قراءات ودراسات

“حُرْمتان ومَحرًم” لصبحي فحماوي رواية البُؤس والبأس الفلسطينيين

بقلم طاهر العتر

راقت لي هذه الروية منذ أن قرأت عنها بالصحف، وذلك لمعرفتي الوثيقة بمعاناة الكثيرين ممن قدر عليهم، رجالاً ونساءً، طلب الرزق في “واحات الرمال” العربية، بعد أن هبطت عليها ثروات خيالية مكنتها من توظيف الكثيرين من العرب وغير العرب، من الطامحين في التخلص من البطالة وآفة الفقر أو تحسين
مستواهم المعيشي والعائلي كحال بطلتي هذه الرواية ماجدة وتغريد، في تنمية وبناء تلك الديار.

واقعية اجتماعية سحرية
وبعد قراءتي لهذه الرواية بشغف ومتعة شديدين، تأكد لي أنها ليست ريبورتاج قصصي مطول من عدة أقسام عن الانتفاضة الفلسطينية وعجائب العربان في واحاتهم الرملية الثرية كما قد تبدو للرأي المتسرع، بل هي رواية اجتماعية فنية مكتملة العناصر بها الكثير من ملامح الواقعية السحرية التي سادت بين كتاب أميركا اللاتينية البارزين كماركيز وغيره. من جهة أخرى، فإن الموازيات الواقعية كثيرة بها، فالمخيم هو “معسكر الحصار” والأحياء “سلام الشجعان” و” حارة الجبارين” وأمثاله من المسميات التي تشي بواقعية ملتزمة ذات طابع فني إنساني متقدم، وليست تلك الواقعية الرثة الجافة الفجة التي تنسخ الواقع نسخاً دون إضافة تلك اللمسات السحرية التي يتميز بها الفن الحقيقي. وأما الحروب والدمار والحواجز الكثيرة التي تهدف الى تدمير الحياة وقتل الإنسان وإعاقة حركته ونموه وإيقاف حياته لدرجة الخنق، فهي صعبة التخيل على من لم يعاينها، لكنها تذكر القارئ المطلع أو الساعي لفهم الواقع وإدراك الحقيقة هناك، بما حدث ويحدث في الضفة الغربية وغزة الباسلة بصورة يومية دائمة تقريباً. فهي من شدة هولها وحِدتها وغرابتها عن أبسط القيم والتصرفات الإنسانية، تبدو خيال في خيال كأعمال السحر ولو شاهدها العالم على شاشات التلفاز كألعاب الأتاري، بدليل أنها لم تؤثر إلا في القليلين ولم يتم بالتالي وضع حد لهذا الإجرام المتواصل والخنق البطيء الممتد منذ ما يربو على القرن.

مخيمات بائسة: جحيم يُخَرج أبطالاً
وقد أبدع المؤلف في وصفه للواقع المزري في هذه المخيمات البائسة التي تسعى لتدمير الروح المعنوية لسكانها، فالإقامة بها فوق طاقة البشر على التحمل: فلا خصوصية انسانية ولا صحة ولا نظافة ولا عمل ولا كرامة، بل بيوت وعمارات متهالكة متداخلة وشوارع متربة تعلوها مياه المجاري الآسنة القذرة. كل ذلك العذاب خلطه المؤلف ببراعة بشيء من الفكاهة المرة حيث صراع الزوجات على تصرفات أزواجهن وحتى على الملابس الداخلية المتساقطة من حبال غسيل بعضهن من فرط التداخل والفقر والحاجة. هذا الملمح يذكر القاريء بكتابات إميل حبيبي في ” الوقائع” وغيرها من أعماله.
ولكن هذا الهول لا يجعل الناس يستسلمون في معسكر الحصار لاحتياجاتهم الأساسية وينسون بيوتهم ومدنهم وقراهم التي كانوا يعيشون فيها عيشة رغدة آمنة رضية تتناقض كلياً مع واقعهم الحالي المزري. بل من رحم هذا العذاب يخرج مقاتلون أشداء يحاولون مقاومة عدوهم المسلح بأحدث الآليات والتكنولوجيا، بشجاعتهم وإصرارهم الذي لا يلين. وطرح الروائي هنا شبيه بأسلوب غسان كنفاني في ” أم سعد” و ” عن الرجال والبنادق” حيث يلعب البطل دور ايجابي في الفعل الاجتماعي المكرس لمواجة الاحتلال ورفع الظلم ومحاولة استرداد الحق. مهيوب يستشهد في مقارعة غربان الاحتلال سعياً لدحره واستعادة ذلك الجزء من الوطن الغالي الذي يحوي بيت أهله ذا الواجهة الحجرية البيضاء في الفلوجة والذي كان معموراً بالخير والامل ككل بيوت عباد الله فوق هذه البسيطة، إلى أن حدث ما حدث من زلزال في ذلك العام الأسود من منتصف القرن الماضي. والرواية لا تصور البطل على انه شخصية خارقة، بل انسان ملتزم بقضيتة ولكنه لا ينسى ولا يتنكر لانسانيته في الوقت نفسه. فرغم تاريخ عائلة مهيوب النضالي حيث أن جدّه من شهداء ضياع الجزء الاول من الوطن، تناوشه دوافع التردد والإقدام عند مواجهة عساكر الاحتلال، ولكن الشجاعة والإقدام تتغلب في النهاية بفعل قوة الدافع والتربية التي ترفض الاستسلام والنسيان وتعلي من قيم الشجاعة والشهادة والمقاومة. كذلك فإن لجهاد الأسمر موقف رائد في مواجهة الاحتلال حيث ينضم لرجال الانتفاضة يصنع لهم المتفجرات وينتهي به المطاف شهيداً في منظر مألوف معتاد هناك من كثرة تكراره، حيث يتم تدمير المحددة التي يعمل بها وتقطيع جسده الطاهر أشلاءً. وهل يحتاج الإنسان إلى دافع اقوى من فقدان الوطن والبيت والمزرعة ومصدر الرزق وهدر الكرامة؟ ولذا ترى هذا السيل المنهمر الذي لا يتوقف عن الجريان من الشهداء والجرحى والأسرى والاحتفاء بهم وكأنهم يسيرون في موكب عرس فلسطيني لا ينتهي. فرغم الجراح الكثيرة والبليغة في أحيان كثيرة، تجد الناس في ” معسكر الحصار” أشد اصراراً على التحدي والمواجهة. وهذه لعمري حالة فريدة من نوعها في التاريخ!
وسكان ” معسكر الحصار” لا يقاومون فقط، بل يحاولون أن يعيشوا الحياة ” إذا ما استطاعوا إليها سبيلا”، فهم يحبون وينجبون الأطفال ذخيرةً لغدٍ قادم لا محالة. فها هي تغريد تحب الحداد جهاد وتُخطب له وتتبادل معه في غدوها ورواحها النظرات الموحية والابتسامات التي ترفعه إلى عنان السماء بعيدا عن تعب ومرارة الحدادة وهي تمني النفس بالزواج منه وتأسيس أسرة تؤمن لها السعادة والأمان وإنجاب الأطفال، بل ويقرءان معاً أشعار شاعر الياسمين الدمشقي نزار قباني. وأبو غازي موله بزوجته عائشة الجميلة البضة ” الحمامة البيضاء” التي تنجب له الكثير من الأطفال ويستأنس الاقامة معها ولا يستطيع مفارقتها حتى لمرافقة ابنته إلى دنيا الغربة في واحة الرمال للعمل مدرسة هناك. وماجدة أخت جهاد الاسمر تُخطب لغازي أخو تغريد الذي يغادر البلاد للدراسة في أمريكا لفترة محدودة إلا أنه لا يعود ويؤثر مواصلة العيش هناك. والأطفال في هذا المعسكر لا يجدون ما يقومون به سوى رمي الحجارة على دبابة الميركافا وتحدي قوات الاحتلال التي تصطاد اثنين منهم: نضال شلهوب وجعفر الأسمر وفي ذلك ما فيه من جناية على طفولتهم. والجميع كذلك يصر على زراعة الاشجار والنباتات التي تذكرهم بخضرة الوطن أينما حلوا، وابو مهيوب هو رسول تلك المهمة النبيلة في الوطن والغربة.

هول لا يقدر عليه الا الاقوياء
ولكن العلاقات الايجابية لا تغير من واقع المرارة لدرجة اليأس أحيانا التي تسيطر على أهل “معسكر الحصار”، ولكلٍ أسلوبه في مواجهة تلك الظروف القاهرة. فها هو والد جهاد الاسمر يصر على التدخين بشراهة حتى يفتك به بسبب اليأس والصدمة من واقع الحال. وأبو غازي يرضى بما قسم له من إيراد دكانه الهزيل و يوافق على إرسال ابنته تغريد لوحدها للعمل في واحة الرمال لتدبر أمور العائلة، وكذلك الحال مع عائلة الأسمر. فالفقر طاغ هنا حيث البطالة تتجاوز ثلاثة أرباع السكان، عدا عن المعوقات الكثيرة كالحواجز التي تفسد كل شيء وليس تجارة الخضار والفاكهة فقط. فلا حركة ميسرة ولا تواصل لإتمام العملية الاقتصادية. كذلك فان هذا الشعب بدون قيادة ترعاه وتوجهه رغم كثرة التنظيمات التي يتاجر به أغلبها، بل على كل فرد منه أن يتدبر أمره بنفسه، وهذا سبب آخر للمعاناة والعذاب والهزائم. ومن هول وصعوبة الموقف هناك، يتردد الراوي نفسه في الكتابة عنه، كما يصرح بذلك في ثنايا الرواية.
وتبدأ رحلة الفتاتين ماجدة وتغريد في ديار الغربة برفقة رجل غريب تضطرهما قوانين واحة الرمال العجيبة لاتخاذه محرًماً لهما حتى يتدبر أمورهما هناك، رغم أنهما كحال الكثيرات من المعلمات والطبيبات والممرضات وغيرهن من العاملات في تلك الديار، يقمن بعمل جليل وهام، لا يتم الاعتراف بهما وبدورهما الحيوي إلا من خلال ذلك المحرم العجيب الذي ينوب عنهما في كل شيء، إلا أداء العمل. ومن بداية الرحلة يرى جهاد الأسمر بحكمته أنه “من الظلم تحميل هاتين الصبيتين مشاكل وطن بأكمله” وكأنه يتوقع التعقيدات التي ستنتج عن تلك الرحلة. ولكن كما يرى الجميع فإن ” الضرورات تبيح المحظورات”.

واقع المرأة هنا وهناك
وتعرض الرواية صورة المرأة وواقعها في معسكر الحصار(فلسطين عامة وقطاع غزة خاصة)، حيث تتمتع بحرية شخصية وفكرية ونضج متقدم مقارنة بما هو عليه حال شقيقتها في واحة الرمال، وذلك بأسلوب المقابلة. فهاتان الفتاتان ماجدة وتغريد كانتا تدرسان الفن والرسم إضافة الى اللغة العربية في كلية الشاطيء على يد الاستاذ فكري المصري الذي كانت طالباته كثيراً ما توقعانه بمقالب ظريفة لا تسئ له أو لهن، بل كنوع من الدعابة والعلاقة الإنسانية الصحية. كذلك فإن الشباب هناك لديهم قدر معقول من الحرية في بناء علاقات شخصية و إجتماعية تؤسس لزواج سليم. هذا في حين ان المنع والعزل والحجب المسيطر في واحة الرمال ينتج عنه علاقات مشوهة بين الرجل والمرأة، وكبت مفرط وهوس جنسي قزًم وضع المرأة إلى مجرد أداة جنس وإنجاب وزواج غير مستقر وخيانات ونسبة طلاق مرتفعة وتعدد الزوجات وشيوع المخدرات. فعلى العكس من الغزل الرقيق الذي لا يتجاوز الحدود الذي كانت تسمعه الفتاتان احياناً في شوارع معسكر الحصار، يصدمهن في واحة الرمال ذلك الغزل ” الدبق اللزج” الذي يفوح ايحاءات جنسية، إضافة إلى اطلاع صغار التلميذات على أدق امور الجنس والخيانات الزوجية. ومثل هذا الوضع ينحط بالإنسان من سموه عليائه الروحي والقيمي إلى بهيمية الحيوان. فكل شي في الواحة حرام وكل شي عيب و مخالف للعادات الأصلية، والحجاب الذي يخفي وجه المرأة يخفي حقيقتها ويعطل دورها في الحياة. فهي محرومة من كل شي والرجل كذلك ضحية لذلك الهوس الجنسي المرضي والفراغ النفسي والفكري. فالجنس في نهاية المطاف ليس غاية بذاتة، بل هو يهدف الى تعزيز العلاقة الروحية المتمثلة بالحب الذي يربط كلا من الرجل والمرأة ببعضهما. في حين أن هذا التزمت يعطي مردوداً عكسياً ينتج عنه هذا الفحش والدمار الروحي الجلي في واحة الرمال.

احتلالان بطبيعتين مختلفتين ونتيجة واحدة
يشير الراوي ببراعة الى سلبيات الاحتلال الصهيوني المدمرة لحياة الفلسطيني في الوطن، حيث سلب الشجر والحجر والازدواجية القاتلة التي يعانيها في الغربة بسبب فقدانه للوطن والهوية وفي معظم الاحيان للكرامة بفعل تنكر أبناء جلدته له. ولكن رغم كل ذلك العذاب، تجد الفلسطيني قد ازداد قوة وصلابة في الوطن وذلك حسب منطوق القول المأثور ” الضربة التي لا تقصم الظهر تقويه”. فها هما تغريد وماجدة قد تعلمتا كحال الكثيرين رغم ضيق ذات اليد، ويممتا شطر واحة الرمال لتعليم أهلها اللغة العربية وعائشة تتمتع بنظرة وفلسفة متقدمة في الأمور الاجتماعية والوطنية. وكذلك أبو مهيوب وجهاد الاسمر. كما وأن معسكر الحصار عامة يتسم بمناعة قوية وتضامن فريد في الافراح والاحزان. أما في واحة الرمال فقد نتج عن الكبت والتضييق على الإنسان، مجتمع مسطح مدمًر من الداخل يفتقر لأي اهتمامات فكرية أو عقلية أو وطنية أو انسانية سامية، بحيث أصبح أهل الواحة رجالاً ونساءً بلا مضمون كالرجال الجوف الذين تحدث عنهم تي اس اليوت في إحدى قصائده التي تحمل العنوان نفسه، همهم الوحيد هو السعي لاصطياد أنثى أو ترتيب خيانة. فالزوج لا يتورع عن الإتيان بعشيقته إلى البيت والمرأة لا تتورع عن التمتع بعلاقات جنيسية خارج الزواج المضطرب مع السائق كحال أم شيخة التي تمارس سلطاتها على السائق الفلبيني و تصفعه لتأخره عن موعد قدومه لاصطحابها للبيت عقب زيارتها لماجدة وتغريد، مما يدفعه لفضحها بقوله ” ما في دق دق” هذا اليوم. وهذا الكبت والمغامرات الجنسية والعاطفية المفرطة في واحة الرمال تذكرنا برواية الكاتبة السعودية رجاء الصانع ” بنات الرياض”. حتى الزواج نفسه، هذه الرابطة المقدسة، فقدت معناها هناك، بل أصبحت مجرد علاقة عرضية مؤقتة لقضاء الوطر فقط لا غير بلا أي بعد روحي أو أنساني أصيل. فهناك المسيار والمسفار والسياحي وخلافة من أنواع الزواج العجيب المعروض كالخضار على بسطات ” وعاظ السلاطين” في واحة الرمال. والهدف من وراء ذلك كله هو التحكم بالإنسان والسيطرة عليه من خلال افراغه روحيا وإغراقه في هذا المستنقع الجنسي الذي لا قرار له، بحيث يغيب الناس عن الوعي وتستأثر تلك الطغم بخيرات البلاد وتستعبد أهلها. وكأننا انتهينا إلى نفس النتيجة، الاحتلال والاستبداد وجهان لعملة واحدة.
ومن الملاحظ أن الكاتب قد أضاف بهذه الحكايا والمغامرات لمسات مغرية جذابة لروايته تشد القارىء لمتابعتها مثل زواج السائق من المدرسات الأربع اللواتي ينقلهن من واحة الرمال الى قرية السراب، وكذلك الاب الذي يوقع بفتاة مبرقعة من أمام المدرسة، يتبين له فيما بعد أنها ابنته التي أرادت تعلميه درسا بليغاً.

شخصيات رمزية
كما وان كل شخصية من شخصيات الرواية تحمل طابعا رمزياً خاصاً في الرواية لها مدلولها في الحياة الفلسطينية شديدة التعقيد والغناء والتنوع. مهيوب وجهاد الاسمر يمثلان البطلين الطليعيين اللذين لا حدود لتضحيتهما في سبيل الوطن. غازي يمثل المثقف او المتعلم الذي يهرب من واقعه نحو الوهم والسراب وهو شبيه بأبطال رواية غسان كنفاني ” رجال في الشمس” الذين يلاقون حتفهم داخل خزان المياه خلال عملية تهريبهم على الحدود بين الكويت والعراق، ويقوم أبو الخيزران، سائق الخزان والمهرب لهم بالقاء جثثهم على أطراف الصحراء الخاوية. فلا حياة ولا مستقبل ولا أمل ولا كرامة خارج الوطن. صحيح ان غازي سافر لطلب العلم مْؤقتا ولكنه لم يعد ويقوم بفسخ خطوبته من ماجدة التي تمت دون إرادة منه في صغرة، ولكنه على أي حال لا يقوم بواجبه الوطني، بل يترك الوطن مولياً صوب ديار العم سام كحال الكثيرين. وأبوه رجل قليل الوعي واقعي يريد تدبير امورة وكفى، وذلك على العكس من زوجته عائشة التي تتمتع بوعي متقدم في الأمور الاجتماعية والسياسية والوطنية.
أما نضال شلهوب وجعفر الأسمر فهما يمثلان ما عرف حديثاً ب”أطفال الحجارة” الذين نالوا اعجاب الدنيا كلها، وكان من الممكن لتلك الدماء الزكية أن تنجز الاستقلال الوطني لجزء من الوطن لو أحسن السياسيون التصرف و استغلال التعاطف الذي ولدته تلك الأرواح الطاهرة. وبالتأكيد أن هؤلاء الاطفال والشهداء يمثلون أنصع ما في تاريخنا الحديث خاصة أبان الانتفاضة الاولى. وابو مهيوب نموذج لشخص عركته الأيام فهو أب لشهيد، ورجل (تقي وأمين ونافع) يؤمن بالعمل و قانع بدوره في نشر الخضرة رمز الخير في معسكر الحصار والغربة كحال كثير من الفلسطينيين الذين ساهموا بكفاءة في بناء وتنمية العديد من واحات الرمال العربية.

المرأة حارسة الذاكرة والوطن
وتعرض الرواية موقفاً متقدماً من المرأة يستحق الإشادة، فهي من يحدد البوصلة والرجال مجرد ناطقين باسمها، كحال أبو مهيوب مع ماجدة وتغريد. فعائشة ليست منجبة أطفال فقط، بل هي من يبتكر فكرة المحرم أبو مهيوب لتأمين سفر تغريد وماجدة لكسب الرزق وتأمين احتياجات العائلتين، وهي من يعزز الصمود بالصبر والرؤية الوطنية الجلية، فهؤلاء الغزاة، كما ترى، مصيرهم إلى زوال لانهم معتادون على الرفاه وأكل الكافيار ولا يطيقون مشقات وعذابات هذا الصراع المديد كحال اهل البلاد الفعليين الذين من فرط حبهم لها وتعلقهم بها يقتاتون اعشابها إذا ما ضاقت بهم الحال، فهي وطنهم الذي لا وطن لهم سواه.
هذه منهجية واستراتيجية ليت المعنيين ياخدون بها. ونجد أن دور ماجدة وتغريد ريادي بل بطولي، فهما من يقومان بكسب الرزق في الغربة و يضحيان بصباهما وسعادتهما من أجل الآخرين لمدة طويلة.
الرواية مساحة رحبة لمناقشة الكثير من قضايا التراث ومشاكل الأمة
بعد أفول العديد من المذاهب والمدارس الفلسفية حديثاً على مستوى العالم، أضحت الرواية المعاصرة عامة تقدم مجالا رحباً لتقديم جرعات دسمة من الفكر والثقافة للقاريء. فقد تناولت هذه الرواية من خلال شخصياتها المتنوعة العديد من قضايا الدين والتراث وعلاقات الرجل والمرأة وقضايا التخلف الذي تعيشه تلك الواحات رغم ثرائها الفاحش وذلك من خلال حوارات ماجدة وتغريد مع العديد من اهل واحة الرمال الذين تصادف التعامل معهم في المدرسة أو العلاقات الاجتماعية القليلة. إن هاتين الفتاتين ليستا مدرستا لغة عربية فقط، بل تعتركان مع العديدات في أمور التنوير والتوعية.
وتولي الرواية اعتباراً خاصاً لمناقشة قضايا الدين خاصة تلك المتعلقة بعلاقات الرجل والمرأة وتقدم رأيا تنويرياً يتناقص مع الرأي السائد في الواحة والذي يتميز به (مذهبهم) على راي ام شيخة، وذلك نظرا لدور الدين الهام في بناء المجتمع والثقافة والحضارة. كذلك تعرض الرواية قضايا الحدود العربية وعذاب الإنسان عند عبوره لها بصورة بارعة، مألوفة لمن ارتاد تلك الديار، فتجد الناس يعانون الويل من شدة الحر، وموظفو الحدود يتلكأون ساعة بالوضوء وساعة بالصلاة والويل لمن اعترض.

تناص واقتباس
عمليات التنصيص والاقتباس في الرواية عديدة وكلها ليست زائدة، بل تضيف الكثير للموقف الذي وردت به ومضمون الرواية ورسالتها عامة، فهي تقتبس من أعلام الأدب الحديث والتراث، وهذه من علامات الرواية الحديثة فقد مارسها إميل حبيبي ويمارسها حالياً إلياس خوري وغيره من الروائيين. حيث يرى المؤلف عادة بأن النص بحاجة للتعزيز باقتباسات بليغة تضفي عليه أبعاداً إضافية.
ومن الملاحظ أن الكاتب يكثر من اللجوء للتراث لأهميته ودوره في تكوين الفكر العربي. كذلك فإن الرواية تشتق اسلوبا حديثا من خلال التحدث مباشرة الى القارئ وشخصيات الرواية ومناقشة مصير كل منها.
المأزق الإنساني الذي لا بد من مواجهته في النهاية
على مدار أعوام عدة، تقوم الفتاتان في العمل في تعليم اللغة العربية في إحدى مدارس واحة الرمال وترسلان ما تدخرانه لعائليتهما في معسكر الحصار لإعانتهم على الصمود وتدبير أمور الحياة هناك. تسافران مع ابو مهيوب لقضاء الإجازة الصيفية في المعسكر كل عام، ولكن الوضع في المعسكر يتدهور ويزداد سوءاً والحياة تقترب من المستحيل فلا شيء هناك سوى القتل والدمار والإرهاب والجوع الذي يمارسه الغزاة على أهل المعسكر باحكام شديد.
أخر المحن في الرواية كانت تدمير محددة جهاد الاسمر واستشهاده وكذلك فسخ خطوبة ماجدة من غازي. وترى الأهل هناكً يرفضون كافة الخُطاب الذين تقدموا لهما طمعاً في تأمين معيشة العائلتين في معسكر الحصار فقد أصبحتا بمثابة بقرتين حلوبتين لا يمكن الاستغناء عنهما. والعمر يتقدم بهما ولا علاقات طبيعية تساعدهما على اختيار شريك العمر في الواحة. وهما يقضيان الوقت في الغربة بين المدرسة والتحدث مع مروحة الهواء بشقتهما التي تحاول تلطيف ذلك الجو شديد الحرارة والرطوبة بلا أمل في رجل يكمل حياتهما.
وهناك في الواحة “لا أحد يهتم بك كإنسان” كما تصف ذلك ماجدة الحال. وبفعل ضغط النزعات الأنثوية الطبيعة لديها تصرخ ماجدة بتغريد قائلة لها” اريد شاباً يدللني. الطبيعة تكره الفراغ”. ولا يجدان في النهاية سوى مَحْرمها الكهل ابو مهيوب الذي تفاتحه ماجدة في الأمر ويتم زواجه من الاثنتين خلال أسبوعين. تتعكر العلاقات بداية مع عائلتيهما ولكن عائشة أم ماجدة بوعيها تتدبر الأمر، وتعود المياه إلى مجاريها. ولكن هذا الحل مشكلة لا تقل إشكالية عن المشكلة نفسها.

خاتمة
هذه رواية تاريخية اجتماعية رمزية مرحة هامة. تتناول مرحلة هامة من تاريخنا وكذلك من واقع واحة الرمال العربية، التي ويا للهول انتقل فكرها الرجعي الى معسكر الحصار وغيره من الديار العربية واحدث ما أحدث من الدمار والفتن والكوارث. ولكن الروح التي ولدت تلك الانتفاضة الشعبية الباهرة وميزتها تستحق الدراسة والنظر ومقارنة الواقع الذي كان سائدا في تلك الفترة بما هو سائد الآن.
لا يمكن ان ينجز استقلال وتحرر دون تضامن وتماسك شعبي بل وإيثار، أما الأنانية والمادية والتكالب على حطام الدنيا، فهو وصفة جاهزة للعبودية واستمرار الاحتلال وهذا ما تعرضه الرواية ببراعة. كذلك تتناول عمل ودور المرأة في المجتمع ومصادرته من قبل الرجل.
والكاتب فحماوي ضليع ومتمكن من الفن الروائي وكذلك من الموضوع الذي عرضه في الرواية. وميزة أخرى للرواية روح الفكاهة الغالبة عليها رغم الجو السوداوي علً ذلك يخفف من الاحتقان السائد. فعندما يصدك حاجز بعد آخر عند محاولتك الخروج من معسكر الحصار الواقع جنوب الوطن وتسأل عن السبب، فيقال لك بأن هناك انتخابات تجري في مستوطنة كريات شمونه المقامة شمال فلسطين، فأية فكاهة مرة ستتولد لديك. إنه ضحك كالبكاء وهذا هو حال معظم المواقف التي توردها الرواية سواء كانت في معسكر الحصار او في واحة الرمال العجيبة.
الرواية كذلك تقدم تحليلاً منطقياً متقدماً حول علاقة الرجل بالمرأة، فكثيرون لا زالوا في واحة الرمال يتبنون الفكر المتخلف نفسه بالنسبة للمرأة وعلاقتها بالرجل، فلعل هذه الرواية تمثل جرس إنذار لهم. فرغم اكتشافهم العجلة مؤخراً بسماحهم بقيادة المرأة للسيارة، لا زال الإرهاب والدكتاتورية في الأمور السياسية والاجتماعية هي السائدة. بإيجاز شديد.. الرواية ممتعة وقيِّمة وتستحق القراءة.

*( طاهر العتر، ماجستير في الأدب الإنجليزي والأمريكي.)
جامعة انديانا ستيت، تيري هوت، إنديانا، الولايات المتحدة الأمريكية.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق