قراءات ودراسات

قراءة في رواية “راشيل كوري – حمامة اولمبيا” لهارون هاشم رشيد

راشيل كوري في ذكراها السادسة عشرة

ناهض زقوت*

شهدت الأراضي الفلسطينية حركة تضامن نشطة مع شعبنا، ونرى الممارسات العدوانية الإسرائيلية ضد هذه الحركة، في محاولة لعرقلة جهودها وثنيها عن مواصلة عملها الإنساني، من بلعين وحاجز قلنديا إلى بحر غزة، ومن أقصى الجنوب في رفح، تبدأ الحكاية.
حكاية فتاة أمريكية، سافرت آلاف الأميال، لكي تعبر عن مبادئها ومواقفها الإنسانية، تجاه شعب قرأت عنه، وسمعت عنه، وشاهدت صورا عنه، إلا أنها أصرت أن تتعرف عليه عن قرب، وتعيش بين ظهرانيه، لتقرأ الحقيقة بعيدا عن وسائل الإعلام الأمريكية، فتكتشف الزيف الذي تعيش فيه، ويعيش فيه كل الشعب الأمريكي، وتنتهي حكايتها بتعميق الحقيقة الغائبة تحت أسنان جرافة إسرائيلية من صناعة أمريكية، ولكن هل اكتشف الشعب الأمريكي حقيقة إسرائيل بقتل راشيل كوري؟.
سؤال أعاد صياغة إجابته بأسلوب آخر، الكاتب والروائي والشاعر الكبير هارون هاشم رشيد، في رواية “راشيل كوري – حمامة اولمبيا” (2005)، يسرد فيها سيرة حياة راشيل كوري ورؤيتها ومواقفها الإنسانية وفق مبادئ آمنت بها وسعت من أجلها لتكتب فصول حكايتها المأساوية على رمال رفح.
يمنحنا العنوان بعدا دلاليا وسياقيا كمرجعية للنص، ويأتي واضحا دون لبس فيه، “راشيل كوري – حمامة اولمبيا”، أي أن الرواية تتحدث عن هذه الشخصية، مع صورة لها على الغلاف، لتأكيد دلالات السرد، ويأتي الاسم مكتوبا بماء الذهب ليؤكد أهمية صاحبة الاسم، ودلالات تناولها في هذا النص الروائي.
إن كل الأبعاد الدلالية والسياقية التي تناولها العنوان تشكل البنية الأخلاقية والاجتماعية العميقة التي اتسمت بها شخصية راشيل كورى، فهي شخصية فارقت محيطها وأهلها وتجاوزت رؤيتهم الضيقة إلى فضاء أوسع “من بعيد .. جاءت راشيل تحمل معها مهمتها الإنسانية بعد أن قرأت طويلا، واقتنعت بعدالة ما هي مقدمة عليه، من نصرة لشعب مقهور، ومغلوب على أمره، يواجه وحيدا دولة إرهابية، تتحدى الدنيا، بارتكابها يوميا وكل ساعة أبشع الجرائم الإنسانية”.

تستلهم هذه الرواية أحداثها من حدث مقتل المواطنة الأمريكية راشيل كورى على أرض رفح يوم الأحد 16 آذار/ مارس 2003 على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي، فهي رواية حقيقية تستخدم الأسماء الحقيقية لزملاء راشيل وشهود الحدث، وهذا ما أكده المؤلف في الصفحة الداخلية التي حملت عنوان الرواية.
في صفحة الإهداء يهدي الكاتب الرواية إلى أسرة راشيل كوري: سيندي، كريغ، وكريس وسارة كوري” وهؤلاء يمثلون عائلتها. مما يعطي دلالة على أهمية هذه الأسرة ومكانتها، فهي الأسرة التي علمت راشيل المبادئ وربتها على القيم الإنسانية، وهي التي دفعتها بطريقة غير مباشرة إلى الانضمام إلى فريق التضامن الدولي مع الشعب الفلسطيني.
ـ جلست راشيل إلى والديها لتبرر لهما الخطوة التي قررتها باقتناع تام، .. وقد علماها منذ الصغر، أن تفعل ما تجده مقنعا لها، ومتمشيا مع رضا ضميرها”.
ـ نعم يا بنتي، لقد علمتك أن تقدري جمال المجتمع، وأن تحمي الأسرة، وأنا كنت دائما كما والدك، أفخر بمسار حياتك، لأنك تفعلين، ما تقتنعين به، وتتخذين دائما القرار المناسب الذي ينبع من أعماق إنسانيتك”.
وهذه الأسرة المكونة من الأب والأم والأخ والأخت، لم يعترضا على قرارها بل كانوا أكثر منها حماسة واقتناعا بالفعل الذي تنوي القيام به، يقول الأب بعد أن شرحت له راشيل فكرتها ورؤيتها “بان الشعب الفلسطيني مظلوم، ويعاني من القهر والاضطهاد والتجويع، وانه في حاجة إلى المساعدة، وأن باستطاعتي، أن أتطوع لتقديم العون له”، ينظر إليها الأب بحنان قائلا: “أنت على حق يا ابنتي، وأنا مقتنع مثلك، ولكنني خائف عليك، اعذريني فانا أب، وأنت غالية علي”، ولم يكن موقف الأم أقل حماسة من موقف الأب.
إن رواية راشيل كوري، ليست رواية تخيلية بل هي رواية واقعية حقيقية، يسجل فيها الكاتب مسيرة حياة المناضلة راشيل كورى، فهي بالمفهوم الفني رواية السيرة. حيث أن كتابة السيرة تنقسم إلى قسمين، سيرة ذاتية وهي السيرة التي يكتبها المرء عن ذاته مستخدما ضمير الأنا المتكلم. والسيرة الغيرية وهي التي يكتبها المرء عن آخر، ويهيمن عليها ضمير الغائب. فنحن هنا أمام سيرة مناضلة أمريكية دفعت حياتها ثمنا لمبادئها ومواقفها المناصرة للقضية الفلسطينية وشعبها، تركت بلادها، ورحلت إلى الشرق لكي تبحث عن الحقيقة، حقيقة ما تقرأ، وما تسمع.
ويأتي البناء الروائي متسقا مع هذه الرؤية، حيث يقوم على ثلاث دعائم فنية أساسية:
1ـ السرد: يأتي السرد في الرواية متخذا أسلوب الحكاية (البداية، الوسط، الخاتمة)، حيث تبدأ الحكاية من مدينة اولمبيا، تلك المدينة الأمريكية التي تقع على شاطئ المحيط الهادي في الشمال الغربي للقارة الأمريكية. في هذه المدينة ولدت راشيل وعاشت وتعلمت، وكانت في السنة النهائية لدراستها الجامعية (صبية في الثالث والعشرين من عمرها) قبل أن تتخذ قرارها الخطير بالتوجه لمناصرة الشعب الفلسطيني.
ويفتتح السرد عالمه بقرار المفارقة والتجاوز للمجتمع الأمريكي، هذا المجتمع الذي بنى ذاته وسياسته على العداء للشعب الفلسطيني وقضيته ومناصرة إسرائيل في عدوانها ضد هذا الشعب، وتجسد راشيل ابنة هذا المجتمع تمردا على الذات الزائفة، لكي تبني رؤية مخالفة للسائد والراسخ في مجتمعها، إذ تعلن أمام والديها “أنها قد انضمت إلى فريق التضامن الدولي، العامل في فلسطين، لحماية الشعب الفلسطيني من إرهاب الدولة الذي تمارسه السلطات الإسرائيلية ضده”.
ويستمر السرد منذ ركوب راشيل الطائرة وصولا إلى المطار الإسرائيلي، وحينها تنفست راشيل الصعداء آملة بلحظات من الراحة بعد رحلة العناء ومشقة السفر، إلا أن ظنها خاب، إذ استقبلتها السلطات الإسرائيلية بالإجراءات البوليسية التعسفية، والمضايقات والاستفزازات، عندما عرفت أنها من فريق التضامن مع الشعب الفلسطيني، فقد أوقفتها السلطات الإسرائيلية طويلا في غرفة منعزلة، وأخضعتها للتفتيش بشكل قاس واستفزازي قامت بها مجندة إسرائيلية، يرشح من عينيها غضب وصلف غير مبرر، قامت بتفتيش راشيل من رأسها إلى قدميها، بعد أن جردتها من ملابسها. تلك كانت تجربتها الأولى مع السلطات الإسرائيلية.

أما الثانية فكانت عند معبر بيت حانون (ايرز)، حيث أخضعت للمسائلة والتحقيق والتفتيش والتدقيق في أوراقها، في إجراءات لم تجد مثيلها في الدنيا. وعند المعبر ترى الوحشية التي يعامل بها العامل الفلسطيني من اعتداءات وممارسات تحط من الكرامة الإنسانية. وبعد أن يفرج عنها تنطلق باتجاه قطاع غزة الذي قرأت عنه كثيرا وحزنت لما يعانيه من لحظة وصولها.
إن دلالات السرد في مفتتح البداية يتجاوز المتخيل السردي لصالح السير ذاتي، فالرواية هي سيرة ذاتية، لهذا حاول الكاتب أن يماثل الواقع القائم ويقدمه بصورة يبرز الخصوصية الفلسطينية من خلال شخصية راشيل كورى، فالخط الدرامي في النص سار متقاطعا بين سيرة راشيل ومسيرة الشعب الفلسطيني.
وتصل راشيل إلى مدينة غزة لتنزل في فيلا في حي الرمال يقيم فيها زملاؤها من فريق التضامن الدولي، ومنها تنطلق إلى مدينة رفح مع زملائها (توم ديل البريطاني، وجيني الأمريكية). وفي الطريق تواجه راشيل الحواجز الإسرائيلية (حاجز نتساريم، وحاجز أبو هولي) تلك الحواجز التي تقطع أوصال القطاع، وتلمس بعينيها معاناة الفلسطينيين عند الحواجز وهي نفسها لم تسلم من الممارسات العدوانية الإسرائيلية.
وبعد معاناة ومشقة وخوف من الرصاص الذي انتشر عند الحواجز، تصل إلى مدينة رفح، مركز الأحداث وتفاعلها في النص، وتمثل “وسط الحكاية”.
وفي رفح تؤكد راشيل هدفها في حوارها مع زملائها “… أنا ما جئت إلا لأعيش الحقيقة التي أبحث عنها، ولاقف إلى جوار المظلومين، لتحقيق العدالة التي أنشدها … تلك كانت أغلى أمنياتي وحلم حياتي، وما جئت .. وطرت كل هذه الساعات إلا لهذه الغاية”.
وهنا تكتشف راشيل عمق مأساة الفلسطينيين، وممارسات العدوانية الإسرائيلية ضدهم والتي تصل إلى حد الإبادة العرقية، والدور الأمريكي فيها. فترى بعينيها مقتل الأطفال، واغتيال المقاومين، وتدمير البيوت على سكنيها الآمنين، وتجريف الأراضي، واقتلاع الأشجار، وقصف البيوت بطائرات الاباتشي والاف 16 الأمريكية الصنع.
وفي رفح تحدد راشيل مهامها، الوقوف في وجه الممارسات الإسرائيلية دفاعا عن السكان وحمايتهم من العدوان، توصيل الأطفال إلى مدارسهم وانتظارهم حين عودتهم لكي تحميهم من البطش الإسرائيلي، حماية الشباب من القتل المتربص بهم من الأبراج الإسرائيلية المنتشرة على طول الحدود، ومساعدة الأطفال في واجباتهم المدرسية خصوصا في اللغة الانجليزية، الاستماع إلى الناس وتسجيل ما تسمعه لكي تعد أبحاثا عن نضال الشعب الفلسطيني.
إن الرواية مليئة بالتفاصيل والأحداث والوقائع، وتمزج بين الواقع والتاريخ، ورغم هذا نؤكد أن الرواية لم تكتب لنا بل للآخر الذي يدعي الحرية والدفاع عن حقوق الإنسان، فالرواية هي رسالة إلى العالم الغربي والأمريكي عن ممارسات إسرائيل العدوانية ضد الشعب الفلسطيني، وإبراز معاناة الشعب الفلسطيني لكي تعطي دلالة على تضامن راشيل وأمثالها معه، حيث تركز الرواية على التعريف بالأماكن بشكل دقيق ومفصل، وهذا ما يؤكد رسالتها الإنسانية للعالم.
منذ لحظة وصلها مع زملائها استقبلها الناس بكل حب ومودة، وفتحوا بيوتهم لها، “كان وجود راشيل في أي من بيوت حي السلام أو مخيم البرازيل، للاجئين في رفح، ينشر الفرحة، والسرور في البيت، أي بيت، ويشيع السعادة في وجوه الأطفال، الفرحين بها، والمترقبين لزيارتها”.
وتصل الأحداث إلى ذروتها بمقتل راشيل وهي تتحدى إحدى الجرافات الإسرائيلية أثناء محاولتها تدمير بيوت السكان في رفح، “بدا البلدوزر الوحش، يدفع سكينه أسفل الركام الذي تقف عليه راشيل، أخذت الأرض تهتز تحتها .. مما أخل بتوازنها فانزلقت من فوق الركام، ووقعت على الأرض .. لم يتوقف سائق البلدوزر .. بل واصل حقده وعنصريته، ولم يستمع لصراخ رفاقها، بل دفع التراب والردم فوقها، وهو يواصل التقدم، حتى أصبحت أسفل البلدوزر، لم يكترث لشيء، بل واصل تحديه للجميع .. وبدا يتراجع فوقها دون أن يرفع النصل، بل يجره فوق جسدها ليتأكد من قتلها، وبعد أن غادر تاركا جسدها تحت التراب، نقلها رفاقها بسيارة الإسعاف إلى مستشفى أبو يوسف النجار، لتفارق الحياة. وترسم علامة استفهام كبيرة على مدى حرية الإنسان وقيمته في عالم لا يؤمن إلا بشريعة الغاب.
2ـ الرسائل: تأخذ الرسائل بعدها الدلالي في بناء النص، فهي تعيد إنتاج النص بأسلوب جديد، تلك الرسائل التي أرسلتها راشيل إلى والديها، تحكي فيها الوقائع والأحداث الفلسطينية وعلاقتها بالناس وعلاقة الناس بها، وأحاسيسها ومشاعرها، وترسم فيها تفاصيل الحياة اليومية التي تعيشها مع الشعب الفلسطيني، وتركز كثيرا على شعورها بالذنب، فهي الأمريكية التي تساهم بلادها في قتل الفلسطينيين الآمنين، “هذا المخيم … الذي يسكن عينيها، وقلبها، كأنما ضربه الزلزال، طائرات الاباتشي، والاف 16 وكلها أمريكية، للأسف، هي التي أحالت هذا المخيم إلى خرائب، يعلو فيها الركام”، وتنتابها الهواجس والأحلام المزعجة من وقائع الحياة اليومية، وهذا ما تحاول أن توصله إلى والديها، فهي تحاول أن تكفر عن ذنبها ذنب بلدها بفعل التضامن والدفاع عن هذا الشعب. بعيدا عن التخيل واقترابا أكثر من تسجيل اليوميات تعبر عن توترها في واقع غير إنساني.
3ـ التوثيق: يأتي التوثيق مكملا للسرد بطريقة مباشرة وتقريرية، حيث يسجل الكاتب تفاصيل المكان وتاريخه، نقرأ مثلا: “قطاع غزة قطاع صغير، طوله لا يزيد على 45 كيلو مترا، ويتراوح عرضه بين خمسة إلى ثمانية كيلومترات، يحتشد فيه حوالي مليون إنسان، أكثر من الثلثين من اللاجئين الذين انتزعوا من مدنهم وقراهم، من منازلهم، ومزارعهم …، على درجة من الفقر الشديد، والقطاع على الرغم من ضيقه وصغره، قامت سلطات الاحتلال الإسرائيلي بتقطيعه، وإقامة الحواجز المحصنة بالجدران الإسمنتية، والأبراج، وعشرات الدبابات المزودة بأحدث الأسلحة وأشدها فتكا”.
ومن خلال شخصية الشاب “محمد” الذي يزود راشيل بمعلومات عن الانتفاضة الأولي وانتفاضة الأقصى، يذكر الكاتب التفاصيل والأسباب التي أدت لاندلاع الانتفاضتين، ويقدم إحصاءات عن الشهداء والجرحى، والبيوت التي تم تدميرها، وأنواع الأسلحة التي استخدمتها إسرائيل.
وإن كان هذا التوثيق يعطي دلالة، فهو يؤكد أن الرواية تستهدف المجتمع الأوروبي، والإنسان الغربي، لهذا حاول الكاتب أن يزوده بالمعلومات الحقيقية لأفعال إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني.
في رواية راشيل كوري، لا نستطيع الفصل بين المكان والزمان إلا على المستوى الدلالي، أما على المستوى الواقعي فثمة ترابط حميمي بينهما، على اعتبار أنهما يحملان شهادة التاريخ على الواقع الفلسطيني، وارتباط هذه المناضلة بهذا التاريخ، وبهذا الواقع.
يعد المكان مكونا أساسيا من مكونات النص الروائي، فكل رواية تحتوي على مكان أو أكثر من مكان حسب طبيعة الأحداث، وتعود أهمية المكان في النص إلى الإيهام بواقعية الرواية، فالمكان هو الذي يؤسس الحكى لأنه يجعل القصة المتخيلة ذات مظهر مماثل لمظهر الحقيقة. وبما أننا أمام رواية حقيقية، أو رواية سيرة، يتكثف حضور المكان، ويشكل فضاء مدينة رفح بعدا مركزيا في السرد الروائي، فمن هذا الفضاء ينطق تنطلق البطلة/ راشيل متوزعة على الفضاءات الأخرى.
حينما تصل راشيل إلى مدينة رفح، وتحديدا إلى “حي السلام” وهو جزء من مخيم رفح للاجئين، تكتشف واقع القهر السياسي والاجتماعي والاقتصادي للإنسان الفلسطيني، فتقف مذهولا من كثافة السكان وفقرهم، ومن كثافة الحواجز الإسرائيلية التي عملت على تقطيع أوصال قطاع غزة. “دخلت السيارة المخيم، وتوغلت في حي السلام مخيم اللاجئين، انه ليس كما تصورته، انه عبارة عن بيوت بسيطة متلاصقة، عشوائية، حول أزقة ضيقة، خالية من البنية التحتية، تنتشر فيه أكوام الردم، والكتل الإسمنتية الباقية من البيوت المهدمة التي اغتالتها جرافات الإسرائيليين، وشردت أهلها ..”، هذه المشاهد المأساوية جعلتها تتساءل: “أحقا هذه المدينة تنتمي إلى الأرض؟، أتدخل عالما له علاقة بالعصر؟، أين هي الحضارة المزعومة التي تكذب علينا”. وتكتشف راشيل منذ الوهلة الأولى في المكان الزيف الذي زرعه الإعلام الغربي والإسرائيلي في عقول العالم.
وفور وصولها تنتقل للعيش في بيت أحد اللاجئين بناء على طلبها، “بعد لحظات سنحقق لك ما طلبت، ستكونين في بيت أحد اللاجئين الفلسطينيين، وستقيمين معهم، وتعيشين حياتهم، وتشاركينهم معاناتهم”. وتنزل راشيل في بيت د. سمير نصر الله، لتبدأ مسيرتها ونضالها من هذا المكان، ومنه تنطلق في شوارع وأزقة وحارات المخيم، وتذهب إلى البيوت للتعرف على أهلها وتستمع إليهم.
أما عن زمان السرد، تقول سيزا قاسم: “يمثل الزمن عنصرا من العناصر الأساسية التي يقوم عليها فن القص، فإذا كان الأدب يعتبر فنا زمنيا – إذا صنفنا الفنون إلى زمانية ومكانية – فان القص هو أكثر الأنواع الأدبية التصاقا بالزمن”.
وقد تمثل الزمن في الرواية الكلاسيكية بالتسلسل المتواصل مع الحدث، أما في الرواية الحديثة فقد ازدادت قيمة الزمن بالنسبة للروائي، وإلى تطور واضح في طرق معالجة الزمن وابتكار أساليب وتقنيات جديدة للتعبير عنه، فبعد أن كان الزمن في الرواية التقليدية زمنا خطيا فقيرا، أصبح في الرواية الحديثة متكسرا يتوزع بين عدة أزمنة. وانطلاقا من تكسر الزمن، ميز نقاد الرواية الحديثة في الخطاب الروائي بين السرد والحكاية، من حيث أن زمن الحكاية يخضع بالضرورة لتتابع المنطقي للأحداث، بينما لا يتقيد زمن السرد بهذا التتابع المنطقي.
وهذا ما نلمسه في زمن هذه الرواية، فزمن الحكاية يستغرق ثلاثة شهور، منذ أواخر يناير تاريخ وصول راشيل إلى فلسطين، وحتى منتصف مارس تاريخ مقتل راشيل، إلا أن زمن السرد يمتد ليصل إلى العمق الفلسطيني ومأساة الشعب الفلسطيني عام 48، وما تبعها من أحداث عام 1956، وعام 1967، وانتفاضة عام 1987، وانتفاضة الأقصى عام 2000، كل هذا وما تعرض له الشعب الفلسطيني من مآسي وممارسات عدوانية إسرائيلية تتناوله الرواية حيث يتخذ الكاتب من راشيل وسيلة استماع لكي يحكي عن النكبة وتداعياتها ومخيمات اللاجئين ومأساتها، وأوضاع الناس واللاجئين والأطفال في المخيمات، فتحكي “أم أحمد” لراشيل عن هجرتها مع أسرتها من قرية حمامة، وتفاصيل مأساة اللاجئين، وموقف الجيوش العربية، وكيف سكنت المخيمات، وعن حرب 1956، وحرب 1967، ومعاناة المخيم وسكانه من العدوان والقتل والمجازر. وتستمع كذلك راشيل من الشاب “محمد” عن انتفاضة الحجارة، وعن انتفاضة الأقصى، وممارسات الاحتلال خلالهما ضد البشر والحجر والشجر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*كاتب وباحث، مدير عام مركز عبد الله الحوراني للدراسات والتوثيق – فلسطين

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق