ثقافة السرد

صغيري

نصير العراقي

الباب الرئيسي للمنزل يفتح بهدوء.
بدأ ما في الداخل يظهر للعيان لكن يا ترى من يقوم بفتح الباب أهي الرياح؟!!
لا ليست فقد كان الهواء ساكنا والجو جميل والفراشات تتنقل برقة ورشاقة بين زهور الربيع التي تفتحت للتو في حدائق المنازل.
استمر الباب بالحركة حتى أخر حده.
ما هذه؟!!
إنها طفلة صغيرة تبلغ من العمر خمسة أو ستة سنوات ذات شعر أسود مجعد جميل و وجه أبيض كقطعة من غمامة صيفية رقيقة وعينان أبحرت فيهما سفن الفرح والبراءة.
كانت ترتدي فستان خيط لها بأرق يد؛ يد أمها.
الصغيرة تحتضن لعبتها المحببة المصنوعة من القطن، أرنب أبيض أسمته “نصير”.
كانت تعتصره بقوة.
خطوة صغيرة وأخرى تتبعها لتستقر الرقيقة ” رشا” منتصبة بدهشة على رصيف الشارع تراقب متأملة المارة؛ تنظر إلى ذلك العالم الذي تراه بعينيها عالم مليء بالعجائب والغرائب .. نعم إنه عالم لا تعرف منه تلك الطفلة سوى قطع الحلوى التي يجلبها لها أبوها والاحضان مع القبل التي تحصل عليها من الكبار عندما يزورون بيتهم من أقارب أو أصدقاء.
وعلى غفلة من الزمن ودون سابق إنذار امتدت يد جريئة شريرة صغيرة وانتزعت ” نصير ” من بين أحضان “رشا” ثم جرى هاربا صاحب تلك اليد.
يال هول المشهد .. طفلة يخطف منها طفلها!!
الأجواء تكدرت والبرد هجم والسماء تلبدت بالغيوم والريح المخيفة هبت من أعماق الأرض.
طفل في السابعة من العمر شرير خطف لعبة الطفلة ولاذ بالفرار.
رشا دون أن تعي بحالها انطلقت تطارد السارق وهي مذهولا تبكي.
تطارده وهي تومأ بتلك الاصابع الرقيقة تدعو من خلال تلك الحركات أرنبها أن يهرب من قبضة ذلك الشرير ويقفز راكضا عائدا إلى أحضان أمه.
الصبي ذا السبع سنوات استمتع بالمنظر وبدأ يبطئ من خطواته حتى يحث الصغيرة على مواصلة لحاقه ليزيد من متعته التي كانت تسيطر عليه وهو يراقب وجه الملاك الصغير وهو مليء خوفا على الأرنب واعجبه منظر تلك العينين وهما تذرفان الدموع.
خمس خطوات سريعة لا غير حتى اصطدم الصبي بشيء كبير مهيب كان سببا في انهيار متعته الشاذة.
رجل مبسوط المنكبين حازم الملامح عليه وقار ونظراته هادئة .
كان يرتدي البزة العسكرية الجميلة.
أمسك بالصبي و وبخه ثم زجره وأنبه بعدما انتزع منه ابن رشا.
لكن هذا كله لم يروق للصغيرة ولم يعجبها، فوقفت على بعد مترين بعد أن عقدت ذراعيها على صدرها وعينيها ما زالتا تفيضان دمعا بعد أن اطمأنت على صغيرها قد صار بأيد أمينة.
تقدم الرجل ناحية الطفلة ثم جثى على ركبتيه وبابتسامة حنونة قدم للصغيرة أرنبها وهو يرسم قبلة على خدها.
انفجرت رشا باكية وبصوت عال قالت: أهلا بابا.
الساعدان القويان يحملان الصغيرة وأرنبها، ويدخل الرجل الدار العامرة بناسها.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق