قراءات ودراسات

التكرار وجمالياته النص الأدبي

د. عاصم زاهي مفلح العطروز

التكرار وجمالياته في النص الأدبي
يعد التكرار أحد أبرز الظواهر اللغوية البلاغية الأسلوبية التي امتاز بها الشعر العربي قديماً وحديثاً. ولا ريب، فهو يتضمّن إمكانيّات تعبيرية بها يَغنى المعنى؛ إذ يتّسع؛ فيكتسب دلالات كثيرة. كما أن فيه جماليات فنية ينفرد بها عن كثير من الظواهر الأسلوبية، وفيه كذلك إيقاع موسيقيّ وتأثير نفسيّ لا يخفى أثرهما في نفس المتلقي. ولقد أدرك النقاد والبلاغيون هذه القيمة للتكرار، وهذه الأهمية له في الأدب عموماً، وفي الشعر على وجه الخصوص. فهذا ابن الأثير يصفه بقوله: ” واعلم أن هذا النوع من مَقَاتِل علم البيان، وهو دقيق المأخذ…”().
وقبل الشروع في بيان جماليات التكرار في النص الأدبي، فقد رأى الباحث من لوازم تمام البحث واكتمال الصورة أن يقدّم لها بدراسة مقتضبة يعرض فيها ماهية التكرار لغة واصطلاحاً، ويلقي على هذه الظاهرة اللغوية نظرتين: تراثية، يبسط فيها أقوال النقاد والبلاغيين من علماء السلف، ومحدثة معاصرة، يتحدث فيها عن آراء النقاد والدارسين المحدثين حولها، ثم يدلي بدلوه كما أدلى كثير من الدارسين بدلائهم؛ فجاءت مملوءة طوراً، ورجعت بحمأة وقليل ماء أحياناً. فيقول:
التكرار لغة: الرجوع. جاء في اللسان: ” الكرُّ: الرجوع، والكرُّ: مصدر كَرَّ عليه يَكُرُّ كرّاً وكروراً وتَكراراً: عطف، وكَرَّ عنه: رجع، وكَرّرَ الشيء وكَرْكَره: أعاده مرة بعد أخرى، والكَرُّ: الرجوع على الشيء، ومنه التَّكرْارُ “(). كما عرفه الشريف الجرجاني بقوله: ” التكرار هو عبارة عن الإتيان بشيء مرة بعد أخرى”()..
وإذا كان هذا هو المعنى اللغوي، أو المعاني اللغوية للتكرار، فإن المعنى الاصطلاحي له هو: ” الإتيان بعناصر مماثلة في مواضع مختلفة من العمل الفنّي. والتكرار هو أساس الإيقاع بجميع صوره؛ فنجده في الموسيقى بطبيعة الحال، كما نجده أساساً لنظرية القافية في الشعر” ().
ولقد حظيت ظاهرة التكرار باهتمام النقاد والبلاغيين العرب القدامى، وكانت موضع عنايتهم. وكان من أهم بواعث اهتمامهم بها ورودها في مواضع كثيرة في القرآن الكريم، فشرعوا يفسرون دلالات هذه الظاهرة ضمن السياق القرآني، ويعلّلون ورودها في كل موضع وردت فيه.
وطبيعي أن يختلف استعمال القرآن الكريم للتكرار عن استعمال غيره له؛ من حيث إن التكرار في القرآن الكريم محكم ذو وظيفة بيانية بلاغية وقدرة إعجازية. يقول ابن الأثير: ” وليس في القرآن مكرّر لا فائدة في تكريره، فإن رأيت شيئاً منه تكرّر من حيث الظاهر فأنعم فيه النظر إلى سوابقه ولواحقه لتنكشف لك الفائدة منه”() .
وكان الجاحظ (ت 255ه) من أوائل النقاد الذين ألمعوا إلى أسلوب التكرار -أو الترداد كما يسمّيه- في القرآن الكريم؛ حيث قال: ” وقد رأينا أنّ الله عز وجل ردّد ذكِر قصة موسى وهود وهارون وشعيب وإبراهيم ولوط وعاد وثمود، وكذلك ذكِر الجنة والنار، وأمور كثيرة؛ لأنه خاطب جميع الأمم من العرب وأصناف العجم، وأكثرهم غبي غافل، أو معاند مشغول الفكر ساهي القلب”(). ثم جاء ابن قتيبة (ت 276ه)، فذكر أن التكرار هو من مذاهب العرب، وأنه يأتي للتوكيد والإفهام().
ومن ثمّ أخذت ظاهرة التكرار تحتل مكانة مهمة لدى النقاد والبلاغيين العرب؛ فقد توسعوا في تناولها، وأفردوا لها أبواباً مستقلة في مؤلفاتهم، وصار لكل منهم نظرته الخاصة، ورأيه المستقل الذي يتعلق ببواعثها ومواضعها وأساليبها؛ فقد عقد ابن رشيق القيرواني (ت 456ه) باباً للتكرار في كتابه العمدة؛ عرض فيه لأقسامه وأغراضه وأساليبه. وقد ابتدأ الحديث عن هذه الظاهرة اللغوية بقوله: “وللتكرار مواضع يحسن فيها، ومواضع يقبح فيها؛ فأكثر ما يقع التكرار في الألفاظ دون المعاني، وهو في المعاني دون الالفاظ أقل، فإذا تكرّر اللفظ والمعنى جميعاً فذلك الخذلان بعينه”().
وأفرد أسامة بن منقذ (ت 485ه) باباً للتكرار في كتابه البديع في البديع، غير أنّه اكتفى بإيراد الشواهد دون التعليق عليها، وكأني به أراد أن يدلّ على وجود تكرار المعنى في الشعر العربي، ليس غير().
وأطال ابن الأثير (ت 637ه) الوقوف على هذه الظاهرة اللغوية وأفرد لها باباً خاصاً في كتابه المثل السائر، وهو يرى أنّ التكرار يأتي في الكلام تأكيداً له وتشييداً من أمره، وأن من وظائفه الاستمالة والتنبيه().
فإذا ما انتقلنا إلى الدارسين المحدثين وجدنا أن ظاهرة التكرار قد احتلت لديهم، كما لدى الشعراء المحدثين مكانة أيّ مكانة؛ حتى لقد أسرف بعض الشعراء في استعمال هذا الأسلوب إسرافاً مبالغاً فيه أحياناً، وقد “عدّ بعض الشعراء هذا الأسلوب لوناً من ألوان التجديد في الشعر”().
ولقد ذهبت نازك الملائكة إلى أنّ أسلوب التكرار لم يتخذ شكله الواضح إلا في العصر الحديث، وأن معرفة العرب به كانت ضئيلة؛ تقول: “على الرغم من أن التكرار كان معروفاً للعرب منذ أيام الجاهلية الأولى، وقد ورد في الشعر العربي بين الحين والحين، إلا أنه في الواقع لم يتخذ شكله الواضح إلا في عصرنا”().
ولست أرى الأمر كذلك، بل إنني أرى قول نازك الملائكة هذا مرجوحاً ؛ إذ إنّ علماء السلف قد اهتموا بهذه الظاهرة اللغوية البلاغية الفنية وتتبعوها وأفردوا لها أبواباً في مؤلفاتهم، ودرسوها في القرآن الكريم على وجه الخصوص، وهم قد علّلوا ورودها فيه، وذكروا دلالاتها وأهميتها وقيمتها في العمل الأدبي. وقد نعتها ابن الأثير بأنها من مقاتِل علم البيان. ويقول محمد عبد المطلب: “والحق أن القدماء نظروا إلى التكرار من عدة زوايا، ومن ثم أخذ عندهم عدة أنماط، لكل نمط اسمه الخاص به، تبعاً لصورته الشكلية التي جاء عليها، وتبعاً للناتج الدلالي الذي يفرزه”()
إننا لا نستطيع أن ننكر أو نغفل جهود النقاد المحدثين ومدى عنايتهم ومبلغ اهتمامهم بهذة الظاهرة؛ فهم قد أطالوا الوقوف عليها وأمعنوا النظر فيها، وبسطوا الأقوال في جمالياتها اللغوية والصوتية، وتجلياتها الإيقاعية والنفسية، وأثرها في الأفئدة والنفوس؛ إذ إن لكل صوت دلالته، ولا يوجد هناك أصوات ليست بذات دلالة. “ومجيء هذا النوع في الشعر يزيد من موسيقاه؛ وذلك لأنّ الأصوات التي تتكرر في حشو البيت إلى ما يتكرر في القافية تجعل البيت أشبه بفاصلة موسيقية متعددة النغم، مختلفة الألوان”() غير “أنّ إدراك القيمة الإيقاعية للتكرار يعتمد على القراءة الصحيحة الجهرية لا القراءة الصامتة. أمّا القيمة الدلالية فتحتاج إلى تأمل في النص”().
إذن فالتكرار ذو فاعلية موسيقية وبنائية()؛ فهو “لا يقتصّر على الدلالة المرتبطة بالصيغة والتركيب في النص، بل يتجاوز ذلك إلى غاية مهمة؛ وهي المستوى الصوتي المرتبط بالبعد الإيقاعي المؤثّر في المتلقي، حيث تصيب المتلقي نتيجة الإيقاع المترتب على التكرار حالة شعورية مسيطرة على مشاعره”().
كما وقف بعض النقاد والدارسين المحدثين على وظائف التكرار وأهميته في العمل الأدبي، وأثره على المتلقي()؛ إذ يرى ماجد جعافرة أن من أبرز وظائف التكرار أنه يسهم في ربط أجزاء القصيدة؛ إذ يعمل على توحيد أجزائها وتلاحمها، فيجعل القصيدة كلاً واحداً().
كما وقفوا على الأثر النفسي الذي يتضمنه هذا الأسلوب؛ من حيث إنّ التكرار هو “أحد الأضواء اللاشعورية التي يسلطها الشعر على أعماق الشاعر، فيضيئها بحيث نطلع عليها”(). ويرى فهد عاشور أن التكرار “واحد من الأساليب التعبيرية الدقيقة التي تظهر بوضوح في نتاج الشعراء والأدباء على حدّ سواء. تشفّ عن أبعاد مختلفة في العمل الأدبي، وتعكس جوانب غنيّة فيما يتعلق بحضور الأديب وحالات تفاعله مع الأشياء من حوله باعتبار المادة الأدبية وثيقة الأديب وبصمته الدالة عليه في الوجود”().
ولا بدّ للدارس أن يلتفت إلى ما يتضمنه التكرار من قيمة ما، قد تكون دلالية محضة، أو إيقاعية صرفاً، أو تكون الاثنين معاً؛ فليس في كلّ تكرار جمال وخفّة، وليس كل مكرر يتضمن دلالات عميقة مقصودة؛ وإنّما يتجلى بديع التكرار عندما يأتي المكرر في موضعه، وحينما تكون الحاجة إلى التكرار ماسة، والضرورة إليه داعية.
ولبيان جماليات التكرار في النص الأدبي فلا بد لنا من الوقوف على نماذج منه، ولنختر مثلا من شعر أبي العلاء المعري، ولنتوقف عند تكرار للحروف؛ حيث يعد أبو العلاء من أكثر شعراء العربية استعمالاً لهذا النوع من التكرار؛ ولا ريب فإن لوازمه الدائمة في اللزوميات دليل على ذلك، “فلقد كان الشعراء قبله يلتزمون رويّاً واحداً، ولكنه رأى ذلك شيئاً سهلاً، وهو يريد الصعوبة والتعقيد فاشترط على نفسه أن ينظم على رَويِّيْن”(). ومن أشهر الأمثلة على هذا اللون من التكرار في شعره قوله:
يُنافِسُ يَوْمي فِيَّ أمْسِي تَشَرُّفاً

وتَحْسُدُ أسْحاري عَلَيَّ الأَصَائِلُ
هذا البيت من قصيدة له في الفخر، وفيه يقول إن الوقت الذي يكون فيه يشرف به؛ وعليه فإن كل وقت من الزمان يود أن يكون فيه دون سائر الأوقات؛ ولذا فإن الأوقات ماضيها وآتيها تحسد عليه اليوم الذي هو فيه. هذا ما أراد أبو العلاء قوله، فاختار حرفاً، أو قل صوتاً هامساً مهموساً هو حرف السين أو صوت السين، وكرره أربع مرات، أو في أربع كلمات، أو أربعة مواضع، وبإيقاعات متعدّدة، هي إيقاع الضمّ في (ينافسُ)، و(تحسُدُ)، وإيقاع الكسر في (أمسي)، والسكون: (أسحاري).
لقد بدأ البيت باستعماله الفعل (نَفِسَ)، وجاء بالمضارع منه، وزاد فيه ألف المفاعلة؛ ليدل بها على معنى التشارك، وأتبعه الاسمين الظرفين: يوم، وأمس، وأضاف كُلا منهما إلى ياء المتكلم. ومعلوم أنّ كلا الاسمين في هذا التركيب ونحوه هو في المعنى فاعل ومفعول في الوقت نفسه. ومعلوم كذلك أنه بمقتضى النحو ينبغي رفع أحد الاسمين على أنه فاعل، ونصب الآخر على أنه مفعول، مع أن كلّاً منهما في المعنى فاعل ومفعول، كما أسلفت.
وإذا كان التقديم أو التأخير في الجملة جائزاً إذا وجد أحد الدليلين: النحوي أو المعنوي، وإلا وجب الترتيب؛ فعدُّ الأولِ فاعلاً، والثاني مفعولاً، وإذ لم يك في هذا التركيب أيّ من الدليلين؛ ذلك لأن المنافسة يجوز أن تكون من الأول أو من الثاني؛ فاليوم ينافس الأمس، والأمس ينافس اليوم. كما أن إضافة كل من الاسمين إلى ياء المتكلم قد منعت ظهور حركة الإعراب؛ وعليه فإنّ المرجح هوّ الترتيب، وعد (يومي) فاعلاً، و (أمسي) مفعولاً.
وقد يجوز ترجيح العكس؛ استئناساً بعجز البيت، فالمعري جعل (الأصائل) فاعلاً، و (الأسحار) مفعولاً؛ فجعل السابق هو الفاعل؛ وإذا كان الأمس سابقاً اليوم، سبق الأصيل السحر جاز عدّ (يومي) مفعولاً مقدّماً، وعدّ (أمسي) فاعلاً مؤخراً.
كما أن المعروف المألوف المنطقي في مثل هذا المعنى أن يكون المشتركان، أو المتشاركان مجتمعين في الزمان والمكان، أو في الزمان وحده على أقرب تقدير، فأما أن ينافس الأمس اليوم أو اليوم الأمس، فأمر قد يبدو مستهجناً مستغرباً، وهو ما يمكن جعله في باب ما يعرف في علم الدلالة بـ (خرق العادة)، أو (كسر المتوقع).
لقد بدأ أبو العلاء بقوله: (ينافس)، فاستعمل، أو قل وظف حرف السين، أو صوت السين وهو صوت مهموس هامس؛ ليوائم بين همس هذا الصوت وهمس المتنافسين في المنافسة، أو همس المنافسة بينهما، وهما كذلك متنافسان معنويان أحدهما انقضى، ولم يبق له من أثر سوى همس الذكريات، وهمس نسائم الأثير الحاملة لهذا الهمس إلى النفوس والأفئدة قبل الأسماع والأبصار. وهو قد رجّع على هذه السين إيقاع الضمّ، فجاء الاستواء معه منسجماً متناغماً، متوائماً، واستواء المنافسة بين المتنافسيْنِ، أو استواء المتنافسيْنِ فيها.
ثم جاء بها هابطة وطيئة مع الكسر: (أمسي)؛ ليوائم بين ما يتضمنه الإيقاع الهابط والدلالة على الانصرام والانقضاء، وأتبع ذلك بالمفعول له: (تشرفاً)، فجاء الاستعلاء فيه مع الفتح منسجماً مع ما يتضمنه التشرف من معاني الرفعة والعلوّ والسموّ.
وجاء بعده بالسين ساكنة: (أسحاري) فاتّسق التسكين والهمس فيها مع نجوى السهارى، وهدأة السحر، وختم تكرار هذا الحرف بأن جاء به مع إيقاع الضمّ: (تحسُد)؛ ليلائم بين ما تقدّم من التنافس، وما تأخر من الحسد؛ فهو محسود دائماً، وهو متنافس فيه وعليه أبداً. كما جاء به ليوائم بين استواء الإيقاع مع الضمّ فيه واستواء أو تساوي الحسد بين المتحاسدين أو استواء المتحاسدين في الحسد؛ فهو إذ قال: إنّ (الأصائل) تحسد عليه الأسحار، فكأنما قال كذلك بأنّ الأسحار تحسد عليه الأصائل. كما ينبغي ألا يعزب عن الذهن هذا الإيقاع الحاصل من التناسق في التركيب بين قوليه: (ينافس يومي فيّ)، و (تحسد أسحاري عليّ).
ولقد جاء بياء المتكلم أو ياء الاحتياز في خمسة مواضع، ليس هذا مقام دراستها، وحسبنا أن نقول إنه جاء بها مناسبة وغرض الفخر. وإنني إنما أشرت إليها لأقول إنه قد أضاف نسبه الظروف في البيت إلى هذه الياء، إلا الظرف الأخير: (الأصائل)، وإنه إذ لم ينسب إليه هذا الظرف فقد أصاب فائدتين؛ أولاهما: أنه أقام التناغم بين إيقاع الضمّ في أول البيت وإيقاعه في آخره، وثانيهما: أنّ تنافس اليوم والأمس فيه وتحاسد الأسحار والأصائل عليه لم يعودا منصرمين انصرام الأمس بأسحاره وأصائله، ولا هما على وشك الانصرام بمضاء اليوم وانقضائه، إنهما ممتدان دائمان امتداد ودوام الزمان بماضيه وحاضره، وبآصاله وأسحاره.
لقد اختار أبو العلاء حرف السين، هذا الصوت الهامس المهموس، ورجّع عليه هذه الإيقاعات، فجاء بها وجاءت به إيقاعاً موسيقياً داخلياً منسجماً مع النغمة الانفعالية، ودالا عليها، وهي ما أراد تجسيدها فنقْلها.
وقوله أيضا ():
رَضِيتُ مُلاوةً فوَعَيتُ عِلماً

وأحفَظني الزّمانُ فقَلّ حِفظِي()
إذا ما قلتُ نثراً أو نَظِيماً

تَتَبّعّ سارقو الألفاظِ لَفظِي
جاء هذان البيتان في لزومياته مفردين، وهو يقول بأنه تمنّى أو ودّ لو يعيش طويلاً، وقد كان له ما أراد؛ فأكسبه طول الأجل هذا الأدب الوفير والعلم الجمّ، ثم هو يعود إلى هذه الثنائيات وهذه المفارقات والتناقضات النفسية؛ فإنّ الزمان الذي تمنّى أن يمتدّ به قد أغضبه إغضاباً أثّر في ذاكرته؛ فجعله قليل الحفظ. ولسنا ندري سرّ غضبه ولا سببه ولا مصدره؛ أهو العمى، أم هو هذا الزمان وصروفه وأهله وما فيه، الزمان الذي جاء بما لا تبتغيه نفسه ولا تشتهي سفنها.
وينتقل في البيت الثاني معتزّاً بما أوتيه من تمكّن في اللغة، مفتخراً بامتلاكه زمام مفرداتها ومعانيها، فهو ما إن يبدع نثراً أو يصوغ شعراً، حتى يبادر الآخرون إلى سرقة هذه الألفاظ وتلك المعاني. وكأني به يتمثّل روح حِبّه أبي الطيب مخاطباً سيف الدولة():
أجِزْني إذا أُنشِدْتَ شِعْراً فإنّمَا

بشِعْرِي أتاكَ المَادِحُونَ مُرَدَّدَا
هذه هي المعاني التي أراد أبو العلاء البوْح بها، والأنين بها، والتصريح، وإن شئت فقل: والصراخ بها؛ فاختار حرف الظاء، هذا الصوت المجهور؛ ليجهر بإيقاعه الداخليّ، وبما رجّع عليه من إيقاع خارجيّ هو الفتح: (أحفظَني)، وما يتضمّنه الفتح من الاستعلاء المنسجم مع استعلاء الإحفاظ والإغضاب والثورة المتضمّنة في مكنونات هذه النفس والمتصاعدة مع مرور الأيام وامتداد الزمان، ثم أتبعه بإيقاع الكسر: (حفظِي) موائماً به بين الهبوط المتضمّن في الكسر وهبوط النغمة النفسية المتأتية من إحفاظ زمان معاكس، وقلة حفظ مترتبة ملازمة، باستعلاء هذه النفس وتصاعد ما يعتمل فيها.
وهو قد عزّز تلك النغمة المتصاعدة، وذلك الإيقاع المستعلي مع الفتح؛ بأن جعلهما مع الفعل: (أحفظني)؛ لما يتضمنه الفعل من الدلالة على الاستمرار والتجدّد، فهو غاضب دائماً، وهو ثائر أبداً. بينما جعل النغمة الهابطة والإيقاع المستفِل مع الاسم: (حفظي)؛ لما يتضمنه الاسم من الدلالة على الثبوت؛ ثبوت أنين النفس، وثبوت شكواها المتأتّية من قلّة الحفظ والمتمثلة فيها.
ويلتقي الانسجام في تكرار هذا الحرف بإيقاعه الصوتيّ الداخليّ، وما رجّع عليه من إيقاعات خارجية متمثلة بهذه الحركات، مؤطّرة بهذا الإيقاع الموسيقيّ العروضيّ المتضمّن لهذه التوقيعات والترجيعات، والهاتف بها أصداءً لهمسات هذه النفس الراضية، وأنات هذه النفس الشاكية، وبوح هذه النفس المعتزّة المفاخرة، وصراخ هذه النفس الغاضبة الثائرة المتحدّية.
يلتقي هذا الانسجام بانسجام آخر منطقيّ واقعيّ ؛ فلقد كرّر في بيتيه حرف الظاء، وفي هذه الألفاظ: الحفظ، والنظم، واللفظ. ولست أرى اختياره لها، ولا اختياره للفظ الإحفاظ معها كان اختياراً عفوياً، ولا هو باختيار اعتباطيّ، بل إنه اختيار منطقي واعٍ مقصود؛ ذلك لأن هذه الألفاظ الثلاثة الأولى مترابطة ترابطاً مرحلياً تدريجياً متناغماً؛ فالنظم مادّته الألفاظ، تُنتَقى منسجمة إيقاعاتها الداخلية وإيقاعات النفس، ثم تؤلف معاً مؤطّرة بهذا الإيقاع الموسيقي العروضيّ الخارجيّ اللافت؛ فيكون النظم وتكون القصيدة، ثم تُلقى، فتُحفظ مشافهة أو بالتدوين.
ولقد اختار الألفاظ بما يتضمّنه كلّ لفظ من أصوات، وما يتضمنه كل صوت من إيقاع، ووقّع على كل صوت إيقاعاَ آخر وألّف بين الألفاظ؛ فكان النظم، ثم كان الحفظ….. ولكن سرّاق الألفاظ تتبعوا ألفاظه فسرقوها؛ فكان الإحفاظ.
ولسائل أن يسأل: لم عكس أبو العلاء فقدّم الحفظ، فالنظم، وجعل اللفظ آخراً ؟. فنقول: إن الشعر لا يرتب ترتيباً منطقياً قسرياً، بل إنه ينبغي ألا يكون كذلك، وإلا لجاء فجّاً جافّاً لا ماء فيه ولا رواء ولا حياة لديه، ولعله أراد بتقديمه الحفظ ما أراده في بيته الثاني من الفخر، وقول إن مثل هذا الشعر ينبغي أن ينظر إلى وجوب حفظه قبل النظر إلى ما سوى هذا من أمور.
وقوله كذلك():
فَيَا مَنْ لِنَاجٍ أنْ يُبَشِّرَ سَمْعَهُ

بإِسفَارِ دَاجٍ رَبُّ تَاجٍ مُرَصَّعِ()
هذا البيت من قصيدة طويلة، بدأها بخطاب أحد رواته وتحيّة دياره، ثم مضى فأطال في وصف رحلة استغرقت معظم القصيدة، وهي رحلة تطاول ليلها الغاسم المدلهمّ وامتدّ كأنّما كواكبه ملصقة بالأرض، أو كأن الأرض ملتصقة بها، وهتنت أمطاره غزيرة مدرارة، وهاجت بروقها وتلاعجت، كأنّما اجتمعت لها الكواكب شآميّها ويمنيّها، وراح وأصحابه يلومون هذه الكواكب على بطء سيرها. وهو في البيت يصف راحلته بالسرعة والنشاط، ويتمنى أو يدعو بأن يُقيَّضَ لها ديكٌ يؤذن صوته بانبلاج الفجر، ويبشّر صياحه بطلوعه.
إنه وصحبه في هذا الظرف من الشدّة والمعاناة، وهذه الحال من المكابدة والمقاساة، فماذا يترقبون أو يرتقبون، وإلى ماذا يتوقون، وعلى ماذا يتلهفون، بل على ماذا هم متلهفون؟ إنهم لا يتوقون إلى شيء، ولا يتلهفون على أمر، ولا يرتقبون شأناً غير سرعة انكشاف ما بهم من سوء. إذن فالسرعة مطلبهم، والسرعة مأربهم، وهو لذلك اختار حرف الجيم، هذا الصوت المركّب المجهور، اختاره ختاماً مجسّداً في هذه الألفاظ الثلاثة: (ناجٍ)، (داجٍ)، (تاجٍ)، واختاره مجسّداً لها؛ إذ هو ختامها، وهو أجلاها إيقاعاً.
ولقد بدأ البيت بالفاء، مستأنفاً بها، مفرداً البيت عما قبله، قاطعاً له ممّا سبقه، مع ما في الإفراد والقطع من السرعة. وأتبع الفاء أداة النداء (يا) لما فيها من المدّ المعبّر به عمّا يعتلج في نفسه ونفوس أصحابه ويختلج في جوارحهم وجوانحهم من المعاناة والمقاساة، وحذف المنادى بعدها؛ لما في حذفه من السرعة المؤملة المرجوة؛ السرعة في انبلاج الفجر، أو السرعة في البشرى به، ثم انتقى صوت الجيم المختوم به الاسم المنقوص (ناجٍ)؛ موفقاً بين سرعة الإيقاع في النطق به، والدلالة عليها؛ وسرعة الإيقاع في النطق المتأتية من حذف الياء في آخره، وسرعة الإيقاع في النطق المتحصلة من التنوين، والسرعة المتضمّنة في معنى (ناجٍ) والدلالة عليها، هذه السرعة في النطق الآتية من الحذف، والمتحصلة من التنوين، والمتضمَّنة في معنى (ناجٍ) اختير لها هذا اللفظ، وبه صوت الجيم مجسَّداً فيه ومجسِّداً له؛ إيقاع جاء منسجماً مع إيقاع النفس الداخلي، النفس التائقة إلى السرعة المتلهفة عليها. ولقد رجّع إيقاع الجيم على تنوين الكسر؛ لما يتضمنه إيقاع الكسر من الدلالة على الانصرام والانقضاء؛ انصرام الليل، وانقضاء ما فيه من الأمطار والبروق.
ثم اختار لما تضمنه الإيقاع الصوتي النفسيّ في (ناجٍ) اسماً منقوصاً آخر هو:(داجٍ)؛ لما يحمله إيقاع المنقوص من دلالة المنقوص الآخر، واختار معهما اسماً آخر غير منقوص هو (تاجٍ)؛ فوحد بين الإيقاعات نفسيّها وموسيقيّها أو موسيقيها ونفسيّها؛ إذ انتقى هذه الألفاظ التي يجمع بينها غير جامع ويوحّد غير موحّد؛ فجامع معنويّ يتمثل في هذا الربط بين الداجي وأمله في أن يتوّج سراه بالنجاة، ورجائه في ذلك وسعيه إليه، وجامع صوتي إيقاعي يتمثل في وقوع الحرف المكرّر في هذه الألفاظ آخراً وختاماً، وترجيع إيقاع واحد عليها جميعاً هو إيقاع تنوين الكسر. إنه انتقاء وإنه توحيد أراد به وجسّد به وحقّق به توحيد إيقاعات هذه النفس وإيقاعات صوتها أو أصواتها ووحدة ما بين أولئك وهؤلاء. هذا ما اختاره فكرّره وقاله حين أراد ذينكما المعنيين؛ من سرعة انقضاء الليل وانبلاج الفجر، وتتويج سرى ذلك الداجي بالنجاة أو النجاء. فحين أراد معنى الشدّة اختار الحرف نفسه فكرّره، فقال():
لقد دجّى الزّمانُ فلا تدجّوا

ولجّ فلم يَدَعْ خصماً يَلجُّ
وقال ():
سَمِعْتُ نَعيَّها صَمِّي صَمَامِ

وإنْ قالَ العَواذلُ لا هَمَامِ
وَأَمَّتنِي إلى الأجْدَاثِ أُمٌّ

يَعِزُّ عليَّ أَنْ سارَتْ أمامِي
هذان البيتان مفتتح قصيدة له في رثاء أمِّه. أمُّه التي كانت كلّ ما بقي له بعد أن كان أبوه قد مات وهو ما يزال صبيّاً لم يبلغ ميعة اليفْع أو اليفوع. لقد كان في بغداد، أو كان في سبيله إلى مغادرتها حين جاءه خبر نعيها، فيسرع في الإياب، فيجد البيت وقد خلا منها وخلت منه، فيجعله مستقرّه الدائم ومقامه المؤبّد، لا يبارحه، وليطلق على نفسه لقب، أو اسم: (رهين المحبسين).
إنه يقول بأن نبأ موت أمّه قد بلغه؛ فكان كأنّما كارثة دهته، أو داهية ألمت به، ثم ضمّن حسراته وحرقه وشجونه هذا المثل (صَمِّي صَمامِ) () يخاطب به هذه الداهية داعياً عليها بالصمم كما أصمّته، وبألا تكون كانت ولا سُمِع لها بذكر، وإنه لبليغ الحزن شديد الأسى رغم عذل العواذل له على فرط الحزن وعظيم الجزع، وإنّما يزيده حزناً على حزن وأسى على أسى أن أمه قد سبقته إلى الموت.
وإنني أرى أن (الأمّ) هذه الكلمة العزيزة المعنى القدسيّة الدلالة، التي يشكّل حرف الميم، أو صوت الميم عين مبناها ولامه، هو ما جعل أبا العلاء يختاره فيكرّره في ثنايا أبياته، أو يكرّره بأن يعتمده صوت قافية لقصيدته، وأن يرجّع عليه إيقاع الكسر موافقة لما يتضمنه هذا الإيقاع من الدلالة على الانقضاء؛ انقضاء السرور، وانقضاء البهجة، وانقضاء السعادة التي انقضت بانقضاء هذه الأم. ولقد جعل مطلع قصيدته: (سمعتُ نَعِيَّها)، فجاء بلفظ فيه هذا الحرف، وقد كان يمكنه قول: (أتاني نَعْيُها)، هكذا؛ بتسكين العين بدل كسرها، وبضمّ الياء مخفّفة بدل فتحها مشدّدة، ويبقى معه الوزن قائماً، ولكن أنّى له بالقرار والسكون، فالتسكين؟ وأنّى له بالتخفيف وهذا الحزن المبّرح والأسى المتمكّن يتملّكانه فيأبيان إلا أن ينعكسا شدّة في القول كشدّة ما في النفس؟
لقد قال: (سمعتُ)؛ فكأنما الناعون قريبون منه قرب هذه الأم إلى نفسه ومنزلها في قلبه ووجدانه. كما أنه جعل عجز البيت هذا التركيب الشرطيّ: (وإن قال العواذل: لا همام)، فذكر فعل الشرط: (قال)، وجعل جوابه محذوفاً مستدلاً عليه بما تقدّم في صدر البيت، كأنه أراد بذلك أن يقول بأن ليس ثمة من لفظ أو معنى يستطيع أن يعبّر عمّا يختلج في نفسه ويعتلج فيها فيصلح أن يكون جواباً لقولهن أو ردّاً عليه. وكان يمكنه أن يقول: وإنْ قالَ العَواذلُ: لا هَمَام سَمِعتُ نعيّها صَمِّي صَمامِ، أو أن يقول: لئن قال العواذل… فلِمَ قدّم ما قدّم، وأخّر ما أخّر، وحذف ما حذف؟ هذا ما سيتجلّى.
قلتُ آنفاً إن أبا العلاء قد اختار حرف الميم، أو صوت الميم، فكرّره في مطلع قصيدته كما نرى، وكرّره في أبياتها الأخر غير هذين البيتين، وكرّره بأن جعله صوت قافيته، أو قل نغمة آلامه ولحن شجونه، الميم هذا الصوت المجهور، وأحد صوتي الغنّة التي هي أكثر أصوات اللغة جلاء نغمة وبروز إيقاع، الغنّة نغم الشدو لمن ترنّم ورنين الشجن لمن ناح، نغم الطرب لمن رام، ووتر الشجى لمن غُصّ، نغم البوْح بآهات الحنين، ونغم الجهر بهمسات الأنين.
الميم هذا الصوت الذي يريد أن يخرج مستوياً من بين الشفتين، فيأبى إلا أن يستعلي نحو الأنف؛ فتستعلي معه النغمة، ويستعلي له الإيقاع. ولقد شبّه بعض الأصواتيين انطباق الشفتين عند النطق به بانطباق الزهرة على أكمامها، وانفتاحها ليفوح العبير ويعبق الشذى.
لقد كرّر أبو العلاء صوت الميم مرقّقاً، ورجّع عليه إيقاع الكسر: سَمِعْتُ، صمامِ، همامِ، أمامي؛ مواءمة مع ما يتضمنه هذا الإيقاع من معاني الهبوط والانطفاء والانقضاء، وانسجاماً مع إيقاعات نفسه واستجابةً لها؛ فهو قد سمع، ومضى النبأ إلى أذنيه وعقله وقلبه، وأسمعه لمن أسمعه قصيدته، ولمن قرأها ويقرؤها. وهو يدعو على هذه الداهية بأن تمحق إلى غير رجوع ودونما أثر. والعواذل يعذلنه لجزعه على أمر مضى وحتم انقضى وليس إلى مردّ له من سبيل، كما جاء به مفخّماً مع الكسر: (صمّي)؛ لما ذُكر، وموافقة بين إيقاع الشدّة في الصوت، وإيقاع شدّة الآلام وتباريح الأحزان في نفسه. كما جاء به مرقّقاً فجمع بين مدّه المفتوح مع الألف وبين كسره: (صمامِ، همام) تلبيةً لصوت صرخته في مسامع العواذل، واستجابة لأنّة حزنه القائمة في أعماقه. كما جاء به مشدّداً مع إيقاع الفتح: (أمَّتني)، ومشدّداً مع إيقاع الضمّ: (أُمّ) ؛ ليدلّ بدلالة إيقاع الفتح على الاستعلاء والعلوّ؛ استعلاء الإمامة وعلوّ مكانتها، وبإيقاع الضم، أو قل الرفع على سمو المكانة ورفعة المنزلة.
إذن فنحن أمام شاعر إذا كرر حرفاً أو كرر كلمة أو عبارة أو معنى، فما تكراره بتكرار من تعوزه الألفاظ، أو ترهقه المعاني، أو تعييه الدلالات، وإنّما هو تكرار مقصود متعمّد متخيّر؛ متخير صوتاً، ومتخير معنى، ومتخير دلالات، ومتخير إيقاع نفس أو نفس إيقاع.

*دكتوراه في الأدب والنقد/ جامعة اليرموك – الأردن.
أستاذ مساعد في النقد الأدبي/ الإمارات العربية المتحدة/ الشارقة

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق