ثقافة السرد

الشارب المقصوص

كتبها: عمر سيف الدين Ömer Seyfettin
(1884-1920)
نقلها عن التركية: محمد وليد قرين*
العنوان في اللغة الأصلية: كسيك بييق Kesik Bıyık

يجب أن نصدق كلام ذلك الشخص المسمّى “داروين”. إيه نعم، الإنسان ينحدر حتما من القرد. لأننا نسارع إلى تقليد كل ما نراه، إذ نقلد الناس في طريقة جلوسهم وقيامهم، ونقلد الناس في المشرب وفي طريقة مشيهم وتوقفهم. المهم، نحن مقلّدون في كل شيء.
ثمة رجال كثيرون يحملون نظارات اسمها “مونوكل”، من دون أن تكون لهم الحاجة إلى حملها. لماذا؟ لأن “المونوكل” هي النظارات الوحيدة التي رأوها في مجلات الموضة.
على كل، لا نطل الحديث.أنا أيضا مقلّد من المقلّدين، إذ أتّبع كل موضة تظهر. فقبل ستة أو سبعة سنوات، كان الجميع يحلق شاربه مثلما يفعله الأمريكان. سوف تظنوّن أنني، أنا كذلك، حلقت شاربي هكذا. إيه نعم، أنا كذلك حلقت شاربي الكث والطويل، فقط لأنها كانت الموضة آنذاك، وبالتالي كنت قد طبّقت فعلا كلام “داروين” وأصبحت أشبه أجدادي.
لا يمكنكم أن تتصوروا كم خجلت في بادئ الأمر، خصوصا في اليوم الأول، إذ سلكت الدروب لكي أعود إلى المنزل، حتّى لا ألتقي بأحد من أصدقائي. ولمّا فتحت لي أختي الباب ورأتني على تلك الحال، أي من دون شارب، أطلقت صرخة صاخبة، كما لو أنها رأت شيطانا واقفا أمامها. هربت وهي تصرخ. دَفَعْتُ الباب وصَعدْتُ إلى الطابق العلوي. الله يعلم ماذا قالت تلك الخبيثة لأمي. دخلت أمي غرفتي فوضعْتُ يدي على فمي متصنعا وجعًا في الضروس وخبّأتُ شاربي.
قالت لي أمي:
– آه يا حقير، يا خائن! لم تعد ابني منذ الآن!
كانت أمّي تجشّ بالبكاء وكانت يديها الضعيفتين ترتعشان. كان صدرها ورأسها يهتزان من أثر خفقات القلب السريعة. فقلت لها:
– ولماذا يا أمّي العزيزة؟
– لماذا؟ أولم تر شاربك؟
– لكن لماذا أصبحت حقيرا وخائنا عندما حلقت شاربي؟
فاضت دموع أمي أكثر فأكثر، ثم قالت لي:
– أتحسبني لا أفهم؟ الـ”فارمصون” هم الذين يحلقون شواربهم. يعني أنك فارمصون ونحن لا علم لنا بذلك.
من جهتي، حاولت أن أفهّمها أنني لم أرتكب هذه الرذالة، أي قص شاربي، إلا من أجل أن أقلّد الجميع، وأنني كنت أجهل أن أعضاء المنظمات السرية مثل الفارمصون يقصون شواربهم مثلما فعلتُ. لكن أمي لم تصدّقني. فقالت لي:
– آه، ليتني ولدت حجر جهنم بدل أن ألدك أنت!
وهل تظنّون أن أبي لم يأت إلى غرفتي هو كذلك؟ نقلت له أختي خبر شاربي. صعد إلى الطابق العلوي ودخل عليّ ماسكا بيده عصا خشنة. عندما رأيته بدأت أرتعد. سأكون قد كذبت عليكم لو قلت لكم أنني لم أخف منه. في تلك اللحظة فهمت أن أمري انتهى. دخل أبي الغرفة بسرعة، أما أنا فكنت لا أزال أخفي شاربي بيديّ. لوّح أبي بعصاه في الهواء وقال لي:
– انزع يدك من فمك، هيا!
تعقّدت الأمور فاختلقتُ كذبة في الحين وقلت له:
– أتعرف يا أبي ، عندما أشعلت اليوم سيجارة أحرقت جهة من شاربي عن غير عمد . لذلك قرّرت أن أقص شاربي كله.
ولكني رأيت في عيني الشيخ أنه لم يصدّق كلامي.
– لا يمكنك أن تجعلني أبتلع أكذوبتك هذه. يعني أن كل هؤلاء الشبان المتكلّفين الأدب الذين يملئون شوارع المدينة أحرقوا هم كذلك شواربهم بعود كبريت؟
سكتت. لم أجبه.
فتح أبي فمه وأغمض عينا واحدة وقال لي كلاما لا يمكنني تكراره لأنني أحشم.
لم أكن أدر ماذا أفعله أمام غيظ أبي. قلت لنفسي: ليتني قطعت رأسي بدل أن أقص شاربي!”
تبرّأ أبي منّي وطردني من المنزل.
قال لي:
– اغرب عن وجهي، وإياك أن ترجع إلى المنزل! لأنه لا يمكنك استرجاع شرفك ولو نمى شاربك من جديد.
ما العمل؟ غادرت المنزل في حالة من الحزن والحيرة. لم يكن ثمة مكان التجأ إليه. تذكّرت بعدها صاحبي الذي يسكن في حي طوبكابي. فكّرت أن أذهب إلى منزله وأبيت عنده.
مشيت في جهة الطرامواي. رأيت أصحابي الرياضيين في منعطف الشارع. هم رأوني كذلك وقالوا لي بصوت مرتفع:
– بونجور، بونجور! الآن أصبحت رجلا. أتذكر شاربك الكث والطويل؟ كانت هيئتك حينها سخيفة ومثيرة للضحك.
لم أجبهم ولا ردّيت على تحيّتهم. لا سلام ولا كلام. واصلت السير. يعني أن ما فعلته أعجب هذين الصديقين، أمّا أبي وأمي فاعتبراه كارثة.
ركبت الطرامواي المتجه نحو طوبكابي. كان فارغا. اندست في مقعد، كأنني كنت أحشم من ذنب ارتكبته. صعد إمام وجلس إلى جانبي. على رأسه شاش وكانت لحيته شائبة .
أخذت تذكرتي.
بين الحين والآخر كنت ألقي نظرة إلى الخارج. انزلق نظري نحو الإمام. لاحظت أنه كان يحدّق فيّ. أخذ قلبي يخفق بسرعة. قلت لنفسي: ” ليت هذا السيّد لا يحكم عليّ بأني كافر لأنني حلقت شاربي…” أخذ قلبي يخفق بسرعة أكبر. أردت أن أقوم وأنزل من الطرامواي. كنت أستعد للهروب وهممت بالقيام، وإذا بالإمام يبتسم إليّ ويقول لي:
– اقعد يا بني.
زاد الفزع على حيرتي. سألته قائلا:
– ولماذا يا شيخنا؟
– لأنني عندما أرى شبانا أنيقين مثلك يتبعون سنّة الرسول محمّد صلّى الله عليه وسلّم، هذا لنا أكبر فخر.
لم أفهم قصده. حوّلت ببطء بصري إلى الأسفل، كأني كنت أرفض النظر في أي اتجاه كان. كنت في غاية من الحيرة لأنني لم أفهم قصد الإمام. سألته من جديد وقلت له:
– لكن كيف عرفت يا شيخنا أنني أتبّع سنّة الرسول محمّد صلّى الله عليه وسلّم؟
ضحك الإمام وقال لي:
– لقد قصصت شاربك يا بنيّ! أوليس قص الشارب سنّة من سنن الرسول محمّد عليه الصلاة والسلام؟
– …

نهاية القصّة

عمر سيف الدين: كاتب تركي عثماني، وطني الاتجاه. يعتبر أحد رواد القصة التركية الحديثة. صوّر في قصصه التحولات الاجتماعية الثقافية داخل المجتمع التركي في أواخر الدولة العثمانية كما دافع في كتاباته عن القيم الإسلامية، عن وطنه وعن اللغة والثقافة التركية. شارك (كجندي في الجيش العثماني) في الحروب البلقانية 1912-1913.

*محمد وليد قرين*: كاتب وأستاذ في الترجمة بجامعة الجزائر 2

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق