المهول الذي ينتشر بسرعة البرق، تستطيع أن تضبط إيقاع الضمير الأخلاقي وتعيد تحويل البيانات الخرقاء الى متون ضافية تفسح المجال للعقل الباطن، أن يحد على الاقل من وحشية التزييف وغباء التحريف، في انتظار بزوغ زمن جديد ينعم فيه البشر بحد أدنى من الكذب وتعبيد الركوب على أمواج الغدر والفتنة والجحود بأقل الخسائر!.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق