قراءات ودراسات

“بخار بريستو”.. النبؤة فى سنوات الجهامة

(قراءة فى كتاب "بخار بريستو للكاتب عماد الغزالي)

قراءة: السيد نجم

أن تكتب فى قراءة لكتاب يتناول موضوعات شتى عن مقالات تبلغ حوالي المائة مقال، يعد مجازفة قد لا تفي بالغرض ولا تحيط بجوهر محتوى الكتاب. وهو ما جعلني أتردد فى أول الأمر لكتابة تلك السطور. لكن ما جعلنى البدء فورًا للكتابة، هو ما تلاحظ لي مليا من ذكاء اختيار العنوان “بخار بريستو”، الذي يتضمن جملة أفكار ومحاور تلك المقالات بلمحة فنية بعيدًا عن التناول السياسي الذي غلب على المقالات، حيث تتناول فترة من أهم فترات مصر المعاصرة..

العنوان: “بخار بريستو”.. يشي لكل متأمل أن هذه الظاهرة التى يمكن اختبارها فى المعمل، تعنى أن هناك درجة حرارة تتبخر فيها المياه وتتحول ﺇلى بخار ماء، وهذه ظاهرة طبيعيه، ولكن ما يعنيه الكاتب ليس الحديث عن ظاهرة كيميائية، هو يتساءل ماذا يحدث عندما يتم حبس هذا البخار، ماذا يحدث وقد استبدل المياه بجموع الناس على الأرض؟

فى الطبيعة سوف ينفجر المحتوى، وهى الظاهرة التى استفاد منها مخترع البالونات البخارية بدفع تلك البالونات بفعل بخار الماء المتصاعد.. وما كان يعنيه الكاتب، هو رصد الحالة التماوجة المضطربة فى دومات بشرية، ﺇنه يعنى كل كلمة كتبها فى مجمل مقالاته تعبيرًا عن حالة من الغليان النقسي واﻹضطرابات الداخلية التى عاشتها البلاد.

في هذا يقول الكاتب: “قررت أن أبدأ مباشرة من اليوم السابق ل25يناير وصولا ﺇلى اللحظة الراهنة (خمس سنوات تالية) عوضًا عن اﻹنغماس في ماض غادرناه وتجاوزناه”ص7، ما يعني أن الكتاب لا يتناول المقالات التي رصدت الفترة السابقة عن 25يناير.

لقد حدد الكاتب رؤيته فى المقدمة، وفيها يجزم أن ما كتبه ليس شهادة على العصر بل عليه شخصيا ورؤيته فى تلك الفترة العصيبة.. وهي رؤية موضوعية وصادقة.. فيقول: “ان هذا الكتاب هو شاهد على صاحبه لا على زمنه، توثيق لمواقفه وﺇنحيازاته في هذه اللحظات الفارقة من عمر الوطن” ص8، ويعد هذا التناول المنتبه للذات وللجماعة معا خلال لحظات تاريخية، ميزة قد لا ينتبه ﺇليها البعض، ولعل الكاتب هنا يسبق القاريء الذي حتما سيقول أنها رؤية الكاتب قبل أن تكون المقالات تعبيرا عن الرصد التاريخي للمرحلة.

ينقسم الكتاب ﺇلى أربع مجموعات من المقالات، وواضح الترتيب الزمني من الماضي ﺇلى المستقبل.. المجموعة الأولى (من رحيل مبارك ﺇلى ﺇنتخاب مرسى) وتضم 19 مقالا.. المجموعةالثانية (حكم مرسى واخوانه) وتضم 35 مقالا.. المجموعة الثالثة (30يونيو وانعدال الموازين) 27 مقالا.. المجموعة الرابعة (الملل) 47 مقالا. ويتشكل المقال الواحد في حدود 450 الى 500 كلمة، وهذا الحجم الصغير من المقالات يلزم معه التكثيف وبلوغ الهدف وجذب انتباه القاريء على الفور.. كما فعلت حالا بالنظر ﺇلى مقالة فتحت عليها عن غير عمد لقراءة سطورها الأولى وكيف تعبر عن بورة المقال ووجهة نظر الكاتب؟

مقال “خارطة طريق الجماعة” يقول فى أول سطرين: “كما أن للدولة ونظامها المعبر عن ثورتي 25يناير و30يونيو خارطة طريق، فان للاخوان أيضا خارطة طريق، تمضى فى اتجاه معاكس تمامًا..”ص157

يتضح من عناوين المقالات على تتابعها من الأول حتى الأخير، التسلسل الزمني للأحداث، وبالتالي يمكن متابعة رؤية الكاتب من خلالها. وقد تلاحظ للقاريء حرص الكاتب عن رصد مكثف فكرى فى نقاط محددة لرؤيته تلك، مع بعض اﻹشارات الهامة، كما أشار ﺇلى أن بعض المقالات تتضمن مصطلح ثورة 25 يناير وهو يرفضه (وقت ﺇعداد الكتاب).. ويمكن عرض تلك النقاط المحورية أو بعض الحقائق على حد تعبير الكاتب كالتالي:

-الحقيقة الأولى.. أن ما جرى في 25يناير 2011م لم يكن ثورة كاملة، برغم أنه أسماها كذلك فى بعض المقالات، وسبب تعديل الحديث عنها هو حقيقة علمية فى المصطلح، فالثورة بحكم التعريف تهدم نظامًا لتقيم آخر مكانه، وهو ما لم يحدث، لذا وقعت فى حجر الاسلامجية.

-الحقيقة الثانية.. تخص ما يعرف بالتيار الاسلامى السياسي، (هؤلاء من أحسنا الظن بهم فأساءوا ﺇلينا.. وأعترف بأننى خدعت) ص10 رغم أن الكاتب درس تاريخ تلك الجماعة، ورغم شعاراتهم التى صدقها الناس: “نحمل الخير لمصر”.. “اسمعوا منا ولا تسمعوا عنا”

– الحقيقة الثالثة.. تتعلق بثورة المصريين فى 30 يونيو التى يصر البعض على وصفها بالانقلاب والحقيقة بالعلم هي ثورة. فلم يكن الجيش هو من خرج على مرسي حتى أزاحه من الحكم (من 20 الى 30 مليون) خرجوا يطالبون برحيله، وبالتالي فكرة اﻹنقلاب هي فكرة فى رأس الاخوان أو من يقولون أنهم (متعاطفون معهم وليسوا من الاخوان).

– الحقيقة الرابعة.. تخص الجيش المصرى العظيم الذي أنقذ البلاد من مصير أسود انتهت اليه بعض البلدان المجاورة لمصر.. ويتمنى الاسلامجية كسر هذا الجيش!

ﺇجمالا فان هذه المقالات تشهد على كاتبها لا على زمنها، وهذه أفكار سريعة لبعض المقالات:

.. “بخار بريستو”، حدث أن خرج فى تونس الاآاف فى الشوارع ضد الظلم دفعة واحدة، بينما فى مصر كانت فكرة ثقب البريستو التى هي نافذه أو صفارة ﺇنذار حتى لا تحترق (الطبخة).

.. “مصر الجديدة”، أنقذت ثورة 25 يناير البلاد من نظام فاسد مستبد، لكن الأهم أنها أنقذتها من السيناريو الاسود أو من التوريث.

.. “وضع اليد فى ميدان التحرير”، انسحب المعتصمون من ميدان التحرير، وازيلت آثار وضع اليد، فلما برك الجمل، خاب مسعى المعتصمين، وشكر المجلس العسكرى شباب الثورة.

.. “من الشعب للنخبة”: “ارحمونا يا جماعة”، ما الذى يتوقعه الافندية المتأنقون دعاة الحوار الرشيد وقد استدعوا قاموس البذاءة عبر الفضائيات كالجرذان القوارض.

.. “شكرا.. سيعودون ﺇلى ثكناتهم”، كان الجيش المصري هو النواة التى قامت حولها الدولة المصرية الحديثة، أنشأها محمد على، وقام بدوره فى 1882 ثم فى 1952م والان.

.. “بروفة جنرال”، ليلة 23يوليو انطلقت مسيرة من ميدان التحرير نحو العباسية، وقد كتبوا على صفحات الفيس بوك “تعالوا نضرب الجيش على قفاه فى 23يوليو زى ما ضربا الشرطة فى عيدها فى 25 يناير.

هكذا عبرت المقالات ورصدت مرحلة يصعب رصدها لكونها غزيرة الأحداث ومتعددة، وما أحوجنا لمثل تلك الكتابات التى نشرت حول أحداث تلك الفترة الهامة من تاريخنا، حتى يأتى من رجال التأريخ من يرصد ويحلل وتقرأ الأجيال الجديدة ما كان فى بلادهم من أفراح وأطراح وبقى المصرى ومصر دومًا فوق الأرض في شموخ.

**********

Ab_negm2014@yahoo.com

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق