قراءات ودراسات

قراءة في كتاب ( حاخامات الدم في الشرق الأوسط )

 فايز محيي الدين البخاري*

كثيرةٌ هي الكتب التي تناولت ما اصطُلِحَ عليه بـ ” الإسلام السياسي” لكن القليل منها مَن تجرَّاَ كُتَّابُها وطرحوا آراءَهم بكل شفافية ووضوح, والأندر مِن كل ذلك مَن هاجمَ دُعاة الإسلام السياسي وعرَّى مثالبهم، والتي بسببها وصلتْ دول الشرق الأوسط – ونحن منها في اليمن – إلى ما نحن عليه اليوم من تشرذم وانقسام وصراعات لا يبدو لها آخر.
لكن في كتاب ( حاخامات الدم في الشرق الأوسط ), الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة 2019, جاءَ الأمرُ مختلفاً ويحمل قدراً كبيراً من الشجاعة والموضوعية في طرح الآراء؛ والرصانة والدقة في التحليل؛ والمصداقية في التوثيق والاستدلال، الأمر الذي يجعل منه كتاباً فريداً في محتواه وأسلوبه.
ولعلَّ مؤلفه الكاتب “أحمد محمد عبده” قد سلكَ طريقاً في نقده لواقع الأُمة العربية, بعد إفرازات ما اصطُلِحَ عليه زوراً بـ “الربيع العربي”, حَرِصَ مِن خلاله أنْ يُقدّم الحقيقة المُطلقة التي تغافلَ عنها البعضُ وسكتَ عنها البعضُ, خوفاً وخشيةً من تيار الإسلام السياسي الذي تبنَّى العنف والإرهاب بشكلٍ علني, في رغبةٍ جامحة لإسكات كل معارضيه. وهو ما كان له كبير الأثر على الكثير من الكُتَّاب الذين آثروا السلامة, واجتنبوا النقد المباشر لهذا التيار المُسلّح والمتشدد، خاصةً بعد سقوط العديد من المفكرين والكُتّاب الذين تعرّضوا لهم ولمنهجهم بالنقد والتفنيد، ليس أولهم الدكتور فرج فودة في مصر, ولا آخرهم شكري بلعيد في تونس.
“أحمد محمد عبده” دخلَ في نقد هذا التيار مباشرةً ودون مواربة، والأجمل من ذلك؛ أنَّه لم يُقدِم على تأليف كتابه إلَّا وقد تسلَّح بالعديد من المراجع والمصادر, التي تؤكد صحة ما يذهب إليه في طرحه وتحليله.
وتميَّزَ الكتابُ عن غيره؛ بأنَّ مؤلفه اجتنبَ الكثير من الحشو, وولجَ مباشرةً إلى صُلبِ الموضوع، فضلاً عن تطعيمه بأقوال لأفضل الكُتَّاب والمفكرين الذين نهجوا على نفس المنوال.
الكتاب يقع في 280 صفحة من القطع المتوسط ، وحوى بين دفتيه ستة فصول:
تناول الفصلُ الأوّل الذي جاء تحت عنوان “أفيون ماركس” الغيبوبة التي عاشتها أوروبا قبل عصر التنوير ودخولها في العصر العلماني الحداثي, وهو المنعطف الأهم في تاريخ أوروبا ,وبداية الانطلاقة العظمى نحو التطور والرقي وتسيَّد العالم.
منتقداً خلال ذلك التيارات الدينية التي تتمسك بقشور الدين, وتنفصل عن روحه وجوهره، فهي تلجأ للدين هرباُ من واقعٍ محبط, فإذا بها تزيده إحباطاً وسوداوية. مفنداً لمقولة دعاة الإسلام السياسي “مَن ليس معنا فهو ضدنا”, والتي يرى فيها معضلة حقيقية وطامة كبرى, أرسَتْ لمبدأ الإقصاء الذي يسير عليه هذا التيار, في محاولةٍ منه لفرض آرائه بالقوة ومناصبة العِداء كل مَن يختلف معه. وهنا تكمن الخطورة التي قادتنا إلى ما نحن عليه اليوم من وضعٍ كارثي.

فيما تناول الفصلُ الثاني الذي حملَ عنوان “محنة هذه الأُمة”, وتكمن في الفِرَق والطوائف الدينية الإسلامية, التي ظهرت منذ فجر الأمة حتى اليوم, فرق التعصب والتشدد والقتل والكراهية, مستعرضاً بعض صفاتها وصراعاتها التي أنتجتْ الصراعات القائمة اليوم، وجاء لنا الكتاب بإحصائية لعشرات الميليشيات المسلحة التي لوثت بالدم منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من أفغانستان حتى مالي ونيجيريا, منها ( الإخوان المسلمون / تنظيم القاعدة / تنظيم الجهاد / السلفية الجهادية / التوحيد والجهاد / أنصار الجهاد / جماعة الجهاد الإسلامي / مجلس شورى المجاهدين /أنصار الشريعة /أنصار الإسلام/ أنصارالله / أنصار بيت المقدس / أكناف بيت المقدس / أهل السنة والجماعة /عصائب أهل الحق / الناجون من النار / جيش فتح الشام ” جفش ” / جماعة الفرقان /لواء جيش الإسلام / جند الإسلام/ جبهة ثوار سوريا/ التكفير والهجرة / التكفير والجهاد / طالبان / بوكو حرام / كتيبة الموقعون بالدم /اتحاد المحاكم الإسلامية / شباب المجاهدين / الدولة الإسلامية فى العراق والشام ” داعش ” / أجناد مصر / حسم / تنظيم خراسان / ميليشيات الحشد الشعبي / جماعة تركستان /جماعة أبو سيَّاف /جند الخلافة فرع داعش فى الجزائر / الجبهة الإسلامية للإنقاذ / الجماعة الإسلامية المسلحة / جماعة البدر / حركة الغرباء / حركة نور الدين زنكي / لواء أبو الفضل العباس / لواء ذو الفقار / لواء عمار بن ياسر / تنظيم عسكر طيبة /لواء داود الإسلامي /كتائب سيد الشهداء / لواء الإمام الحسن المجتبى / صقور الشام / لواء التوحيد / حركة أحرار الشام / كتائب الإيمان / حركة الفجر الإسلامية / أنصار الشام / لواء الحق / جيش المجاهدين والأنصار /جيش محمد /كتيبة المجاهدين والمهاجرين / الحوثيون / قوات درع ليبيا / ميليشيا حطين / كتائب الزنتان /لواء القعقاع /الصواعق / النواعق / فجر ليبيا /مجلس شورى ثوار بنغازي /غرفة ثوار ليبيا / كتائب مصراته / لواء شهداء 17 فبراير/ جماعة شباب محمد / القطبيون /الشوقيون / السماويون / حزب التحرير / تيار التوقف والتبين / تنظيم القاعدة فى المغرب الإسلامي /كتيبة الحرمين / لواء شهداء دوما / لواء تحرير الشام / كتيبة أبو رعد / لواء المنصورة / جيش الصحوة / جيش الفتح / لواء صقور الحق / لواء عاصفة الشمال / كتيبة أسد الله الغالب / فيلق الرحمن / الميليشيات الشيعية في سوريا )
أمَّا الفصل الثالث الذي جاء بعنوان ” الغرب في خدمة الإسلام”, فقد تطرق فيه إلى الفوضى الخلَّاقة التي أعدها الغرب لمنطقة الشرق الأوسط, وكيف تم صنع ثورات الربيع العربي التي أشعلتها النفسية العربية المحتقنة بعد تدريب فريق من الشباب العربي لإحداث تلك الفوضى . وانتقدَ بشدة الحركات التي أنشأها الغرب لتدمير الأمة من داخلها, لتعمل تحت اليافطة التي يُغرون بها البسطاء وهو وَهْم ” الخلافة الإسلامية “. وقدم بالتحليل والبراهين كيف أنشأ الغرب والصهيونية تلك الحركات. وكيف صنعتهما مطابخ السياسة الأمريكية لتكون شوكة في خاصرة الأُمة الإسلامية, ونقطة سوداء في جبينها, ودليلاً قوياً على مزاعم الغرب عن إرهاب الإسلام، وفي الوقت نفسه مبرراً للتدخل السافر في شئوننا واستنزاف ثرواتنا كما هو حاصلٌ اليوم .
وضع الكاتب لكل حركة اسمًا يتناسب مع دورها في هذا التدمير, فالحركة الوهابية تجميد الإسلام, وجماعة الإخوان تفخيخ الإسلام, وحركة حماس نعش القضية, وتنظيم القاعدة توكيل بريجينسكي, وتنظيم داعش مجاهدوا الكعب العالي!
الفصل الرابع جاء تحت عنوان “كهف الأفكار الشاذة “, وتحدث فيه المؤلف عن صورة الوطن العربي في فكر الجماعات الإسلامية، متخذاً من جماعة الإخوان المسلمين في مصر أنموذجاً لحديثه, منتقداً طريقة الإخوان المسلمين التي تتخذ من الشعارات الدينية رداءً لجذب الجماهير وسبيلاً للقفز على السلطة، وكذلك دجلهم الذي يمارسونه على العوام وأتباعهم من الرعاع, لإحكام السيطرة عليهم وإيجاد جيل تابع وخاضع لا يسأل ولا يناقش ولا يرى إلَّا ما يراه مُرشِد الجماعة وعُتاتِها .
وجاء الفصل الخامس المعنون بـ”شريعة الذبح المقدّس”, ليكون أكثر جرأة في انتقاده لتيار الإسلام السياسي, وأكثر تعريةً ” لهمجية الواقع وفوضى الكتابة ” على حد تعبير الكاتب, والتي استعرض من خلالها أهم الوقائع البشعة, التي ارتكبها أتباع تيار الإسلام السياسي وأهم فصائله الإرهابية في مصر والسودان وأفغانستان وإيران والصومال ونيجيريا والجزائر واليمن والعراق وسوريا وليبيا، وما تسببوا به من خراب ودمار وتفكيك للمنطقة.
فيما اختتمَ كتابَه بالفصل السادس الذي حملَ عنوان ” تعطيل نصوص الفتنة وسفك الدم”, وهنا كان المؤلف جريئاً لدرجة لم يسبقه إليها أحد, حين دعا إلى تعطيل بعض النصوص الدينية التي سماها ” نصوص الفتنة وسفك الدم “، حيث يرى أنّ نكبة الأُمة جاءت من التمسك بظاهر النصوص، والتي قادتْ بعض الشباب العربي من المسلمين والمسيحيين على حَدٍّ سواء لإعلان إلحادهم. مستشهداً خلال ذلك ببعض النصوص التي تحض على الكراهية والاقتتال، ومواجهاً لها بنصوص أخرى تحض على التسامح والتعايش من مثل قوله تعالى ( لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) ( 8) سورة الممتحنة. وغيرها .
وفي نهاية هذا الفصل الأخير استعرضَ المؤلف بعض الصور التي توثق لجرائم فصائل الإسلام السياسي كداعش والقاعدة.
ويبقى الكتابُ مُهماً في موضوعه، نادراً في جرأته، غنياً بمحتواه، شاملاً للكثير من الجوانب التي تسلط الضوء على جوانب مختلفة , مما التصق بتيار الإسلام السياسي وما جناهُ على الأُمّة الإسلامية برُمَّتِها. وهو بذلك يكون ضمن أهم الكُتب التي تناولت تيار الإسلام السياسي بالنقد والتحليل، ويرقى لأن يكون في مقدمة تلك الكُتب إنْ لم يكن أكثرها جرأة.

*اليمن

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق