ثقافة السرد

موت فرناندو بيسوا

كاتبـها: باتريك تيلار
مترجمـها: عبد السلام بنخدة

إلى عزيزتي صفاء

ينظر فرناندو بيسوا،عبر نافذة غرفته،إلى الشارع.
بائع التبغ،واقفا على عتبة دكانه،يراقبه.يلقي عليه التحية بإماءة الرأس.
عبر هذه النظرة كل يوم أكثر أبدية،يكتشف الشاعر نفسه مهزوما.
-لن أردّ عليه السلام مستقبلا،قال في نفسه وهو يعرف أن الشجاعة تعوزه.هذا الرجل لا يوجد،يقرّر،أنا أتخيله.أنا أحلم بأنه يلقي التحية عليّ.
لوقت قصير جدا، يتخيل أن هذا الرجل يمكن أن يكون فرناندو بيسوا. أعجبته الفكرة إلى حد ما. تداولها بيسر للحظات.
الآن جسده مسجى على السرير.أحدهم يفتح النافذة.يتفحص نفسه في المرآة الوحيدة في الغرفة.ينظر مليا إلى ملابسه،ونتوءات الأزرار،وسمك
ولون الخيط الذي يربط الأزرار بالثوب، بحبكة القماش. أصابعه تتحسس الوجنتين ،والجبين،والذقن الذي ربما كان يملكه،والذي لم يعد يدرك منه سوى المادة الفانية. يبتسم و،من خلال المرآة التي تقابله،أحدهم مهندم بعناية، يوجه إليه مجموعة لانهائية من الابتسامات.
يتألم…هذه الحالة ليست استثنائية،فكّر وقدّر،حينما نموت احتمال حدوث الألم هو أمر جلل.الوضع يبدو له عبثيا.كل شيء يحدث خارجه. أشتاق كثيراً إلى النوم،أعاد في نفسه.
يحلّق فوق شوارع “ألفاما” الخاوية على عروشها.يهرب إلى داخل كثافة السماء.كيف نعيش حياة ونحن نعرف أننا سنغادرها؟
فجأة،يتناهى إلى سمعه صوت إستيف،هذا العجوز إستيف الذي لم يبادر نفسه بطرح أسئلة أبداً.ضحكه وصوته يغمران الشارع. يتجاوزان بفظاظة حافة النافذة بحيث أن الضجة تغللت إلى داخل غرفته.حيوية مذهلة، إنسانية عميقة لـ<<إستيف بدون ميتافيزيقا…>>
في عالم النوافذ المشرعة على السماوات اللازوردية براءة كل إستيفات الكون لا تنقطع أبداً.فرناندو بيسوا يبتعد عن زوبعة إستيف حينما ينبثق الشعر بأمانة:
<<الكون انغلق على ذاتي دون مثل ودون أمل، وابتسم بائع التبغ.>>
<<دون مثل ودون أمل>>تبدو الحياة مطوقة بهاتين الكلمتين .لاشيء أكثر من حياة بدون حياة،ثابتة،غيرتامة،مسكونة بالظلام.لا يوجد تيهانّ أكثر إمكانا خارج الشعر،وبالخصوص حينما يتجسد فيه عنف العدم.
بائع التبغ يمثل له،في هذه اللحظة،قوام حارس السجن.وبلا شك، فرناندو وهو معتقل في هذه الغرفة.تنفسه يصبح صعبا.الهواء يًًًًًًستنزف.خيالات تتهامس. يحلم بيسوا بأن لا وجود للغرفة .
يشعل سيجارة.أثناء تدخينه،يفكر في قصيدته.يعيد نظمها مئة مرة،ألف مرة،غير بعيد عن الصندوق الخشبي حيث تتكوّم الصحف تلو الصحف،شعرُ حياة دون توقف أكثر غيابا.دخّان سيجارته يبلغ السماوات حيث يتبدد هنالك.لا يوجد إحساس آخر أكثر ،من إحساس بيسوا بأنه منفي.يتأمل الغريب الذي يسكنه.بتؤدة، تنزلق الحقيقة بين بيسوا وبيسوا.
يتمدد على السرير المطوق بالأحلام،بالقرب من هذه الحقيقة التي لم يجدها في أي مكان آخر.
أحدهم يُزيلُ النظارات عن وجهه ويمسح جبينه بخرقة مبلّلة.
حينما تلتحق بنت الغسالة بالغرفة،يجوب عدة حيوات.عَبر فكره قرونا غير معروفة، بانيا ومفككا إمبراطوريات الواقع ليوحي فقط بأنه لا يزال متوقداً.منبثقاً من أحلامه،يعود ثانية بيسوا إلى الغرفة.في صمت،ترتب البنت الأقمصة المنشاة على الرّف<<إذا اقْتَرَنْتُ بابنة الغسالة ربما سأكون سعيداً.>>
تجلس الممرضة بجانب السرير وهي تقرأ ورقة الأدوية.
في الصندوق الخشبي ترقد الدفاتر والصحف التي دَوَّنَ فيها ما فكر في أن يكونه سابقا، ما فكر في أن يكونه.لاحقا،ما لم يفكر في أن يكونه أبداً.ينظر إلى غطاء أسراره ثم ينزوي بنظره حول نحو الحيطان.يغمر تلك بأسماء، بهندسة أسماء عجيبة. أسماء تمتلك بيسوا بثقة نفس وديعة. هذه الأسماء ترغب في أن تولد ، يغديها بشعره. لأجل ذلك، فهي تعيش عمرا أطول منه. تستذكر، تعيد سيرتها الأولى: لا تتركنا منفردين، يا صاح… لا تتركنا منفردين…
ستصبح هي كلماتها أو أخرى تشبهها.
يفتح عينيه. الورقة الملصقة فوق النافذة تنفك من الحائط العفن. من تكون تلك المرأة التي تحدق فيه؟
أمامه، تتجزأ أشياء بدهية في مثل حبة قهوة، صحن صغير شرم، إبريق أصفر. لقد كتب تحت أسماء مستعارة، في أزمنة أخرى، أشعارا تتغنى بهذه الأشياء ,أشعارا تحتوي على جزء من الواقع الذي تهجس بخطره. لكن اليوم – وربما كان ذلك دائما -، التراب يتفتت بتأثير جسده فيما ينساب نحو هذه النافذة المسمرة على سماء صافة، وفارغة كتحية بائع التبغ.
يحس بالبرودة، ملفوفا في التراب. بيسوا يهز الرأس بهدوء. تغادر الممرضة الغرفة. بالكاد يسمعها.
بنظرة، يبحث عن سترته. لمحها موضوعة على كرسي. وهو يرتديها، فتح الباب وخرج من السقيفة دون أن ينعم النظر في ورق الحيطان المرسوم العفن أو الأوراق التي تغطي الطاولة.
وحيدا في الغرفة،يتأوه في نعاسه. لا يستطيع أن يشرب أي شيء.
على عتبة البناية، يسلم عليه بائع التبغ. فرناندو يبادله التحية بإماءة الرأس. خياله المتوج بقبعته السرمدية ينزل إلى الشارع المبيض بنور الشمس. يرق الخيال شيئا فشيئا ثم يختفي في سفع الحرارة.
في طريقه، الشعراء الذين لم يولدوا بعد يستيقظون، أرواحهم تسير ببطء في لشبونة كما لو أن لشبونة قد أخضعت الكون للرجل الصغير المنتعل للغبار الذي يختفي بعيدا.
أحدهم،في غرفة مريضة، يهذي وربما يموت، أسهدته الأكاذيب المطمئنة والعلاجات الطبية العقيمة. فرناندو يراقب هذا المشهد كمتفرج يقظ. الرجل المحتضر يستغرق في تأمل سماء الرماد التي تتسرب إلى غرفته.
خيال يلازم عتبة دكان التبغ، قط أسود يحتك به ويفر. الخيال يعبر الشارع المشمس. يجتاز ممر الضوء ويرتقي درجات السلم. السقيفة خالية. الأقمصة التي رتبتها بنت الغسالة توجد مكدسة على الرف الجداري. قراطيس من الورق مبعثرة على الطاولة. الخيال يجلس على الكرسي.
يمسك بريشة المحبرة. يكتب عنوانا: “دكان بائع التبغ”، ثم المقطع الشعري الأول:
” لا شيء
لن أكون أي شيء أبدا
لا أستطيع أن أكون أي شيء
إلا أنني أحمل في داخلي كل أحلام الكون.”
هكذا يواصل الخيال بدقة الكتابة حتى البيت الأخير:
” الكون انغلق على ذاتي دون مثل ودون أمل، وابتسم بائع التبغ.”
ثم نهض ولحق بالنافذة. بعد مرور وقت قصير في تأمل الشارع، والاستماع إلى الضجيج المخنوق و المألوف لـ “ألفاما”، يدير ظهره إلى النافذة. بسحنة وقورة، يرتب الأوراق في النظام الذي تقتضيه القصيدة.
يزيح غطاء الصندوق ويولج قراطيس الورق في الكراسة المعدة لها آنفا.
بعد الانتهاء من إغلاق الصندوق، يتركز نظره على الورق المرسوم البالي، و الصحن الصغير الشرم الموضوع على حافة المغسلة، وبعض حبات القهوة المنفلتة من كيسها، و الإبريق الأصفر الموضوع بجانب حافظة الأكل.
الخيال يتوجه نحو المرأة الوحيدة في الغرفة.
اللون الرتيب الذي يفيض في الغرفة يمحي محيط النافذة. يُحقَََََن بمسكن.
في المرآة، الأقنعة تواجهه. مبتذلا، ينبثق تًقًنع بيسوا من المرآة وراء رياء بائع التبغ. بلطف يختفي وجهه المتوهم؛ الشاعر يخفي جراحه ليتسنى لشاعر آخر مماثل له ومختلف عنه، أن يحميه بينما هو يحلم، يتشوق إلى صوت آخر، مقدود من أحلامه، حي، ليتخذ مكانه. تصبح أنفاسه أخف أمام فقدان الصبر هذا. وراء الأقنعة التي تنزلق وتتفتت، الشعراء المدعوون من طرف بيسوا يعتنون به بلطف لا حدود له. يقظين، أصدقاؤه يتصرفون بهذا الخيال الكسيح الذي نسي أن ما من شاعر يموت وحيدا. من شعره الهارب قد انبجس كون أكثر واقعية من الواقع، مسكون بالأحلام الوردية، مخفف بعدم الاستسلام للواقعي، لكنه أكثر حقيقة من ذلك الخيال الذي لم يعد يتذكر نفسه بعد الآن.
الخيال يحتضر، سوف يكون عما قريب لا شيء أولا أحد. على أرضية البيت المصقولة، الأقنعة تشتهي غبارها. منعزلا، يفارق وعي فرناندو بيسوا الأجساد المبتهلة، ينقلب إلى عتمة الصندوق الخشبي حيث ترقد بِِِِِجَلد مخطوطاته الشعرية التي في يوم ما ستزيل عنها حجاب النسيان.
الصندوق الخشبي ينتظر. الشارع ينتظر. كل شيء صمت.
النافذة تختفي. لون السماء لم يعد سوى حركة بطيئة جدا نحو الغياب
و البرودة.
الأكوان التي شاغلت فرناندو بيسوا و أحزنته تتمدد نحو فضاءات مجهولة. تشكل الرواق الخرب الذي حلم به مرة و، بما أنه يعبر هذا الحد المستحيل، تسقطت آذانه همس بعض الكلمات.
، محمولة بالريح، سمع في شوارع “ألفاما”1935نونبر29في يوم
صوت فرناندو بيسوا الذي يهمس بها:
“لكنني عن علم ما في غد عم.”

.1935نونبر30مات فرناندو بيسوا في

ـ باتريك تيلار كاتب وشاعر فرنسي معاصر.
ـ عمل في باريس كمسؤول الإنتاج في عدد من دور النشر. ، رسالة دكتوراه 2004 ـ أنجز عام
(تخصص الدراسات الأدبية، جامعة كيبيك)
ـ حاصل على مجموعة من الجوائز؛ منها:
الجائزة الأدبية للقصة (جيل لافورغ) +
الأبولون الفضي للقصة. +
و الجائزة الأولى للحكاية بالنسبة للقصة +
” علب الكنز”
ـ من أعماله ( بالفرنسية):
– La cerise géante de Mr. Jean
– La roi des abeilles
– Titus l’éléphant

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق