ثقافة المقال

“لخضر” ياسمينة صالح ..تراجيدية الأوطان في رواية

فاطمة عبدالله

كيف يمكن رواية ان تبدأ أو تنتهي بصورة؟ هل يمكن الصورة ان تغيّر شخصاً، لم تهزه المعارك أو الحروب الخفية، الباردة أو الساخنة، ولم تغيره الهزائم القديمة والدسائس التي كانت تحاك ضده في الظلام… ومع ذلك هزمته صورة؟ انه “لخضر” للكاتبة الجزائرية ياسمينة صالح (المؤسسة العربية للدراسات والنشر)، الفتى الذي عاش الحرمان والبؤس والجوع والكبت والفشل والصمت، الى ان سخر منه القدر فرفعه الى رتبة جنرال في وزارة الدفاع، حيث “الكبار” يسيرون على السجاد الإيراني الفخم. أهّلت الكاتبة لخضر ليلعب أكثر من دور في الرواية. ربما بالغت في إيذائه عندما رمته في أسرة نهشها الفقر من كل جوانبها، وحرمته حنان الأم لتتركه بين أحضان والد لا يرحم، يعمل في الميناء حمّالاً لأكياس أقسى من هموم الحياة، تاركة للمصادفة الحرية المطلقة في تغيير حوادث الرواية وفق مزاجها الدرامي.


اختيار لخضر اسماً لبطل روايتها، مثير لاستفزاز القارئ، فكيف إذا أرادته رمزاً لحالة وطن نخره الارهاب والصراع الكافر بين المال والسلطة وما بينهما من تصفية حسابات دنيئة وعمليات ارهابية قذرة؟
ببطء مثير للأعصاب، تتّبع الكاتبة عداً عكسياً مؤلماً لسرد حوادث الرواية بأسلوب تتعمد من خلاله ان يشعر القارئ انه معني بأدق تفاصيلها، بخيباتها، برعبها، بأسئلتها السوريالية، بنبرتها المضطربة الصاخبة، بإشكالياتها المحرضة، بصمتها القاتل وبصراخها الصامت. تبدأ من صورة أعادت لخضر الى الماضي بعدما ظن انه كبر على أوجاعه القديمة، ولم يعد يتألم وهو يسمع أشياء تخصه وتخص تفاصيله. عاد الى شبابه المريض حيث لم يكن في حاجة الى الشفاء والى الحياة التي بطولها وعرضها لم تكن تساوي جزمته الممزقة. عاد الى والده الذي رآه راتباً يقبضه نهاية كل شهر من دون ان يسأله عن مطالبه، أو ماذا يريد وما لا يريد من هذه الدنيا. عاد الى الفتاة التي أحبها ففقدها لأنه لم يملك شيئاً لها، ولأنها لن تقبل ان تخرج معه طوال العمر لتشتري له كيس ذرة تدفع ثمنه من مصروفها الخاص فيأكله جائعاً ونهماً.
تطور درامي يطفو فجأة على صفحات الرواية عندما تقرر حبيبته الجميلة الزواج من ضابط هو مدعاة فخر في المجتمع بدلاً من لخضر الحمّال ابن الحمّال المعتوه، المثير للشفقة، الذي يسير في الشارع ضارباً ببؤسه عرض الحائط. يقرر عندئذ الرحيل الى مجهول يبحث فيه عن سلطة مشوّهة ومجد زائف، ليثبت لها ولوالده ولنفسه انه ليس كائناً مجهرياً مليئاً بالجراثيم الممرضة.
قدر تراجيدي مبعثر العناصر يرميه حارساً ليلياً لمستودع ضخم لإحدى الشخصيات النافذة في الدولة. لم يكن يعلم ماذا يوجد داخل الصناديق الباردة، لكن فضوله دفعه لفتح أحدها على رغم علمه المسبق بعاقبة ذلك، ليكتشف انها مليئة بالأسلحة والرصاص. كأن حياته لا تنجو من السخرية، فُتح الباب فجأة. دخل أحد الحراس. أمسك لخضر مسدساً، صوّبه تجاهه، قتله، وقتل آخر معه. كاد ان ينهار، صوّب المسدس تجاه نفسه. ضغط على الزناد، فشعر بالألم ثم وقع على الأرض غير آبه للأصوات من حوله بعدما أصبح ميتاً!
يتبدل الوضع الدرامي مجدداً. ينجو لخضر من الموت ليكتشف انه قادر على اقناع المحققين بأنه تصدى لهجوم مسلّح على المخزن ذهب ضحيته اثنان من الحراس، وكاد ان يكون الثالث لولا شفاعة القدر! كانت مهارته في نسج تلك الرواية بكل تفاصيلها حبل خلاصه من الإعدام، ومدخلاً ليبدأ عمله الجديد: مخبراً عند الكبار، يراقب من يشاؤون بعين منخورة القوى، خالية من الجدوى، وحيدة ومريضة، لينفذ كلما تقدمنا بالقراءة عمليات ارهابية مرعبة لا يعرف هو نفسه من يذهب ضحيتها حتى اللحظة الأخيرة.
كصورة لعالم عربي يحارب التغيير بكل الوسائل التي لا تبررها أي غاية، هو لخضر. أدخلوه الجامعة الوطنية تحت ستار عمله كمساعد لسكرتير مديرها، وذلك لرصد تحركاته وكيفية تعاطيه مع الطلاب ولا سيما التغيريين منهم، ورفعها على شكل تقارير يومية. كان متفوقاً في حبك تقارير مليئة بالمبالغة والكذب تجعل المسؤول البدين يبتسم ابتسامة راضية وهو يدخن سيجاره الكوبي، مسترخياً على كرسي يئن من ثقل جسمه. تلك هي لعبة القط والفأر التي يصرخ الشعب قبل نهايتها “النجدة!” قائلاً للمتحكمين بشروطها من بعد: “سنتنازل لكم عن الخبز والحرية لأجل الأمن”. يعود الفضل في ذلك “المجد” الذي بلغه الى مخيلته الرهيبة القادرة على ابتكار سيناريوات بوليسية كالتي كان يشاهدها في السينما عندما كان يتسلل إليها خلسة ويجلس في المقعد الخلفي حتى يتمكن من الهرب قبل نهاية الفيلم واشعال الأضواء. كل النهايات غير المكتملة احتفظ بها في مخيلته ليكتب منها بداية ازكاء الفتنة بين الاسلاميين والشيوعيين داخل جامعة تحولت صراعاً بين الكبار بجثث الصغار باسم الإيديولوجيا والدولة، ويشارك في تصفية صحافيين يحثّون الشباب على التغيير ونقابيين يطالبون بحرية الشعب ولقمة عيشه. يتساءل لخضر: “أليست هي نفسها البلد التي صنعت هذه التراكمات النفسية لأجيال كثيرة؟ جيل بعد جيل يرث الخسارة كاملة، ويرث الخطاب نفسه”.
بحركة مسرحية غير مقصودة يتزوج لخضر لينجب ولداً يلتقي به مصادفة بعد ثلاثين عاماً عندما يحمل ملفه بين يديه ويتم قبوله ضابطاً في وزارة الدفاع. نهاية تراجيدية تلف الرواية بوشاح أسود عندما وقع ابن لخضر فريسة عملية ارهابية، ليدخل المستشفى بين الحياة والموت. تتبدل فجأة شخصيته من دون ان تنقشع ملامحها حتى نهاية الرواية. كل شيء يتلاشى أمام فكرة الموت، ولا يبقى سوى انسان محطّم، نادم من دون فائدة، في حاجة الى أكثر من رواية حتى يعترف لابنه بأبوّة كوميدية، ولوطنه بولاء كاذب، ولنفسه برجل عربي أصيل.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق