قراءات ودراسات

كيف تُكْتَبْ قصيدة النثر؟

قصيدة (sun flower ) لعبد العظيم فنجان إنموذجاً

داود سلمان الشويلي

((هناك شعرٌ يتمنّع على كلّ شيء، كالشعلة التي تلعب بأطوار النار، فتفتت هيبتها ))
-عبد العظيم فنجان-
كيف تُكْتَبْ قصيدة النثر في زحمة الكتابات النثرية والشعرية في وقتنا الحاضر؟
سؤال مطروح على ذائقتي “القرائية” إبتداء من قراتي أول قصيدة نثر منذ أكثر من ثلاثين عاماً والى الآن وأنا أقرأ هذا النوع من الشعر وأكتب عنه وعن شعرائه الدراسات النقدية .
كُتَبَت ونُشَرَت آلاف القصائد النثرية في الصحافة والمجلات والدوريات والمواقع الالكترونية وعلى شكل مجاميع شعرية منذ القصيدة الأولى من هذا النوع الى آخر قصيدة نُشرتْ في وسائل النشر، وأغلب الشعراء يكتبونها بشكل قصيدة التفعيلة المعهودة عند الناس، حتى بات هؤلاء الناس (القراء خاصة) يعدّون كل قصيدة نثر هي كتابة نثريه من نوع الخواطر مكتوبة بصيغة شعر التفعيلة .
قصيدة النثر(على أقل تقدير القصيدة النثرية العربية)هي قصيدة نثرية وليست شعرية بالمفهوم العام عن الشعر منذ كتابة أول قصيدة جاهلية والى الآن،أي انها تتصف بما يتصف به النثر الفني وليس النثر الآخر، الجاف والخالي من كل ليونة وسيلان وطراوة الشعر، كالكتابة العلمية، أوالتاريخية، أو الانسانية، أو …أو…الخ. هذه الصفة تجعلها محددة بقالب كتابي واحد هو قالب الكتابة النثرية الذي يتكون من مقاطع قصيرة أو طويلة، ولكن هذا ليس شرطاً مكبلاً لقصيدة النثر وإنما هي تَحسِب حساباً للصورة الشعرية التي تمتلكها وتقدمها، وطول أو قصر جملها(أبياتها الشعرية )،وموسيقاها الداخلية، ولغتها البعيدة عن اللغة القاموسية المعهودة في الكتابة النثرية.
فبين الشعر والنثر وشيجة قوية وهي ان يكون النثر بلغة مفهومة ومفتوحة المعاني والدلالات، ويتطلب الكتابة على مقاطع، فيما الشعر يحتاج الى لغة مجازية، موحية، اقتصادية المكونات، ويحتاج لذلك الى الكتابة بأشطر، أو أبيات شعرية تحكمها الموسيقى الداخلية، وعدم تجاوز اللغة الى التطويل غير المثمر. ورغم ذلك فإن التعارض في “الكتابة”، وفي “اللغة” تمحيه قصيدة النثر، وتجمع بين الاثنين، بين لغة الشعر ولغة النثر، وبين الكتابة النثرية والكتابة الشعرية، وقد حصل ذلك في كتابة أكثر القصائد النثرية، من حيث انها تجمع الشكلين، ويمكن أن نرى ذلك في مجاميع الشعراء الثلاثة كنموذج على ذلك.
إذن نحن أمام قصيدة تكتب بثلاثة أشكال، الأول الشكل النثري المعهود. والثاني الشكل الشعري الذي تكتب به قصيدة التفعيلة. والثالث هو الشكل الذي يجمع بين الأول والثاني .
لو عملنا احصاء لمن يكتب قصيدة النثر بالإسلوب الأول وبالأسلوب الثاني أو الاسلوب الثالث، لوجدنا كفة الأسلوب الثالث هي الغالبة. والشكل الثاني يأتي من حيث النسب بعده، ومن بعدهما الشكل الأول. وقد إطلعت على قصائد نثرية لشعراء عراقيين يكتبون بالأسلوب الأول، ومنهم الشاعر شاكر لعيبي، والشاعر نصيف الناصري، والشاعر عبد العظيم فنجان، وغيرهم من الشعراء القادرين من أدواتهم الشعرية الكثير .
فمن شعر الشاعر شاكر لعيبي قصيدته (كم) من ديوانه (الأدنى والأقصى) المنشور عام 2011:
((كمْ كتبنا في مَدِيْحِ قشيْشةِ الحَيَاةِ. كمْ رَفعْنا مِن شأنِ الجَّوَارحِ في الأعَالي. لكمْ سَنظلُّ نمتدِح الخيوْطَ الهَشةِ التي ترْبط العَمَى بالخرَسِ والُّلعَابَ بالجَّرَسِ. هذا الناب، هذا الناب، هذا الناب مغروسٌ في عَضلاتِنا. هذهِ الحَياة، هذهِ الحَياة، هذهِ الحَيَاة عمارَةٌ مَائيَّةٌ، هذهِ القصَائد، هذهِ القصَائد، هذهِ القصَائد ليستْ سِوى رَمَادٍ ساخنٍ.)).
ان قصائد المجموعة كانت سرداً، وسرداً صافياً نقياً، قد بنى شكل القصيدة على شكل مقطع نثري سردي، وقد أردفه بثلاثة أبيات شعرية، أشطر شعرية، يمكن ان تبنى هذه الأشطر بشكل مقاطع نثرية لو أراد الشاعر ذلك إلّا أنه وضعها بهذا الشكل لقصائد المجموعة سوى ثلاث قصائد لفلسفة الشكل عنده قيمة عليا. وان قصائده (المُربَّع الأوّل) و(ظِلّي الساقطُ على ظِلكِ) فقد بناها على شكل قصيدة التفعيلة، والقصيدة الثالثة على شكل مقطع واحد سردي وهي النموذج الذي ذكرناه .
وللشاعر نصيف الناصري قصيدة بعنوان (الجنس نَهاية متعادلة للعب مَع الطَبيعَة) يقول في المقطع الثاني منها :
((تَرْفوْ فَرْدة جوراب وَتَشْرَب مُغْتاظة الفودكا في المَطْبَخ. لا تَسْتاء مِن تَقدّمها في العمر وَتَمْنَعني مِن صبغ شعر رَأْسي. في نبرات صوتها التي تَتغيَّر بَيْنَ كأس وآخر، رَغَبات نجوم في الحاق الضَرَر بالعشّاق الذينَ نَجوا وَعَبروا أرض الأوديسة. أنا رَجْلكِ وحلْيتكِ المُضادة أقولُ لَها، لكنّها تَرْزْح في تَقلّباتها وتغازل الغيرة وأشياء تافهة خاصَّة بالنساء . أيّ الفَضائل أختار والغَيظ يُنفَّرني مِن الصَلاة التي أغواها القبر؟ للعمر أكثر مِن دَوْرة جَمال، لكنَّنا نَنبذ شَعائرنا في الحُبّ ولا نَتَورَّع عَن التَلطّخ بالأدناس. تَشْربُ الفودكا وتُغنَّي غير مُبالية، وأنا أطْمَح شأني شَأن الغَير في العَوَدة الى أيَّام الشَباب.)) .
وضع الشاعر هذه القصيدة بثمانية مقاطع نثرية/سردية، وهي تتحدث عن العلاقة بين رجل يشعر انه مكسور جنسياً، وزوجته التي ترغب بالجنس، ومغامراتهم لسد حاجتهم من هذا .
فيما وضع الشاعر عبد العظيم فنجان أول قصيدة من ديوانه “كيف تفوز بوردة؟!” والتي تحت عنوان (sun flower ) بشكل مقاطع نثرية، وستكون ميداناً لدراستنا التحليلية :
((كنتُ أهربُ من الصفّ، وأجلسُ على سياج المدرسة، مُنتظرا خروجي مع الصالحين. عندما ضبَطَني أبي أكتبُ شِعراً، أعطاني كتابَ ألف ليلة وليلة: من يومها ابتدأتُ رحلةَ البحثِ عن ” قوت القلوب ” .
من يومها وأنا أتدفّقُ من خواطر الينابيع، ومع دموع الصبايا: تمسحُ عنّي مناديلُ الأمهات غُبارَ سفر طويل، رأيتُ فيه مئات البلدان، وأنا جالسٌ بين أحضانِهن .
عشتُ في الكهوف، وأكلتُ العشبَ مع الحيوان في البراري: ارتعشتُ من البرد، وسجدتُ للبرق، ثم انتشرتُ في الرّعد: خدمتُ في المعابد، وعثروا على وجهي في ألواح الطّين عندما رسمتُ محبوبتي على جلْدِ الزمن: صعدتُ الفرات، ومعه انفجرتُ في كل فيضان: حاربتُ مع السومريين في أور، قاتلتُ مع البابليين ضدّ البدو، ثم سَلَبتْ لُـبّي امرأةٌ آشورية، وتوارتْ في زحام مدينةِ نينوى، فبكيتُ حتى سالتْ دموعي في دجلة، وطافَ بي طائفٌ من الهُيام فهربتُ وحيدا، حتى وصلتُ إلى آخر نقطةٍ في الزمن: رقصتُ كثيرا مع زوربا، وجلستُ طويلا تحت شجرة بوذا: طفتُ مع عُرفاء ومتصوّفة، وطرتُ في الهواء مع المجانين، لكنّ صوفيا لورين أغوتْني، في الظلام، فقفزتُ إلى الشاشة، وأقنعتُها أنني الرجلُ الذي كانت تبحثُ عنه في فيلم ” sun flower” .
طردوني من السينما لأنني كنتُ ولدا وقحاً، فخرجتُ من الأحلام إلى العالم، ومعي قبلةٌ جادَ بها فمُها الخارق، لكنّني لم أصلْ إلى البيت، رغم أني سلكتُ نفسَ الطريق الذي أتيتُ منه .
كان أبي قد مات عندما وجدتُ السبيل إلى مقهاه، حيث كان يجلسُ الجنودُ الهاربون من الثّكنات .
كنتُ أريدُ أنْ أضعَ الحقيقةَ بين يديهِ المُتعبَتين من حفْر الأنفاق في السجون .
كنتُ أريدُ أنْ اشكرَهُ لأنه أفسدَ حياتي .
كنتُ أريدُ أنْ أشرحَ له خُلاصةَ العصور، فـ ” قوت القلوب ” لم تكنْ غيرَ إينانا السومريّة : مفقودتي التي تشعبتْ روحُها بين الدّخان والحرائق .
وحين حاولتُ أنْ أقصَّ الحكايةَ على عُشاق هائمين مثلي، صَعقـتْـني معرفتي، وفقدتُ القُدرةَ على النُّطْق، فلم أجدْ ما أفعلُهُ سوى أنْ أعودَ لأجلسَ على سياج المدرسةِ، مُنتظرا خروجي مع الصالحين ..)).
وكذلك في ديوانه “كمشة فراشات” المنشور عام 2016 من دار الجمل .
هذه ثلاث نماذج لشعراء عراقيين معروفين بكتابتهم لهذا الجنس الأدبي. وهناك القليل غيرهم نسبة لمن كتب وأصدر مجموعة شعرية، هؤلاء يكتبون بهذا الشكل ذو الطابع النثري، ويمكن أن أسميه “شكل المقاطع النثرية/ السردية/الشعرية “. وأرى أن هذا الشكل هو الأنسب لصب قصيدة النثر فيه ليكون منسجماً وروح النثر بإشتراطات شعرية، من لغة شعرية بمجازاتها واستعاراتها، وصور شعرية ، بإدخال المخيال في كتابتها. عندها يمكن القول ان القصيدة تجمع بين النثر والشعر، وتذوّبهما في مجرى واحد نسميه “قصيدة نثر”. أي انها تجمع بين شعرية القصيدة ونثريتها المأخوذة من النثر الفني الخالص، وهذا العمل يبعد هذه القصيدة من السقوط في فخ النثرية العادي، ويرتقي بها الى شعرية مدركة، محسوسة أو غير محسوسة .
من ضمن ما يعتمده القول الشعري هو الصور الشعرية. وهذه الصور الشعرية المعبر عنها باللغة تكون قصيرة أو طويلة، إلّا انها مترابطة فيما بينها وبين صور أخرى، أو وصف شاعري، وهذا الترابط يجب أن يسلك سلوكاً يجعله والكتابة النثرية على خط واحد من حيث التشابه والتناظر، سوى الجفاف النثري وقاموسية لغة النثر، لهذا تأتي القصيدة مكتوبة بطريقة واسلوب نثري يعتمد المقاطع في التصميم النهائي لها .
تتميز قصيدة” sun flower” ميدان تحليلنا في هذه الدراسة، بشكلها الدائري، المقفول, هذا القفل هو العبارة الشعرية ((فلم أجدْ ما أفعلُهُ سوى أنْ أعودَ لأجلسَ على سياج المدرسةِ، مُنتظراً خروجي مع الصالحين))، حيث بدأ بها الشاعر قصيدته وأنهاها بها أيضاً. من هذا نعرف ان القصيدة ستتحدث عن الماضي والحاضر والمستقبل لأنها ستتذكر ما حدث، وما يحدث الآن، وما سيحدث مستقبلاً. هذا التذكر يأتي بصيغة انثيالات ماضوية في ذاكرة تمتاز بمخيال نشط وقوي ومتمكن من أن يجوب كل آفاق الزمان والمكان. من إينانا السومرية الى قوت القلوب، وصوفيا لورين. ومن سياج المدرسة الى السينما، والمقهى، وساحات القتال، وكتاب الف ليلة وليلة، وأرض سومر .
ان مثل هذا الانثيال في الزمان، وارتياد الأمكنه العديدة، ووقوع الأحداث الجارية، يتطلب كتابة على طريقة “الكتابة النثرية ” “Prose writing”، أي في مقاطع نثرية، تضم صور شعرية بلغة شعرية تتصف بما تتصف به لغة الشعر المتكونة من مفردات تختلف عن مفردات القاموس المعجمي للكتابة النثرية. وكذلك من صفاتها الاقتصاد والتكثيف والمجاز والاستعارات .
***
ان الحصيلة الرؤيوية للقصيدة النثرية ستكون عند ذاك “ملمومة، مضمومة ” كما القصيدة النثرية المكتوبة بطريقة النثر على شكل مقاطع لا سبيل لتنفسها من خارج ذاتها، وانما هي تتنفس من داخل كيانها، مما يتيح لها أن تكون قصيدة ذات بعد رؤيوي، ليس مفككاً كالقصيدة النثرية التي تكتب على شكل أسطر”أشطر” دون وعي من كاتبها على انها قصيدة نثر، إلّا انها تفتقد الى فلسفة البناء الذي صبت فيه .
ان الشكل المقطعي إذا جازت التسمية للقصيدة النثرية لا يتيح للشاعر أن يقدم رؤاه بصورة غير مفككة، أو غير مهلهلة، وإنما على شكل رؤية “ملمومة، مضمومة ” الى نفسها.
ان الشكل في مثل هذه القصائد النثرية تتضافر فيه كل مكونات القصيدة ذات الشكل المفتوح الذي يشبه شكل قصيدة التفعيلة ولكن بشكل مغاير ينبع من فلسفة الشاعر لموضوع قصيدته وبنائه .
اننا نجد الكثير من شعراء قصيدة النثر وقد ملئت مجاميعهم الشعرية بقصائد من هذا النوع، لا يحملون فلسفة خاصة ببناء الشكل الذي يتبعونه في الكتابة، أو انها غابت عنهم في وقت كتابة القصيدة، لنراهم في النهاية قد وقعوا في فخ شكل قصيدة التفعيلة الذي قرأوه أو كتبوا فيه– وما أقلهم – . هذا الوقوع في الفخ سببه هو عدم ترابط موضوع ما يكتبون مع عناصر القصيدة، من لغة وما تتميز به، وصور شعرية عديدة ومتنوعة، واحدات تتناص داخلها تُغني القصيدة، وغير ذلك من العناصر، لهذا نجد قصائدهم ليست ذات وحدة بنيوية متماسكة .
ان الوحدة البنيوية لقصيدة النثر تأتي أساساً من شكلها المقطعي، لا من شكلها الذي يشبة قصيدة التفعيلة، لأن الشكل الأول “يلملمها” على نفسها، أما الشكل الثاني فهو الذي يفرّطها كحبات الرمان المنفرطة التي تتجه كل حبة الى صوب ما، مما يفقد الخيال الذي تعتمد عليه القصيدة في وحدتها العضوية .
انظر الى هذا المقطع لترى الترابط البيّن والواضح بين عناصره الشعرية ووحدته مع شكله، والخيال الذي أنتجه للوجود: ((لكنّ صوفيا لورين أغوتْني، في الظلام، فقفزتُ إلى الشاشة، وأقنعتُها أنني الرجلُ الذي كانت تبحثُ عنه في فيلم ” sun flower” .
طردوني من السينما لأنني كنتُ ولدا وقحاً، فخرجتُ من الأحلام إلى العالم، ومعي قبلةٌ جادَ بها فمُها الخارق، لكنّني لم أصلْ إلى البيت، رغم أني سلكتُ نفسَ الطريق الذي أتيتُ منه )).
كانت الأفكار والأحداث مترابطة داخل الصور المعبرة التي قيلت في القصيدة لتماسك الصور الشعرية التي صبت في شكل مناسب هو شكل مقطعي سردي .
اذن، تجربة الشاعر عبد العظيم فنجان في كتابة القصيدة النثرية في مجموعته الشعرية” كيف تفوز بوردة؟!” تعتمد من الناحية الشكلية على بناء قصائد المجموعة، الى حد ما، بشكل نثري يجمع بين الشعر والنثر.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “كيف تُكْتَبْ قصيدة النثر؟”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق