إصدارات

التراث والتجديد بين قيّم الماضي ورهانات الحاضر.. قراءة في فلسفة “حسن حنفي” وفي مشروعه الحضاري

كتبت: أسماء بوبكر جيلالي

صدرت عن دار عالم الكتب الحديث للطباعة والنشر والتوزيع بإربد بالمملكة الأردنية الهاشمية دراسة بعنوان التراث والتجديد بين قيّم الماضي ورهانات الحاضر، قراءة في فلسفة حسن حنفي وفي مشروعه الحضاري، الطبعة الأولى سنة 2011، للباحث الجزائري الدكتور بوبكر جيلالي. يرى صاحب هذه الدراسة أنّ المتصفح في كتب الفكر العربي الإسلامي الحديث يجده ذا طابع إحيائي وإصلاحي وثوري ضد الاحتلال تارة وضد الأوضاع الاجتماعية والثقافية والسياسية الفاسدة تارة أخرى،أما الناظر في كتب الفكر العربي والإسلامي المعاصر يجده ذا طابع تحديثي تجديدي،ينطلق أصحابه من الحاضر وما يختص به من حداثة وتجديد في الفكر والثقافة والعلوم والفلسفة والفنون والصنائع وسائر المنجزات المادية في الواقع نحو الموروث الثقافي والحضاري من أجل دراسته وتحليله ونقده بوسائل وأساليب عصرية ومن منظور معاصر يحرص على ضمان ملائمته مع المتغيّرات والمستجدات التي يشهدها العالم المعاصر،وهي مهمة تصدّى لها العديد من المفكرين خاصة دعاة التجديد وأصحاب المشاريع الفكرية في العالم العربي بمشرقه ومغربه،ومن هؤلاء الباحث والمفكر “حسن حنفي” صاحب مشروع “التراث والتجديد” وهو مشروع يتصدّر الواجهة في الساحة الفكرية والثقافية العربية والإسلامية المعاصرة.

ما جعل فكر “حسن حنفي”متميزا وفلسفته متميزة ومشروعه متميزا هو كتاباته وأبحاثه ومواقفه المتميزة بالوجاهة والجرأة على الرغم من الانتقادات التي تتعرض لها بل زادتها الانتقادات قوة ومناعة،مقالات كانت أو كتب أو حوارات أو غيرها تعالج مختلف القضايا في الفكر والثقافة والسياسة والحضارة تعكس معالم مشروعه الحضاري وبيانه، وهو مشروع أفصح عنه صاحبه في كتابه ‘التراث والتجديد،موقفنا من التراث القديم’،بدأت معالمه تتبلور وملامحه تتكشّف منذ بدأ”حسن حنفي”  في طلب العلم في الجامعة وانخرط في عالم البحث العلمي واتضح ذلك في أول دراسة قام بها حول أصول الفقه سمّاها “مناهج التفسير” وفيها تأكدت لديه الحاجة إلى مشروع فكري ثقافي حضاري قومي نهضوي ينهض بالأمة ويعيدها إلى وضعها الطبيعي، ويمكّنها من امتلاك شروط النهضة وأسباب التقدم الحضاري والازدهار الثقافي انطلاقا من الواقع المعاصر وتطوراته المختلفة وانطلاقا من التراث القديم ليصبح حاضرا في الواقع المعاصر ويصبح الواقع المعاصر ماثلا في التراث من خلال التعامل مع التراث من منظور معاصر والتعامل مع الواقع من منظور تراثي، فثنائية التراث والواقع أو الماضي والحاضر تدخل في المنظومة الإبستيمية و الفكرية التي تؤسس لمشروع نهضوي يبني منظومته على إستراتيجية إعادة بناء التراث القديم وإيجاد تفسير محكم للواقع وضبط صلة الأنا بالآخر في إطار مرجعية التراث والتجديد واسترتيجية إعادة البناء ومعاودة الصياغة وفق منظور معاصر ورؤية جديدة إلى التراث وإلى الواقع وإلى الأنا وإلى الآخر.

تؤكد سائر دراسات وكتابات “حسن حنفي” قدرة الفكر العربي والإسلامي المعاصر المحافظة على ذاته واستقلاله وعلى واقعيته ومعاصرته في أن واحد إذا ما أدّا الفكر والمفكر الرسالة المنوطة بهما،الفكر ككيان فعّال ومنفعل يتعاطى مع الواقع بسلبية وبإيجابية والمفكر كشاهد وشهيد،وإذا ما اعتمد على مفاهيم قراءة التراث وتحليله ونقده والحكم عليه، وقراءة الواقع المعاصر وتحليله ونقده والحكم عليه وقراءة الأنا والآخر، كل ذلك من أجل النهوض بوعي مستقيم خلاّق، وبمعرفة دقيقة وبتجديد الحياة ومواكبة العصر والمفاهيم تتعدد وتتنوع كما تتغير تبعا لخلفياتها الفكرية والمنهجية ووفقا لمستثمريها كاتجاهات ومشاريع فكرية، مثل مقولة الأصالة ومقولة المعاصرة ومقولة الحداثة ومقولة التقليد ومقولة التجديد ومقولة التغريب وغيرها، وهي مقولات يزخر بها الخطاب الفكري النهضوي العربي والإسلامي المعاصر.

لقد فتح”حسن حنفي”مشروعه “التراث والتجديد” وفلسفته على أكثر من صعيد، فهو يكافح على جبهات ثلاث، يبدي موقفه الحضاري ويؤسس لمنظومة قيّم ودلالات فكرية وفلسفية تبنّاها المشروع، جبهة التراث العربي الإسلامي والموقف منه وجبهة التراث الغربي الوافد والموقف منه وجبهة الواقع بكل أبعادها.فالجبهة الأولى والموقف منها جعل منه مفكرا إسلاميا تراثيا مبدعا والجبهة الثانية والموقف منها جعله مفكرا غربيا أما الجبهة الثالثة والموقف منها جعله صاحب مشروع حقيقي وجريء في السياسة والاجتماع والأخلاق والحياة عامة.هذه الإستراتيجية مرتبطة بالعقل والنقل و الواقع، لأن العقل هو الذي يعي ويقرأ ويحلل وينقد ويبني ويركب ويكشف ويغيّر ويطوّر ويجدد، يبني الواقع ويصنع التاريخ والحضارة. ولأنّ النقل وراء إنتاج الحضارة لأمة لها ماضي وتراث تاريخ ودين، وتأثير المنتجات الفكرية والعلمية للحضارة الإسلامية لازال يطبع نفوس أصحابها على الرغم من مرور الزمن عليها. ولأن الواقع يجد فيه صاحبه آماله ويعيش أحزانه، فيه حياته في جميع مستوياتها الفكرية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. وقراءة المقولات الكبرى في الفلسفة التي يقوم عليها مشروع “التراث والتجديد” مقولة العقل ومقولة النقل ومقولة الواقع، وقراءة صلة هذه المفاهيم ببعضها البعض يدل بوضوح على ورودها بمدلولات متعددة ومتباينة تبعا لمرجعياتها ، فهي أخذت نصيبها من التحليل في مستوى أرقى من الدقة والعمق والكفاية. لكنها تبقى دوما تعبر عن مواقف صاحب المشروع الفكرية والفلسفية والإيديولوجية والسياسية كما يغلب عليها الطابع التاريخي أحيانا والطابع التجريدي في أحيان أخرى على الرغم من أنّ المشروع يعطي الأولوية للواقع دون غيره.

لا يستقيم حال الأمة العربية الإسلامية ولا يعرف النهضة في زمانها الحاضر في غياب وعي تاريخي جديد وفي انعدام فلسفة تاريخ جديدة تعتني بالحقبة التاريخية التي تعيشها الأمة اليوم. بدون الوعي التاريخي الجديد يصبح حاضر الأمة ومستقبلها ووجودها مليئا بالغموض والإبهام والشمول ومجهولا ومفتوحا على كل التوقعات وتصبح الأمة عاجزة عن وعي حاضرها والتطلع إلى مستقبلها. والموقف الحضاري من التراث ومن الأنا ومن الآخر ومن الواقع في المشروع يشكل رؤية تحليلية نقدية للتاريخ العربي الإسلامي في إطار التاريخ الإنساني العام، كل هذا يشكل نقطة نوعية في الشعور العربي الإسلامي من منظور حضاري شامل يعطي الأمة مجالا رحبا فسيحا للأمل والعمل. وفلسفة التاريخ وتتضمنه من وعي تاريخي لا تنفصل عن فلسفة السياسة والوعي السياسي الذي ينطلق من مبدأ الثورة والتثوير ، الثورة في وجه الأوضاع الثقافية والفكرية الفاسدة وتثوير قيّم التراث لتتحول إلى واقع ماثل ومعاش، واقع تحكمه التراثية الواعية والعقلانية المفتوحة والعلمية والحرية، والحكمة العملية التي تجمع بين الأخلاق والسياسة والتربية.

إنّ إعادة بناء العلوم القديمة علوم النقل وعلوم العقل مهمة الجيل المعاصر في العالم العربي والإسلامي بعدما أصبحت عامل انهزام وضعف، لتكون عامل تقدم وازدهار، وكانت من قبل عامل قوة وتحضر، ومع تغيّر البيئة الثقافية والحضارية وغلبة العلوم الطبيعية التجريبية والتكنولوجيا توزع الفكر بين الإنساني القديم والإنساني الحديث والمعاصر. والنهضة الجديدة التي يحتاجها الوضع الحضاري وهي من صميمه تنطلق من التراث الذاتي باعتباره أداة مواجهة ومساهمة معا،مواجهة التخلف ومساهمة في بناء الحاضر واستشراف المستقبل في إطار إستراتيجية الموقف الحضاري في المشروع من التراث وعلوم الحكمة فيه ومن علاقة الأنا بالآخر من خلال التحكم في صورة الأنا وصورة الآخر وصورة العلاقة بين الإثنين،فالعلاقة تتضح والجدل يمكن تجاوزه عندما تبرز الصورة وتتضح في الثقافة العربية الإسلامية المعاصرة، وعندما يتحول الغرب التاريخ والثقافة والفكر والفلسفة والدين والحضارة إلى موضوع بحث ودراسة فيقوم الاستغراب في مقابل الاستشراق، الاستغراب الذي يقضي على عقدة النقص في الأنا ويدحض مركب العظمة في الآخر، فيرى وعي الآخر حدوده ويكشف وعي الأنا عن طاقاته ويمكن لكل منهما أن يصل إلى وعي إنساني جديد.

إنّ الغاية النهائية للوعي الإنساني الجديد تحويل الوحي إلى علم إنساني شامل وإيجاد موقف من الواقع الذي يفتقد إلى نظرية التفسير، وقيامها في المشروع يجمع بين الوحي والواقع، بين التراث وقيّم العصر، بين الدين والدنيا، وبين الله والإنسان، هذه الثنائيات مازالت تعبر عن وعي إنساني كلاسيكي منهجه تحليلي استعراضي شارح، وعند المقابلة والمقارنة بين نظرية في التفسير وبين منهج تحليل الخبرات يتضح أن منهج تحليل الخبرات الذي يبدأ من الواقع وليس من النص و المأثور والعرف، والنضال في جبهة الواقع غرضه تحويل التراث إلى علوم إنسانية والربط بين الواقع والوحي في وحدة عضوية داخل الإنسان وفي سلوكه الفردي والاجتماعي. وغياب الموقف الحضاري من الواقع في العالم العربي والإسلامي المعاصر فجّر فيه أزمة الإبداع الفكري والفلسفي وعمّق أبعادها وعجّل بالسقوط في أحضان الآخر من مركز ضعف وعقدة نقص وفكرة المركز والأطراف، لا من باب التواصل الحضاري المبني على التأثير المتبادل  الذي يسمح لكل طرف المساهمة في إنتاج الحضارة وصنع التاريخ ولا سبيل للتخلص من الهوة وللنهوض والتحرر من الأزمة إلاّ باتخاذ موقف حضاري في وعي مبدع تجتمع فيه المواقف الحضارية الثلاثة معا في الجبهات الثلاث من خلال إعادة بناء النص الشعبي المورث ورد النص الوافد إلى حدوده الطبيعية وتأكيد تاريخيته والحرص على الرصد الإحصائي للمؤثرات في مسار الإنتاج والتوزيع وتحديد الفاعليات القادرة على التغيير ومعرفة النص التراثي المؤثر في المجتمع سلبا وإيجابا. وأهم ميزة في المشروع والتي تمثل المبدأ التاريخي الإنساني الجديد قاعدة الموقف الحضاري من الأنا والآخر ومن التراث والواقع ومن الماضي والحاضر التثوير، تثوير الأنا وتثوير التراث وتثوير الواقع، فالتثوير في التراث يعني إعادة بناء التراث وفق مقتضيات العصر ومستجداته والتثوير في الموقف من الآخر بدراسته وتحليله ونقده ورده إلى حدوده الطبيعية من خلال علم الاستغراب، أما التثوير في الموقف من الواقع فيقوم على إيجاد نظرية التفسير المحكمة التي تقوم بالتنظير المباشر للواقع.

تمثل الفلسفة التي انبثق منها مشروع “التراث والتجديد”مبادرة جادة وجريئة تتصدر الواجهة في الخطاب الفكري والفلسفي العربي والإسلامي المعاصر، تتحدد معالمها بمواقف صاحبها تجاه قضايا وهموم ومشكلات عصره،موقفه من الفكر والفلسفة ودورهما، من الأصالة والمعاصرة والتقليد والتجديد والعقل والنقل والواقع وفلسفة السياسة والتاريخ وأزمة الإبداع وجدلية الأنا والآخر والثورة والتثوير وهي منظومة مفاهيمية وفكرية ذات طابع ثوري تثويري تؤسس لمشروع في جانب التراث من حيث مفهومه ومستوياته باعتباره مسؤولية شخصية فردية واجتماعية وقضية وطنية في سياقها التاريخي الذاتي المحلي والإنساني العالمي، وفي جانب التجديد من حيث مدلوله والحاجة إليه أمام أزمة ثورة وأزمة بحث علمي وأزمة منهج بحث،وجانب التراث والتجديد باعتباره المشكلة الجوهر، ومشكلة المنهج في الفكر الإسلامي تصدّى لها المشروع بمناهج التجديد وميادينه واكتمل مخططه واتضح بيانه النظري واتضحت سماته وخصوصياته والفلسفة التي صدر منها.

هذا الكتاب موسوم “بالتراث والتجديد بين قيّم الماضي ورهانات الحاضر، قراءة في فلسفة حسن حنفي وفي مشروعه الحضاري”،تضمن فصلين، انصب الفصل الأول على قراءة مواقف “حسن حنفي” الفلسفية من أمهات قضايا الفكر والفلسفة والثقافة في العالم العربي والإسلامي المعاصر، قضية التخلف، دور الفكر ورسالته، الأصالة والمعاصرة، العقل والنقل والواقع، فلسفة التاريخ، الفكر السياسي، نحو فلسفة إسلامية جديدة،نظرية التفسير، أزمة الإبداع والتثوير في الموقف الحضاري وغيرها، ومواقف المفكر تشكل الفلسفة التي انبثق منها المشروع وتمثل إستراتيجيته الفكرية والنظرية، وهو مشروع يقوم على اختيارات مفاهيمية وبدائل إبستيمية ومنهجية ارتبطت بالتراث وما يتضمنه  وبالتجديد وما يتطلبه وبمشكلة التراث والتجديد وهي مشكلة موضوع ومشكلة منهج ومشكلة بيئة، كل ذلك تناوله الكتاب بالدراسة والتحليل مبيّنا مخطط مشروع “التراث والتجديد” وبيانه النظري وسماته وفلسفته.

جاءت محتويات الدراسة كما يلي:

الفصل الأول: ملامح الفكر الفلسفي

1.الفكر ورسالته

2.الأصالة والمعاصرة، التقليد والحداثة

3.العقل والنقل والواقع

4.فلسفة التاريخ

5.الفكر السياسي

6.نحو فلسفة إسلامية جديدة

7.من جدل الأنا والآخر إلى ‘علم الاستغراب’

8.نظرية التفسير

9.أزمة الإبداع في العالم العربي والإسلامي المعاصر

10.التثوير في الموقف الحضاري

الفصل الثاني: أسس مشروع “التراث والتجديد” وبيانه النظري

1.التراث، مفهومه ومستوياته

2.لماذا التراث؟ التراث قضية شخصية في سياقها الحضاري

3.التجديد، معناه في المشروع

4.لماذا التجديد؟ أزمة ثورة وأزمة بحث علمي

5.مشكلة التراث والتجديد

6.مشكلة المنهج في الفكر الإسلامي

7.مناهج التجديد

8.ميادين التجديد

9.مخطط مشروع ‘التراث والتجديد’ وأقسامه

10.سمات مشروع ‘التراث والتجديد’ وفلسفته

يرى الكاتب في خاتمة البحث بأنّ مواقف “حسن حنفي” الفكرية أكبر وكتاباته أوسع والقضايا التي عالجها أكثر مما تناوله كتابنا، فهو كتب ولازال يكتب حتى أنّ مشروعه أضخم من عمر صاحبه فنجده يقفز على مخطط مشروعه ويعتمد المقدمات ويكتفي بها في الانتقال من جزء إلى جزء ومن قسم إلى آخر داخل الجبهة، أو من جبهة إلى أخرى داخل المشروع. والجوانب التي تمثل فلسفة المشروع هي التي تمّ التركيز عليها في بحثنا، كدور الفكر في المشروع وفي الفلسفة، ومقولات الأصالة والمعاصرة والتقليد والحداثة وإعمال العقل وتوظيف الوحي وتفسير الواقع وإيجاد وعي تاريخي وفلسفة تاريخ جديدة وفلسفة سياسة جديدة ووعي سياسي جديد وفلسفة دين جديدة،وكذلك تحويل الآخر إلى موضوع بحث ودراسة بالاستغراب في مقابل الاستشراق، والتصدي لعقدة النقص في الأنا ومركب العظمة في الآخر ولأزمة الإبداع الحضاري في العالم العربي والإسلامي المعاصر من خلال الثورة والتثوير، فتتحول الأمة من كونها بموروثها وواقعها من عامل ضعف وتخلف وانهيار إلى عنصر قوة وتقدم وتحضر ومن الحاجة إلى الاستهلاك إلى القدرة على الإنتاج ومن النقل والإتباع والتقليد إلى سلطة العقل والإبداع والتجديد، ومن عقدة الضعف والنقص في الأنا إلى شعور الأنا بالمسؤولية والمساهمة في صنع التاريخ وإنتاج المعرفة وبناء الحضارة.

وبما أنّ المشروع قد اقترن بالتراث وبمعناه وبسياقه في الفلسفة والمشروع فمهما تعددت معانيه وأطره لا يمثل سوى المخزون النفسي لدى الجماهير يؤثر في نفوسها باستمرار، ويدل على تمركز الماضي في الحاضر، يصبح قوة فاعلة ومؤثرة في مقابل قوة العقل وقوة الطبيعة، وله قيمة في المجتمعات التراثية التاريخية وهي ترى أنّ ماضيها هو أحد مقومات وجودها ممتد في جذورها التاريخية وهو شرط من شروط بقائها واستمرارها وتطورها وازدهارها. وقراءة التراث ونقده وإعادة صياغته ومحاولة إعادة بنائه وفق متطلبات العصر هو وحده الكفيل بتوظيف التراث بإيجابية وبفعالية في بناء الحاضر والتطلع للمستقبل وهي مهمة مشروع “التراث والتجديد” من دون النمط التراثي أو النموذج اللاّتراثي. ويقترن المشروع بالتجديد ليغطي ميادين ثلاثة، تحليل الموروث القديم وتحليل الأبنية النفسية للجماهير وتحليل أبنية الواقع، فالنمو الحضاري لأي مجتمع يحصل بالإبداع في الفن والسياسة، والنمو هو صدور وانبثاق الجديد من براعم القديم، وتجديد التراث ليستجيب للواقع المعاصر ويطوّره. أمام أزمة التغيير الاجتماعي ومشكلة المنهج في الفكر الإسلامي وأمام الاتجاهات الثلاثة الاتجاه التراثي والاتجاه التجديدي والاتجاه التوفيقي بين التراث والتجديد و أمام عجز المحاولات الثلاث في الانقضاض على الأزمة وعلى مخلّفاتها يقوم مشروع “التراث والتجديد” بديلا استراتيجيا، يحرص على تحقيق متطلبات المرحلة، كالتحرر من الاحتلال ومن مختلف صنوف الاستبداد والظلم السياسي والاجتماعي، وتحقيق التنمية الشاملة وتفجير طاقات الإنسان المختزنة المحاصرة بين القديم والجديد، فلا سلطان إلاّ للعقل ولا سلطة إلاّ لضرورة الواقع الذي نحيا فيه.

تمثل سائر الدلالات والإيحاءات الجديدة في مشروع “التراث والتجديد” الخاصة بإعادة بناء التراث والعلوم التراثية والخاصة بعلم الاستغراب في مواجهة الاستشراق والخاصة بنظرية التفسير في التصدي للواقع تمثل المبادرة الفكرية والمحاولة المنهجية التي تقوم على جمع المواقف من الأنا ومن التراث ومن الواقع ومن الآخر، في موقف حضاري واحد، جديد، مُؤسس، بنّاء، محكم، هادف،جدّي وجريء، كل هذا من منظور فلسفي وعلمي معاصر يهدف إلى تحريك التراث ليتحول إلى علوم فلسفية إنسانية سلوكية إلى جانب العلوم الإنسانية اللغوية والنفسية والاجتماعية يخدمها وتخدم، ويخدم مصالح الإنسان الفردية والاجتماعية في الواقع المعاصر، على أساس أولوية الواقع على النص وليس العكس. فالتجديد حاضر في المشروع وحالّ في الفلسفة التي يقوم عليها المشروع، التجديد في القراءة وفي الصياغة وفي إعادة البناء، والإبداع لا يقوم في العدم بل ينطلق دوما من القديم فيجدده وعند استقلال الجديد بكيانه وخصوصياته عن القديم يصبح إبداعا، والعملية مستمرة تبعا للفطرة البشرية والسنّة الكونية والصبغة الإلهية.

على الرغم من الانتقادات التي تعرّض لها مشروع “التراث والتجديد” وتعرّضت لها فلسفته يبقى المشروع الذي يتصدر الواجهة على الساحة الفكرية والفلسفية المعاصرة في العالم العربي والإسلامي، لأنّ فيه تعبير عن الموقف الطبيعي في الإنسان وفي حياته، فالماضي مرتبط بالحاضر في الشعور ووصف الشعور وتحليل الوعي هو ذاته وصف التراث وتحليل الماضي في تفاعله مع الواقع المعاصر، وتجديد التراث هو تحرير الطاقات المختزنة لدى الجماهير من كل ما يعيقها نحو التفجر والإسهام في تحريك التاريخ وبناء الحضارة، ولما كان المشروع يحمل هذه الدلالات والمعاني والقيّم الإنسانية التاريخية الماضية والحاضرة ويسعى إلى ترسيخها في منطلقاته ومبادئه ومناهجه ومضامينه وتوطيدها في أهدافه وغاياته ومراميه فهو يستحق بحق كلّ تقدير، كما يحتاج إلى العناية اللاّزمة والاهتمام المطلوب بحثا ودراسة وتحليلا ونقدا ولما لا عرضا على الواقع والتاريخ والعصر اختبارا له واستثمارا لقيّمه.

المؤلف في سطور:

الدكتور جيلالي بوبكر من مواليد عام 1962 بأبي الحسن، ولاية الشلف، بالجزائر. أستاذ بالتعليم الثانوي ومفتش التربية الوطنية سابقا، أستاذ الفلسفة بجامعة حسيبة بن بوعلي بالشلف بالجزائر حاليا، حاصل على شهادة الماجستير تخصص فلسفة الحضارة، وعلى شهادة الدكتوراه تخصص فكر عربي إسلامي معاصر. يشتغل بالبحث في قضايا التربية والتعليم، وفي إشكاليات الفكر والثقافة والفلسفة في الواقع العربي والإسلامي المعاصر. من مؤلفاته كتاب العولمة مظاهرها وتداعياتها نقد وتقييم، وكتاب العولمة العقيدة وفلسفة النهايات، وكتاب التراث والتجديد بين قيّم الماضي ورهانات الحاضر،  وكتاب الإصلاح والتجديد الحضاري لدى محمد إقبال ومالك بن نبي بين النظرة الصوفية والتفسير العلمي، وكتاب إستراتيجية البناء الحضاري عند مالك بن نبي، وكتاب الإصلاح ونظرية الحضارة في فلسفة محمد إقبال، وكتاب أصول الفقه في الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر ترديد أم تجديد، وكتاب “من النص إلى الواقع” مُصنّف أُصولي معاصر بين حاجات التراث وتحدّيات العصر، وله مؤلفات أخرى تحت الطبع.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق