قراءات ودراسات

ما بعد الحداثة.. رؤى ومفاهيم غير مؤتلفة

بقلم: سمية غريب من الأغواط – الجزائر

ما بعد الحداثة مصطلح غربي وفد على الفكر العربي ، و يعبر عن نقد الحداثة ، وجرى تداول المصطلح في العديد من المجالات : الاقتصاد والثقافة والسياسة ، …إلى غير ذلك . ولكنه لم يتداول بعد في الوطن العربي ولا توجد كتابات وتعريفات ومفاهيم دقيقة وواضحة حوله ، لأننا مازلنا في عصر الحداثة أو يجدر القول في عصر ماقبل الحداثة ، فماذا يقصد بهذا المصطلح عند علماء الغرب وعند علماء العرب ؟
مابعد الحداثة عند الغرب :
مصطلح مابعد الحداثة يشير حسب تيري إيجلتون في كتابه أوهام مابعد الحداثة إلى نوع من الثقافة المعاصرة.
ويرى جان فرانسوا ليوتار في كتابه في معنى مابعد الحداثة – نصوص في الفلسفة والفن – أن مابعد الحداثة غيّرت من القوالب الجاهزة وبعثرت القواعد والقوانين والأنظمة التي تبني الخطابات الفكرية والفنية والعلمية .
وفي كتابه دليل مابعد الحداثة الجزء الأول – يقول ستيوارت سيم إن ما بعد الحداثة تاريخها وسياقها الثقافي بمثابة رفض لكثير إن لم يكن معظم اليقينيات الثقافية التي بنيت عليها الحياة في الغرب عبر القرنين الماضيين . وقد وضعت موضع الشك والتساؤل الالتزام الغربي بما يسمى التقدم الثقافي وأنه يجب على الاقتصادات مواصلة النمو، وأن تحافظ نوعية الحياة على التحسن إلى مالا نهاية ، كما شككت في النظم السياسية التي عززت هذا المعتقد . وكثيرا مايحيل أنصار مابعد الحداثة إلى مشروع التنوير الذي يعني الإيديولوجية الإنسانية الليبرالية التي هيمنت على الثقافة الغربية منذ القرن الثامن عشر ، إيديولوجية سعت جاهدة لتحقيق تحرر البشرية من العوز الاقتصادي والقهر السياسي . ويرى أنصار مابعد الحداثة أن هذا المشروع ولو أنه ربما كان جديرا بالثناء وحميدا في وقت من الأوقات قد تحول بدوره إلى قمع البشرية ، وفرض عليها مجموعة معينة من سبل التفكير والفعل ، ولذا تتعين مقاومته .
أما جياني فاتيمو في كتابه نهاية الحداثة ( الفلسفات العدمية والتفسيرية في ثقافة مابعد الحداثة ) ، فإنه يرى أن لفظة ( بعد) في الجملة بعد الحديث تشير في الواقع إلى استقالة التي في مسعاها إلى اتقاء منطق الحداثة ، وبشكل خاص فكرة تجاوز نقدي في اتجاه تأسيس جديد تستأنف البحث الذي أجراه نيتشه وهيدغر في علاقتهما بالفكر الغربي .
ويرى أيضا بأن النظر إلى مابعد الحداثة هنا بوصفها نهاية التاريخ لن يكون بالنسبة إلينا هذا المعنى الكارثي ، قد يكون بوسعنا القول بالأحرى أننا نرى في تهديد كارثة نووية محتملة الوقوع ، تهديدا حقيقيا بلا مراء ، بمثابة عنصر مميز لهذا الأسلوب الجديد للحياة وتجربة تغطيها صدفة نهاية التاريخ ولعله من الأوضح بلا ريب الكلام عن نهاية التأريخية غير أن هذه الصياغة بدورها قد تبقي على تمييز ملتبس بين تاريخ ينظر إليها بوصفها نموذجا محددا لوعي هذا الانتماء .

مصطلح مابعد الحداثة عند العرب :
في المجال العربي يرى الدكتور عبد الوهاب المسيري في كتابه الحداثة ومابعد الحداثة لقد قامت فلسفة مابعد الحداثة على انقراض القيم التي أسستها الحداثة كفكرة التقدم والحقوق ، مما أدى إلى فراغ حاولت المعقولية الغربية أن تملأه بقيم سوقية تجارية دنيوية وبراغماتية .
أما في كتاب الإسلام وما بعد الحداثة ( الوعود والتوقعات) لمؤلفة أكبر صلاح الدين أحمد فيرى : أنه قريبا ستفرض قيود على حرية الإنسان بشكل متزايد على هذه الأرض ، وهذا بسبب الطبيعة الخاصة بعصر مابعد الحداثة . وسيواصل الغرب تمددّه وتوسعه تحت غطاء الحضارة العالمية ، ليستثير شعور التحدي عند بعض الثقافات في مناطق معينة ، أما الثقافات في بقية النقاط فستحاول الاندماج في المسيرة ، بينما الحضارة الإسلامية جامدة في مسيرتها لا تتغير ، وهي مسيرة يبدو أنها تتجه صوب المواجهة مع العالم الغربي ، والشواهد المتوفرة تشير إلى أن العلاقة بين الإسلام والغرب قد اجتازت مرحلة تصادم الثقافات والقوميات ، لتصبح صراعا مباشرا بين مقاربتين رئيسيتين للعالم وبين فلسفتين متباينتين .
والكاتب رشيد الحاج صالح في كتابه الإنسان في عصر مابعد الحداثة يقول : فمابعد الحداثة التي تعني من مجمل ماتعني ، الانفلات القيمي وتقديس المصالح الذاتية والاعتماد على الإرادة بدل العقل ، وعلى القوة بدل العدل ، أصبحت تجتاح حياة البشر من كل حدب وصوب .
ويقول طلعت عبد الحميد وآخرون في كتاب لهم بعنوان الحداثة .. مابعد الحداثة ( دراسات في الأصول الفلسفية للتربية بأن : من كُتّاب هذا الكتاب من يرى أن مسألة الحداثة ومابعد الحداثة هي مراحل مرّ بها العالم الغربي ، وليس علينا أن نخطو نفس الخطوات والمراحل التي مرُّوا بها ، إنهم ينظرون إلينا كما فعل سارتر بعد زيارته للمنطقة في الستينات من القرن الماضي ، بأن الفرق بيننا وبينهم فارق كيفي لا يمكن تخطيه ، وبطبيعة الحال قد نرفض رأي سارتر ، لكن لسنا مطالبين بالمرور بنفس المسيرة التي مرّ بها الغرب ، فالأهم في القضية أن نعرف من نحن ثم نضع طرقا عديدة تشدنا نحو مستقبل نشارك فيه بعقولنا وبأيدينا ، ونرسم خطانا كما نرى .
كما يرى محمد بكاي في كتابه أرخبيلات مابعد الحداثة ( رهانات الذات الإنسانية من سطوة الانغلاق إلى قرار الإنعتاق أنه : جاءت مابعد الحداثة لتعمق من فكرة نهاية رؤية التاريخ مدفوعة بفكرة التقدم والعقل كاشفة عن تطور جديد لأجهزة الموضوع الجمالي الذي يقع بين مجالين رئيسيين هما : موت الذات ( عدم تجانس الأنواع والخطابات والرؤى الجديدة للزمان والمكان والشخصيات ) ونهاية الميتاسرديات ( تفكيكية الدوغمائيات الحديثة من خلال تطوير الفلسفة النسوية ومابعد الكولونيالية ) . وتشكلت موجات مابعد الحداثة على أرضية الشك في المعرفة الموضوعية والحقيقة العلمية ، لتلامس نتائج عدم وجود يقين بشأن إمكانيتها وصلاحيتها للعمل الإنساني في العالم . فكل شيء في نظرها نسبي متعدد ومحتمل ، فهي تحاول أن تسائل كل ماهو عقلاني حول اللغة والتواصل وتطعن في إمكانية تحديد واضح وبسيط للفهم ، لتنفتح على التأويل والاحتمال ، وتبدد أي انخراط لأي شكل من الأشكال العملية التي تطالب بالاعتقاد في شيء ما والتشبُّث بمسلماته وأسسه ، لنشدان العالمية . وذلك مثل مفاهيم حقوق الإنسان والحرية والديمقراطية. ويرتكز جدول أعمال مابعد الحداثة أساسا على استجواب المفاهيم والتصورات الديكارتية حول المعرفة والعقل والحقيقة . وتجاوز التمركز حول دوائر العقل لتهتم بالأطراف والهوامش ، فتصبح هذه المطالبات شاغلا فلسفيا يرتبط بتجاوز التقليدي وخلخلة يقينياته . لقد فتحت سياسات مابعد الحداثة آفاقا جديدة للتفكير في طبقات مختلفة وغير مستقرة ، ودعت إلى الخلخلة والتفكك أو الارتجاج واللاإستقرار ، متسببة بضربات موجعة للنزعات العلمية والتوجهات الكليانية والشمولية . وبه طفحت فئات الأقليات إلى السطح بعد أن ظلّت ردحا من الزمن أسيرة الصمت والخوف والقلق .
وفي الأخير يمكن القول إن مصطلح مابعد الحداثة هو مصطلح دخيل على العالم العربي ولا يعد مفهوما واضحا ودقيقا ، وهناك الكثير من يرى أن العالم العربي مازال في عصر الحداثة ومازال لم يصل إلى مابعد الحداثة .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق