قراءات ودراسات

اللُّغة الحواريَّة في شعر عبد النَّبي التَّلاوي (قصيدة: إلى آخر الحبِّ يمضي الكلام ) (حواريَّة بين عاشقين ) أنموذجاً

د. وليد العرفي

تنهض لغة الحوار في قصيدة: (إلى آخر الحبّ يمضي الكلام) للشاعر: عبد النبي التلاوي على حوارية بين طرفي الحياة: رجل وامرأة، وهذه الثناثية تبنى على تتابع المتحاورين وفق تداخل بين صوت الرجل الذي هو الشاعر نفسه وصوت أنثاه الذي يستهل به الشاعر قصيدته المعنونة بـ : (إلى آخر الحبّ يمضي الكلام) وفق هذه النمطية الثنائية

العنوان ودلالته:
يؤسس عنوان القصيدة على السببية التي ترتكز إلى مفهومي الحب والكلام وفق علاقة رابطة، إذ الكلام وسيلة التعبير عن الحب ، كما أنه واسطة الاتصال بين طرفي العلاقة الإنسانية التي يكون فيها الكلام أداة اتصال وتواصل وفق تدرج بنائي يعتمد تبادل ثنائية الأدوار بين المتحاورين ، وإذا كان العنوان يمثل العتبة النصية في هذه القصيدة ، فإن ذلك يقودنا إلى التوقف في ماهية التوظيف الجمالي لهذا العنوان الذي يتألف من ركنين هما : شبه جملة : (إلى آخر ) وجملة فعلية (يمضي الكلام )نلحظ في الركن الأول شبه الجملة (إلى آخر الحب ) يبدو لاستخدام كل كلمة وحرف دلالته الإيحائية في توظيف هذه العتبة للولوج إلى عالم النص فحرف الجر: ( إلى ) يُشكِّل مفتاح العنوان بما يحيل عليه من طاقة غير متناهية في هذا الحدث اللاحق ، وما يُمكِن أن يستطيل فيه هذا البوح في التعبير الذي يتّخذ من الحب موضوعه الذي يريد أن يكون حوارا مستقبلياً لا ماضوياً ، وهو ما تنهض به دلالة الركن الثاني في العنوان وهو الجملة الفعلية : (يمضي الكلام ) التي جعلت من الفعل المضارع (يمضي) لبنة الأساس المعماري في التركيب كله بما يكتنز فيه هذا الفعل من حمولات دلالية من حيث إفادة الإشارة الى المستقبل بدلالته الزمنية ، كما يشير ألى استمرار الحكي بدلالته القصدية ،
وبذلك ينهض العنوان وفق هذه الرؤيا لدى الشاعر ليمثل العتبة النصية التي يحاول من خلالها أن يفتح للقارىء باب محراب القصيدة التي تتبدى أشبه ما تكون بجلسة هادئة بين عاشقين يتبادلان البوح العاطفي في لحظة حب صادقة ، إذ يتجلى في هذا البوح إمكانية أن يطلق المتلقي لمقدرته التخيلية في تصور ما يمكن أن يصل إليه هذا الكلام الذي يعبر عن آخر الحب الذي يعنيه الشاعر ، وهو يحاول أن يبلغ ذروته ، وهو حب لا يحدُّ بمدى ، كما لا يؤطره مكان .
ومن هنا يبدو العنوان محققا جماليته في توظيف طاقة اللغة في استكناه مرامي الشاعر فيما يريد أن يعبر عنه وفق هذا البعد اللغوي ، ودلالاته النفسية ، فالشاعر لا يتحدث عن حب بالمعنى الحب العاطفي وحسب ، بل يبدو منعتقاً منه إلى حب متصوف يدخل الذات في الآخر ، كما يتغيا كلُّ من طرفي هذا الحب رغبة الطرف الثاني ، ومن هنا يبدو لاستهلال القصيدة بواو الحال دلالته في منح النص قوته الإضافية في التعبير والدلالة على مستويي اللغة ، إذ الحال يفيد اللحظية والزمن الآني ، وهو ما يعني التعبير عن موقف محدد في لحظة زمنية معينة ، وعلى مستوى الحدث يفيد الاستمرار والمستقبل ، وهو ما يمنح دلالة الفعل : (يمضي ) قوته في التصور من حيث استمرارية الزمن والقدرة في الفعل المؤثر ، ليرفد ذلك حالة الثبات التي تقترن بالدلالة الاسمية التي بنيت عليها جملة الحوار الأولى في القصيدة التي جاءت على لسان الأنثى :
وأنت حبيبي …
وأنت الدموعُ بعينيَّ حين يطول الغياب ْ
وأنت حنيني إلى الماء والكونُ حولي سراب ْ
بهذا الاستهلال يبدأ الشاعر حواره عبر علاقة ثنائية ، إذ يبدأ بتأكيد حقيقة الحب وتمكنه في نفس المرأة ، لينتقل من هذا التعميم إلى تدرج في توصيف دقائق هذا الحب الذي يتمظهر في كل مواقف الحياة ، ليكون حالة حقيقية تتجسد في الدموع عندما يطول الغياب ، وحالة شعورية عندما يلغي كل شيء ، ويكون هو الحياة التي تحيل عليها لفظة الماء ، وهي تناص مع القرآن الكريم في قوله تعالى : “وجعلنا من الماء كل شيء حي “
فيكون الحبيب هو الحقيقة الوحيدة في هذا الكون ، فيما الكون كله خداع وزيف ، ليتمرأى حالة العاطفة الأنثوية في حالة الخوف التي تنتابها على هذا الحبيب الذي يعني لها الحاضر والمستقبل ، ليصير الحب حالة تعلق ورعاية وحماية :
أخافُ عليك كأنَّك طفلي
كأنّي خلقْتُ أنا كي أحبّكْ
لم تعدِ الحالة العشقية هنا علاقة حب وحسب ، بل هي حالة تعلق يصل إلى حد التماهي بذات المعشوق الذي يصير الغاية والمآل الذي تطمح إليه النفس العاشقة ، فالعاشقة ترتهن لتكون الساهرة على راحة الحبيب ، وهي تتابعه في كل خطاه التي تكون معها كالظل ، بل تنتقل معه إلى عالم الغياب في حالة النوم ، لتدخل حلمه، ليكون التلاشي والانصهار في هذا الحبيب في الحالة الجسدية التي يستحضر فيها المفردات الدالة على حالة الوله بالحبيب ، وهو ما يبرز من خلال حقل الدلالة لألفاظ : ( يفور ، سُكَّر ، صدري ، يضم ) وهي دوال تشير إلى حالة التعطش لعيش حالة الانصهار التي تتقابل مع رد الطرف الثاني المحاوِر الرجل الذي يحاول أن يُمنطِق الحب ويعلل أسبابه ، وهو ما يكشف عن تبدل في مستوى الفهم ، فالمرأة تحبُّ ، لأنها تحب ، فلم تقدم للحبيب أسبابها ، بل جاءت بمسلَّمة الحب وأنه بديهة ، وهي تتقدم باعتراف الحب بعفوية وشفافية تمتلكها الأنثى فيما نرى الشاعر التلاوي يقدم حوار الرجل مُعلَّلاً يقوم على المنطق فيما إذا كان للحبِّ منطقاً أو فلسفةً يتحدد فيها ، ويسير وفق قوانينها ، ليكون الحب سبباً في القول والتعبير ، فيأتي الرد بالتعليل المؤكد :
لأنّي أحبُّكِ …
دون ربيعٍ يُزهّر بين شفاهي الكلامْ
فراشات ثغرِك ِحول خدودي
تراقصني فيطوف اليمامْ
ليكون همس البوح ربيع الشاعر الذي يتفتق منه براعم الحروف وثمار الكلمات ، وفي هذا الحوار تبرز (أنا ) النمط الرجولي الذي يترك لنفسه حرية الحركة والقدرة في إرادة ما يريده من أنثاه ، فتظهر صيغة فعل الأمر الذي يحمل دلالة التعبير عن مقصدية الحب والشغف في التمتع بلحظة الحب السانحة في هذا المشهد العشقي :
دعيني أحبّكِ حتّى أحبَّكِ
لا تتركي الوردَ يذوي حرامْ
فالحب غاية ، والحب وسيلة وإنقاذ ، لتكون الاستجابة والإجابة بتحقيق إرادة المحب ، وانعتاق الحبيبة من كل انتماء عائلي ، ويصبح الحبيب غاية الوجود ، ووجود الغاية :
أحبُّكَ فاسألْ طيورَكَ عنّي
وكُنْ يا حبيبي فضاءً لنهري
وأشعلْ ضلوعي ببرق يديكْ
وخذني لصدري من أبويَّ
لكي يتمدَّد ظلّي عليك ْ
ونمْ يا حبيبي قليلاً لأغفو
ويهرب حلمي منّي إليك ْ
ليبدأ نشيج الشكوى من الحب الذي يرى فيه الحبيب مصدر الألم والتعب :
تعبْتُ من الحبّ …
ماذا أريد إذن حين أتعبْ ؟
سأخطف نجماً على ركبتيك …
ينام وأوقظه حين ألعبْ
وحين تجفُّ ينابيع عمري
سأحمل قلبي كطيرٍ جريح ٍ
وأطلقه في يديك ليشربْ
ليكون الرد من الحبيبة إمعانا في تأكيد التعلق بالحبيب ، وهنا تشفع الصورة الاستعارية بتجسيد ذلك التعلق الأنثوي بالحبيب التي تجسد علاقة الحب بعلاقة النهر بضفتيه بما تحيل عليه دلالة الصورة من اقتران وتلازم وانتماء :
إذا تعب النهر من ضفتيه
فخذْني كما النّهر في ساعديكْ
حبيبي إذا مسَّني منك عطرٌ
أخاف فمي أم أخاف عليكْ ؟!
إنها بخلاف الصورة السابقة :
“كن يا حبيبي فضاء لنهري” ولم يستخدم الشاعر : ( ضفافا ) كما هو متوقع ، وذلك لما تقتضيه الشاعرية التي تأتي باللامتوقع والبعيد عن ذهن المتلقي بخلخلة العلاقات العرفية السائدة في التراكيب والمصاحبات اللغوية المألوفة من جهة ، كما تفيد دلالة على اتساع كلمة الفضاء من حيث البعد في المسافة التي يمكن إحالة مجازية استخدامها إلى
إرادة الشاعر في تأكيد استعلاء الرجل وفق السائد في الذهنية الشرقية ، وحالة كون الفضاء يشتمل ويستوعب ما تحته من موجودات الطبيعة ، وكأن الشاعر يومىء ــ ولو باللاشعورــ إلى أن المرأة جزءٌ من حياة الرجل ، فيما الرجل هو كل وجود المرأة ، وهذا الإيماء يعززه قول الأنثى : ( اسأل طيورك عني) فالرجل يحب المرأة حالات مجزأة وفق ظروف متغيرة وطقوس مختلفة ، فيما المرأة تحب رجلها حالة واحدة ثابتة لا تتغير ، ولذلك يبدو الحب حالة جنونية لديها لتنعتق من أسر ذاتها ، لتعيش في ذات رجلها :
وحلوٌ هو الحبُّ
يملؤني عسلاً يا حبيبي
ويسرقني من رحيقي إليكْ
وصعبٌ هو الحبَّ
يطلقني فرساً من جنونٍ
ويوقعني في صهيل يديكْ
وهنا يكون الوجع اللذيذ الذي يتّسق والنزوع الرومانسي للشاعر ، إ ذ الشاعر معدنه الألم حسب تعبير لامارتينيه ، ليكون الحب باعثا على الحزن والحالة العشقية تستحضر موقفا يدعو للعذاب :
ألا تستطيعينَ أن تسرقي من فؤادي الحنانا ؟
لئلا أُعذّب أوّلَ امرأةٍ عشقتْني
وقلبَ الفتاةِ التي أوسعَتْ …
لجبيني على ساعديها مكانا
ليكون الصوت الأنثوي هو الصوت الطاغي والمفجر عنفوان الحب ، والمؤكد استيلاء الرجل على مشاعر الحبيبة التي تطلق في الفضاء صوتها معلنةً عن الحب صرخة مدويّةً ، وهو تعلّق يذهب إلى أبعد مما يبلغه الحب ، إنه التملك الذي يصل إلى قتل من نحب لأننا نحبه ، ومن هنا تبدو دلالة الكلمات التي يوظفها الشاعر بحرفية شاعرية ، وفنية تعكس الحالة الشعورية المنفعلة بالموقف ، فنجد ألفاظ : (أظفار ، أنشب ، أصرخ ) وكأننا في مشهد جنائزي لا موقف حميمي بين عاشقين يتحاوران بلغة الحب ، ويتعاطيان العشق في لحظة من لحظات العمر التي سنحت للحبيبين :
حبيبي انتظرني قليلاً
لأكتبَ شيئاً يليقُ بعينيكَ
إنْ أحرجتني ونامتْ يدايْ
افترضنيَ كوخاً تلوذ إليه
ويدفنُ فيه أساكَ أسايْ
اختضني قليلاً
لأنشبَ أظفارَ روحي
بصدركَ …
أصرخُ في الكونِ أنت فتايْ
لينتهي هذا الحوار بالتعبير عن أمنية لم تكن لتتحقق ، ولن تتحقق ، وهو ما أفادته دلالة : (ليت ) التي تشير إلى طلب مستحيل لا يمكن تحقيقه ، وهو ما عبّر الشاعر عنه قديماً بقوله :
ألا ليت الشَّبابَ يعودُ يوماً فأخبرهُ بما فعلَ المشيبُ
ولذلك تظهر هذه الاستحالة في تصوير مشهد الحزن الذي يُنهي الشاعر فيه القصيدة ، ليكون آخر الحب أمنيةً لا يُمكن تحقيقها ، ويصيح الكلام صمتاَ يُعبّر عن حالة معاشة ربَّما ليس لها إمكانية الاستمرار في الحياة ، لتظلَّ القصيدة لوحةً مرسومةً لذلك المشهد الحواري الذي يبدو فيه كل ما حوله مُتَّشحاً بالأسى حتى الطبيعة ، وما فيها من جمال ، ليكون (البنفسج ) المعادل الموضوعي الذي يعكس انشغال الشاعر بحزنه الداخلي :
لصوتكَ هذا الحنينُ الدفينُ
الكمانُ
الأنين ُ
وهذا البنفسج والحبُّ نايْ
فيما تبقى الحبيبة معبّرةً عن شغفها بالحبيب وحبّه الذي امتلك كلًّ مشاعرها :
أحبُّكَ يا ليتني لا أحبُّك َ
يا ليت قلبي بصدر سوايْ
وأخيرا يمكننا القول بأن قصيدة الشاعر : عبد النبي التلاوي : ( إلى آخر الحب يمضي الكلام ) حوارية تنهض باللغة ، لتحوّل المجرَّد إلى محسوس ، وتنقل غير المادي إلى المعنوي ،فتحقق المتعة الجمالية ، وتلك هي الوظيفة الجمالية للشعر التي تُمكِّن المتلقّي من مشاركة الشاعر حالته الانفعالية ، وتنقل إليه الموقف مشهداَ يحسُّه حتى يكاد يبصره بأم ِّ عينيه .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق