قراءات ودراسات

[جان بول سارتر]

بقلم : جان لوي جينيل/ ترجمة : سعيد بوخليط*

يتحدث ميشيل شيرنغهام، أستاذ بجامعة أوكسفورد، عن موضوع جماعة الكُتّاب الذين داروا في فلك سارتر، فشكلوا تيار : “سير ذاتية وجودية”. لكن جان جنيه Genet، فيوليت ليدوك Leduc ميشيل ليريس Leiris وخاصة سيمون دوبوفوار De Beauvoir (والتي أختبرت كل الأشكال من الحكي عن الطفولة إلى الوصف الذاتي مرورا بالمذكرات فالصحافة ثم الحوار)، جميعهم ركزوا على كتابة حميمية متغيرة الأشكال متشابكة مع وجودهم. في هذا الإطار، أصدر سارتر خلال مساره نصا سرديا  واحدا عن طفولة جوهرية ودقيقة.

عمله، إذن، “الكلمات” Les mots، اعتُبر من بين روائع النصوص السيرذاتية خلال القرن العشرين، لكنه أيضا لحظة مفصلية لأنه تبنى نقدا حادا جدا لأسس النوع ذاته : فأنهى سارتر هذا “الوهم البيوغرافي” الذي يظن بأن كل واقعة من وقائع حياتنا ((تتم مثلما يحدث في سيرة، أي كما لو أننا نعرف قبليا نهاية التاريخ)). لكن، ما إن يبدو بأن الحياة التي عشناها لا تشبه في شيء الحياة كما تُحكى وتُروى، هنا تحتم على الدافع السير ذاتي افتقاد مبرره ؟ ألا يؤدي التخلص مما سماه مالروMalrauxب “الرسوم البيانية لحياة لامعة”، إلى تقويض مشروعية أكبر سيرة ذاتية شهدها عصره ؟ تتوقف الكلمات، في حين لم يتجاوز عمر سارتر الفتى إحدى عشرة سنة. يعدنا، الكاتب : ((سأقف فيما بعد، عند الفظاظة التي قضمت الشفافية المشوهة التي تلفّني، متى وكيف  تعلمت العنف، وأكتشف بشاعتي (…)، لأي سبب اهتديت صوب التفكير نسقيا ضد نفسي، حد قياس بداهة الفكرة والغم الذي تسببه لدي)).

مع ذلك، كان ينبغي انتظار سنة 1938 كي نقرأ المذكرات الرائعة  عن فظاعةالحرب، التي حددت القاعدة المستقبلية لكل العمل السير ذاتي، وستشكل حتى اليوم المكون الأساسي  لهذا الجزء الثالث، من تصنيفات روائع مكتبة البلياد Pléiade، لنصوص سارتر. لقد، تابعت جوليت سيمون Juliette Simont، العمل الشارح ل أرليت إلكايم Arlette Elkaïm : “سارتر”. وركزت بشكل دقيق على القيمة الفلسفية لهذا المختبر النظري،  حيث تبلورت بعض المبادئ الأولية لكتاب “الوجودي والعدم”.

كتاب “الكلمات” وكذا أعمال سيرذاتية أخرى : عنوان الإصدار الجديد، يترجم ما هو فريد في متن لم يصل إلينا (تقريبا) كاملا إلا اليوم. هكذا، اقتضى الأمر، أن ننتظر حقا لفترة طويلة جدا كي نتأمل ككل، مجموع ما راكمه بعد، لا-سرد الطفولة الذي أصدره سنة 1964، المذكرات الستة (تسعة أخرى اختفت) كتبها سارتر بين شتنبر 1939 وأبريل 1940، ثم الحكاية غير المكتملة المتعلقة بسفره سنة 1951 ، إلى إيطاليا (الملكة  ألبيمارل Albemarle أو السائح الأخير)، سلسلة إشارات أُخذت من خلال قراءة ثانية لمذكرات استلهمت فترة “فظاعة الحرب”، بورتريهات بول نيزان و موريس ميرلوبونتي أو أيضا المسودات  وكذا التصاميم السابقة عن سيرة “الكلمات”، نصوص تحضيرية، تعرفّنا قبل ذلك على قسم منها، عن طريق الكتاب الجماعي : [كيف ولماذا، أنجز سارتر “الكلمات” (PUF)]، أشرف عليه سنة 1996، ميشيل كونطا Contat. إنه، نموذج حقيقي لهذا النوع. للأسف، فقد نفذت، نسخ هذا العمل.

لكن، سيتضح أن مثل هذا المشروع الإصداري أكثر تشعبا بحيث تضمن رسائل سارتر الغزيرة والحوارات التي أجراها في آخر حياته : الرسالة الرائعة التي بعثها سارتر إلى صديقته “أولغا كوزا كيفتش olga kosakiewcz خلال صيف 1936، كي يفصح لها عن أولى  انطباعاته بعد زيارته إلى مدينة نابولي والتي قام بها صحبة “القندس” (لقب سيمون دو بوفوار)، تبيّن معها عند سارتر)و كذا بوفوار(، بأن الكتابة الذاتية، موجهة مباشرة إلى أقربائه بل وتمثل  ممارسة جماعة، تتوزع إلى جذور.

تتمرد الكتابة  الشخصية لدى كاتبنا ـ سيركزجون فرانسوا لويت Jean François Louette على هاته النقطة في مقدمة ما سماه ب “يد سارتر النابذة” ـ عن كل حميمية. يقول  في مذكراته : ((لم أعرف  شخصا علنيا جدا أكثر مني))، وهو يعيد قراءة أواسط سنة 1950، ما دونه طيلة خمسة عشر سنة السابقة. يتأمل سارتر، حقبة كان يقترب فيها من الحزب، إنه يسرد ((كل حياته من وجهة نظر سياسية، بإعطائه طفولته وشبابه ثم  فترة نضجه، هذا المعنى السياسي الذي يقود إلى الشيوعية)). لكن، مع الحرب سيحدث أول منعطف :  تأثر سارتر بهيدغر الذي قرأه بانتباه، فمكنه من اكتشاف  “تاريخيته” لحظة التعبئة، زيادة على فترة اعتقاله بتريفز Tréves (المانيا).

ابتداء من سنة 1952. قاده الهم المجتمعي إلى تجاوز “وضعيته” والاقتراب من الشيوعيين، الذين  هاجمهم بشدة بعد الحرب. هكذا، نفهم الإعجاب الذي بعثه تاريخ الفتى “بولو” Poulou سنة 1964 : فهل يتعلق الأمر بالسقوط ثانية في أسر الطفولة ؟ الباحث، جان فرانسوا لويت Louette،  يشير على العكس من ذلك  إلى الحمولة  السياسية لهذا الاعتراض المذهل : (( على الأدب بالأدب ذاته)) حيث  الكاتب ومن خلال فا علية تهكم شرس، يذيب كل الأساطير المرتبطة بالنوع : مفاتن طفولة رائعة،  قيم البورجوازية الكونية، مجد الكاتب الكبير، هذا القديس اللائكي للجمهورية الفرنسية… .

لكن، يوجد ما هو أكثر فعالية في نظر سارتر : الانسلال إلى بورتريه بول نيزان، كما تجلى دلك في تقديمه لعمل هذا الأخير :Aden arabie  سنة 1960، أو موريس ميرلوبونتي، فترة قليلة بعد وفاة هذا الصديق الذي أشرف لفترة طويلة على مجلة : les temps modernes، وظل يرفض لقب المدير، حتى ابتعاده سنة 1953.

لاحظ جيل فيلبGilles Philippe  بأن هاته : “التجارب السيرذاتية غير المباشرة” تنهض على ثلاثة أجناس تقليدية :الأموات، “الحيوات المتقابلة” (كان نيزان القرين، في حين مثّل ميرلوبونتي الآخر)، ثم “المذكرات”، لذا، سيربط سارتر بطريقة غير مباشرة مشروعه الأساسي المتعلق بحكاية الحياة ((بناء على وجهة نظر سياسية)).

يكمن رهان الإصدار الجديد في : إعطاء مجموعة نصوص غير متجانسة وحدة عمل أدبي، قادر على أن يبعث ثانية أكثر مما يذهب إليه حتى الآن الرونق  المتميز لعمل “الكلمات”، مختلف النماذج الكتابية الموظفة لصيغة المتكلم. نؤكد، بأنه بين طيات الشبكة الرائعة للسير الذاتية الوجودية، ستشغل فيما بعد كتابات سارتر وضعا مطلقا قياسا لمنجز ميشيل ليريس Michel Leiris. بالتأكيد، سيكتشف الاثنان  الأساطير التي انبنت عليها هويتهما. هكذا، ستجيب سلسلة روايات باراديلان Paradaillan (مشيل زيفاكو)، ثم رواية ميشيل ستروغوفMichel Strogoff  لصاحبها بول فيرن، عن لوكريس Lucrèce وجوديت Judith ، فالاثنان يتقاسمان الرغبة ذاتها اتجاه التوضيح ثم نفس الطريقة في مراوغة الذات والتخلص من أقل مجاملة بغية إعطاء الاعتراف السير ذاتي قوة الفعل.

لكن، إذا وقف ليريس Leiris على  ما سماه ب “عصر الإنسان”، فقد كشف سارتر عن الإحساس الذي انتابه وهو في سن “الثانية والثلاثين” بأنه “قديم  مثل العالم”، وفضل مهاجمة الطفل العبقري والمخادع الذي جسده. هنا، باشر، الأول بعد سيرته الذاتية لسنة 1939، رسما  ذاتيا ضخما تضمن أربعة أجزاء، حيث تمر معرفة الذات،  عبر استكشاف الوسيط اللساني (مشروع سيتواصل بعد ذلك) فإن الثاني، لن يحيد قط عن العالم، ورفض دائما الاستسلام لسحر الاستبطان، بالارتياب في أخبار تبتغي “تقبيل الكتف”. لقد، طبق  ليريس Leris على السرد  الذاتي  “قاعدة اللعبة” الأكثر نسقية التي يمكن تخيلها. أما عند سارتر، فالتكلم عن الذات، لا يتأكد إلا إذا قاد هذا الفعل إلى إبطال كل القواعد.

II منهجية حياة :

أشار سارتر يوم 22 دجنبر 1939، في إحدى مذكراته بأن إيميل بوفيي Emile Bouvier أستاذ بجامعة مونبوليي وكاتب أدبي في الصحافة، عبّر عن شكوكه اتجاهه بخصوص تحوله إلى روائي كبير : ((يُخشى، ونحن نأخذ بشكل  معقول جدا مهمته، ثم نكتشف  بأن وسائل التعبير التي يتوفر عليها  تتميز حتما بكونها ملفقة، أن يمدنا [السيد سارتر] بالأدب من أجل الفلسفة ، والروحي وكذا الإرشاد المجتمعي)) يكتب، في إحدى الجرائد. ثم يستخلص : “لقد ذهلت”. وبالفعل توجد مبررات لإحساسه :  كيف تأتي ل بوفيي Bouvier استخلاص توقع مضبوط بناء على تشخيص خاطئ ؟ ذلك، أن سارتر الذي أصدر قبل ذلك “الغثيان” و”الحائط” كان يشتغل في تلك الحقبة بعناد، على نص آخر تحت تسمية “عصر العقل” l’age de raison وهو الجزء الأول من ثلاثية روائية توقفت مع هذه المرحلة : فبعد الحرب، سيترك الكاتب فعلا الرواية لصالح الفلسفة  وكذا التبشير المجتمعي. مع ذلك، غاب مفتاح عن تحليل بوفيي Bouvier وهو ما تتضمنه أعمال سارترية مثل “مذكرات فظاعة الحرب” وأيضا “الكلمات”، والتي شكلت “جنسا روائيا” في نظر سارتر، وكذا دراساته المكرسة لبودلير، جان جنيه وكذا فلوبير، التي أظهرت بالطريقة نفسها مع بورتريهات نيزان أوميرلو بونتي، ما هو أكثر إلهاما لسارتر سواء بالكتابة عن الذات أو الآخر ( أو بالأحرى من خلال الآخر)، أي : هذا الالتماس المتواصل لمنهجية تمكن من إعادة تناول حياة ما.

 

*كاتب وباحث أكاديمي ومترجم من المغرب

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق