قراءات ودراسات

الفكر الجزائري•• المسار والمآل

ابراهيم سعدي*

لا شك أنه لا بد من التساؤل حوال مشروعية الحديث عن ”الفكر الجزائري”، فهل يوجد حقا فكر جزائري؟ هل يمكن تمييز هذا الفكر عن الفكر العربي أو الفكر الإسلامي؟ هنا يقتضي بنا الأمر الإنطلاق من التأكيد على رأي مبدئي مفاده أنه مثلما لا يوجد بلد ليس له ثقافة، كذلك لا يوجد بلد ليس له فكر، بغض النظر عما يمكن قوله بشأن مكانة هذا الفكر وطبيعته وخصائصه· ما من شك في أن الفكر مفهوم عام يتخلل مختلف أوجه نشاط الإنسان. فالإنسان كائن مفكر بامتياز. وهو لا يتوقف عن التفكير إلا بالموت، كما يقول ماسينيون. وعليه فإن التفكير بالمعنى العام، أي اليومي والعملي الذي يتطلبه التكيف مع الواقع، ليس نشاطا نخبويا، تقوم به فئة متخصصة من الناس في ميدان من الميادين. على أن المعنى الذي نقصده في بحثنا ليس هو المعنى الأول، وإنما الفكر بالمعنى الثاني، أي ذلك الذي تقوم به فئة معينة من أفراد المجتمع، أعني الفكر الذي يتحلى بصفة التدوين والكتابة، أي فكر أولئك الذين يطلق عليهم اسم الكتاب أو المثقفون أو المفكرون.

ونحن لا نجهل أن معيار الكتابة أو التدوين أمر يؤدي إلى إقصاء نمط آخر من الفكر في الجزائر، أعني الفكر غير المكتوب الذي لا يدخل مع ذلك في سياق المعنى الأول، أي العام، وهو فكر يتسم في حدود معينة بطابع ”الفكر الجمعي” الذي يسميه محمد أركون ”الفكر المهمش” والمتمثل عموما في المعتقدات الشعبية. وهو فكر لا يخلو من أهمية في بحث سوسيوثقافي أو أنثربولوجي، أو في دراسة المجتمع الجزائري ككل، مثلما يرى محمد أركون فيما يخص دراسة المجتمعات العربية والإسلامية، عندما يؤكد على أهمية أخذ ”الفكر المهمش” و”الفكر المتوحش” و”المنبوذ” في دراسة هذه المجتمعات وعدم الإقتصار على فكر العلماء والمفكرين النخبويين والمعترف بهم عموما، أي على المراجع المهيمنة والمكرسة. على أن هذا لا يكفي لتحديد ما نقصده بالفكر الجزائري، ذلك أننا لن نتناول بالدرس والتحليل مجمل ميادين تجلي هذا الفكر المدون، لأن اتخاذ التدوين كمعيار عام يجعل البحث مفتوحا على مختلف المجالات والتخصصات التي تجلى فيها هذا الفكر في الجزائر، من تاريخ واقتصاد ولغة ودين وأخلاق وسياسة، إلخ… ولا شك أن هذا المنظور مشروع من الناحية المنهجية، وقد اعتمده مثلا الباحث الفرنسي فانسان مونتاي في كتابه ”La pensée arabe” حيث قسم هذا الفكر إلى ”فكر ديني” و”فكر صوفي” و”فكر قضائي” و”فكر فلسفي” و”فكر علمي”، إلخ… غير أن مثل هذا التناول الذي يروم الشمولية والجرد يختلف عن مسعانا الذي يهدف إلى التركيز على المحاور العامة للفكر في الجزائر وعلى الخصوصيات المميزة له والعائدة إلى طبيعة تجربة الجزائر كبلد مرّ بتاريخ معين، لعل أبرز ما ميزه بهذا الصدد هو تجربة الإستعمار التي ستمارس تأثيرها على طبيعة الأسئلة التي سيطرحها الفكر الجزائري التي ستفرض عليه موضوعات دون أخرى، لعل أبرزها مسألة الهوية والمسألة اللغوية التي تتفرع عنها، شأنها في ذلك شأن إشكالية الحداثة والتراث، والأنا والآخر، وهي إشكاليات وإن طغت عموما على الفكر العربي الحديث والمعاصر، إلا أنها كانت مرتبطة بوضع خاص في الجزائر وتلقت إجابات نوعية، بسبب طبيعة الاستعمار الذي ساد فيها، وهو استعمار استيطاني طويل كانت له آثاره الثقافية، لا سيما على الصعيد اللغوي، وما تبع ذلك من تصورات سياسية وأيديولجية في مختلف تجلياتها في الفترة الاستعمارية وبعد الاستقلال. فما نقصده بالفكر في هذا البحث ليس الأكاديمي منه، أعني المتخصص، وإنما الفكر الذي يتناول القضايا العامة الخاصة بالمجتمع الجزائري أو تتعداه إلى المجتمع العربي والإسلامي.

 

حول الفكر الفلسفي في الجزائر

ولا شك أنه لا بد من التساؤل حوال مشروعية الحديث عن ”الفكر الجزائري”، فهل يوجد حقا فكر جزائري؟ هل يمكن تمييز هذا الفكر عن الفكر العربي أو الفكر الإسلامي؟ هنا يقتضي بنا الأمر الإنطلاق من التأكيد على رأي مبدئي مفاده أنه مثلما لا يوجد بلد ليس له ثقافة، كذلك لا يوجد بلد ليس له فكر، بغض النظر عما يمكن قوله بشأن مكانة هذا الفكر و طبيعته و خصائصه. وفي دراسة تحمل عنوان ”مدارس الثقافة العربية في المغرب العربي” وهي دراسة مركزة على الجزائر، يفضل أبو القاسم سعد الله استعمال ”المدارس الثقافية” بدل ”المدارس الفكرية” قائلا: ”نستعمل كلمة (مدرسة) بمعنى اتجاه وليس بمعنى تيار فلسفي أو نظري، ومن أجل ذلك استعملنا (المدارس الثقافية )بدل) المدارس الفكرية)..” هل يعني هذا أنه لا توجد مدارس فكرية في الجزائر؟ أو حتى حياة فكرية؟ مع أننا لا نخال الأستاذ سعد الله يقصد ذلك، وإنما فضّل استخدام مفهوم الثقافة على مفهوم الفكر، على أساس أن الأول أوسع والفكر ليس غير مكون من مكوناته، إلا أن هذا لا ينفي أن تسمية ”المدرسة الفكرية” يمكن، من وجهة نظرنا، تطبيقها على جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بالنظر إلى اشتراك المنتسبين إليها في الرؤى والتوجهات والغايات. ويمكن القول عنها إنها مدرسة فكرية وثقافية في آن واحد. على أنه ينبغي فقط ألا نقصر مفهوم الفكر على الفلسفة أو الفكر النظري البحت، فالفكر الجزائري وإن لم يعدم عارفين بالفلسفة أو دارسين لها، إلا أنه لم ينتج مفكرين يمكن أن نطلق عليهم اسم الفلاسفة، اللهم إلا مالك بن نبي. وليس لدينا ما يدل على أن الجزائريين قبل الإستعمار كانوا على اطلاع أو معرفة بالفلسفة خصوصا الحديثة منها، وعلى الأرجح أن الأمر كان كذلك بالنسبة لبقية البلدان الإسلامية. والغالب كذلك أن بداية تعرف النخبة الجزائرية المثقفة بالفلسفة يعود إلى القرن العشرين خاصة فيما يتعلق بالفلسفة الحديثة، أما القديمة منها فقد كانت معروفة في العالم الإسلامي، منذ عصر المأمون، كما نعلم، لكن لا نجد لها أثرا في الموروث الثقافي الجزائري. ويشير عمر مهيبل بهذا الصدد، متحدثا عن واقع الفكر الفلسفي في الجزائر، إلى ”تعقيم منابع الإخصاب” في ”الفعل الإبداعي”، لكنه يقدم تفسيرا غريبا للأمر في الحقيقة حين يربط أسباب الظاهرة بـ ”تركيبة البنية النفسية المزاجية” للفرد الجزائري، وهي بنية معقدة، عنيفة، متوترة، تنفر من التأمل المجرد الذي يتطلب استقرارا نفسيا واستعدادا عقليا معينا. ويضيف بأن الفئات المتعلمة من الجزائريين ”تستهجن الكتابة الإبداعية الحرة، وتنفر من عملية التنظير المجرد بدعاوي مختلفة أهمها ضرورة البقاء عند الوقائع والظواهر..” وبأن ذلك ”يخفي عجزا فطريا عن تأمل العوالم البعيدة واستكشافها وتحليل العلائق المتشابكة التي تربط أطراف بعضها بأطراف بعضها الآخر”· من يقرأ هذا الكلام يحسب أنه صادر من مستشرق من المستشرقين المتخمين بنزعة التمركز حول الذات أو من أحد الأنثربولوجيين التابعين للمدرسة الكولونيالية ممن يرجعون ظاهرة التخلف التي كانت قائمة في الجزائر إلى طبيعة الإنسان في هذا البلد. صحيح أن مثل هذا القول يعفي من البحث عن الأسباب السياسية والثقافية والإقتصادية للظاهرة، ذلك أن المشكلة تكمن في الإنسان ذاته، في ”تركيبة البنية النفسية المزاجية للفرد” وفي ”العجز الفطري” لهذا الفرد، فلا داعي إذن إلى تكسير الرأس في البحث عن الأسباب الموضوعية والخارجية لهذه الظاهرة. وأن يتحدث مهيبل بعد ذلك عن دور ”الإحتلالات الأجنبية المتعاقبة” لا يخفف من الأمر شيئا، ما دام أن هذا الإنسان ”عاجز بالفطرة” و”لا يملك استعدادا عقليا” على أية حال، فسواء استعمر أم لم  يستعمر فإن طبيعته تحول بينه وبين ”الفعل الإبداعي”. ولو مضينا في هذا المنطق لقلنا إن العرب كأمة لا يملكون هم أيضا استعدادا فطريا للتفلسف وللتفكير النظري المجرد على أساس أنه من بين جميع الفلاسفة المسلمين الذين عرفتهم الحضارة الإسلامية قلة قليلة منهم كان من أصل عربي. والحقيقة أن الضعف في الفكر الفلسفي، رغم الاختلاف ربما في الدرجة، هو حالة مشتركة في الوطن العربي. وهو جزء من التخلف العام. فلا يمكن أن نتصور ازدهارا في هذا المجال، أو في غيره، في بيئة عامة يطبعها التخلف. ويمكن القول من جهة أخرى أن الفكر الفلسفي كان في الغالب مهمشا ومضطهدا في الحضارة الإسلامية، حيث كان الإسلام  دوما بمثابة نوع من ”الفلسفة الرسمية”  أو ”الفلسفة المشروعة” حتى أن الفلاسفة المسلمين أنفسهم لم يتصوروا هذا النمط من الفكر في يوم من الأيام كمجال مستقل أو متعارض مع الشريعة. وهذا ما جعل محمد أركون يقول إن الفلاسفة المسلمين ظلوا ملتزمين بما يسميه ”السياج الدوغماتي المغلق”. كل هذا أدى إلى غياب تقاليد فلسفية في المجتمعات الإسلامية خاصة بعد انهيار الخلافة العباسية. وكون المجتمع الجزائري قد اعتنق المذهب المالكي، الأكثر تشددا من بين المذاهب الأربعة، أمر لم يكن من شأنه أن يساعد على ظهور الفكر الفلسفي خصوصا وأن هذا النوع من الفكر في الإسلام ارتبط إلى جانب ذلك بعواصم سياسية كبرى مثل بغداد والأندلس، حيث أن تمركز السلطة وبالتالي الثروة يستتبع تمركز الثقافة والفكر. لهذا نجد أن فترات ازدهار الثقافة والمعارف في الجزائر ارتبطت بفترات ظهور مراكز سياسية أو عواصم، كما نقول اليوم، مثل بجاية في عهد الحماديين وتلمسان في عهد الزيانيين. ونتيجة لكل ما سبق كانت الثقافة السائدة في الجزائر عند مجيء الاستعمار تقوم على علوم اللسان وعلوم الدين وفنون الأدب، أعني ”ثقافة تقليدية” على حد قول أبو القاسم سعد الله، أي ثقافة ”لا تقوم لا على البحث ولا على النزعة النقدية التي تميز الثقافة الحديثة”، كما يوضح مصطفى لشرف.

 

 


*كاتب وناقد جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق