قراءات ودراسات

حضور المعجم الثوري في “إهداء” رواية “شاهد عيان”

قراءة: حسناء.گ

أن نتورط في رواية بحجم المحيط، أن نغوص في أغوار اللغة عبر صفحات رواية مكثّفة لدرجة الفيض بها..، لهو الجمال عينه.

لن أقدم قراءة في الرواية، لأنّني لم أخرح بعدُ من غوص روحي فيها كمن اعتكف أو أدمن، لكنّني سأقدّم قراءة جزئية تركّز على حضور المعجم الثوري في الإهداء الذي افتتح به الكاتب روايته.

يأخذ العنوان مقبض الباب في الكتاب، ومنه نفتتحه، ونفتح بوابته، ويحتاج الكاتب دومًا لذكاء فذ وفطنة بارقة لاختيار عنوان يحمل النص بقوة، وهذا ما نجده في رواية “شاهد عيان” المفردتان المتناسقتان اللتان تمثلان مصطلحا متعارفا عليه في اللغة العربية وهو مصطلح ثوري بامتياز، ومن هنا نستجلب حضور الثورة في الرواية، (فشاهد عيان) كما هو معروف هو الشخص الذي حضر الحدث، وجاء بالتفاصيل يحكيها على مسامع المتلقي، سواء كان المّحكي له ضابط وقفٍ، أم شهادة حق، أو صفحة من التاريخ..، وهنا يمكن معرفة محتوى الرواية، والتي تصبح شبيها بالسيرة الذاتية، سواء كانت للأديب ذاته، أو للشخصيات التي سينوب عن لسانها الكاتب لتصبح شهود عيان للحدث…

شاهد عيان هي قالبٌ لغويٌ يصعب التعبير عن مدى دقّته وكيفية تشييده برجًا من المفردات الشاردة عن معلم اللغة والتي احتضنها الكاتب ليجعل منها جواهر تشعّ للقارئين، ومعاني مستوحاة من ضمير حيٍ عايش الأسى وصنع منه قالبًا للفرح، جملًا بتراكيب جديدة، وثورة أدبية في أدب الثورة، وانزياحات يعحز الكاتب العادي على اختلاقها، واختراق مداها الممتد من شروق اللغة حتّى غروب الجمال فيها والذي لن..، واستنزف الأديب الشاعر محمد إبراهيم الحريري طاقة قلمه/به ليأتينا برواية شاهقة شامخة لا يمكن لناقدٍ ألّا أن يقف بتحية اعترافا للكاتب الهمام لأنّه جاء بلغة تمثّل فارقً شاسعا في العطاء النثري المعاصر، وجاء بسردٍ لافتٍ للدهشة، ذا شعرية فائقة رغم الأوجاع الثورية التي حملتها الرواية طيّاتها.

سأسلّط الضوء على الإهداء، والذي هو العتبة النصية الثالثة بعد العنوان والغلاف، الإهداء الذي يتجاوزه الكثيرون معتبرين أنّه من خصوصيات الكاتب، ولا علاقة له بالمتن، ولكنّه في معظم الكتب يكون هو الباب الثاني للنص، والدهشة الأولى، واللافتة التي دوّن عليها الروائي زمرة حرف الرواية، لتعرف إن تناسبك أم لا..

هذا الإهداء الذي بين يدي يجعل من الرواية طوفانًا من الوجع، وكأنّك تشاهد الموت بعدسة حبرية، وتحمل جثث الشهداء على أكتاف قلمٍ ينزف دمًا..
يبدأ الكاتب إهداءه ب “للشهيد والشهيدة وللجريح والجريحة” هذا المفتتح المفرداتي الثوري يسكب في القلب المتبضع جرحه قطراتٍ من محلولٍ مالحٍ كالدّمعِ، فالوطن يستشهد على أيدي حكّامه، والشعب يقف وجهًا لوجهٍ، الأخ وابن أمّه مع فارق رصاصةٍ…
الشهيد هو الرمز الحي لثورة جابت أرجاء الوطن لتخلّف الدم والدمع وأشلاء من أجساد شتّى مع فارق العمر، تأخذ البشر دون كفنٍ لدار الحق، وتترك الأم حائرة بين المقابر تسأل قلبها؛ يا ترى أيّ واحدة نزور..، وهذا نجده بين أسطر الرواية بكثرة، إذ تتبعثر خطى “أم يثرب” وهي تبحث عن قبر زوجها الذي ترك على كفّيها دمعة استسلام للوطن، ووصية ضاعت بين الركام قد يكون قال فيها إنّه “ادّخر ابنه في ذمّة الله شهيدًا”، فكانت مثالًا عن “زوجة شهيدٍ حرّة صابرة وضعت في مخزن سلاح زوجها ذخيرة الثبات” وهي التي أهدى إليها الكاتب روايته ولأمثاله على مرمى نبضة من وجعه.

كما جاء في الإهداء أيضا أن هذا العمل الروائي مهدى إلى ” كل طفلةٍ نامت تنتظر عودة أبيها واستيقظت وبين يديها وسام الوطن” فهذه الجملة المستمدة من روح الوطن، البالغة الأسى، ارتأى الكاتب أن يدسّها بقلب القارئ كعربونٍ قاسٍ ليقرر من البدء إن كان سيواصل البكاء، أم يلف الوطن بالورق ويمضي..، جملة تجعل القارئ يأخذ نفسًا عميقًا لمدّ خطى بصره أكثر عبر صفحات التيه، بين الجراح المعلّقة سحابا بطرف السماء تعتصر لينمو الصبر على صدور البشر، ثمّ يستدرك الوجع أنفاسه حين يقول ” وعلى رأسها تاج الفخر، لطفلٍ يعرّف على نفسه؛ أنا ابن الشهيد”، فيا الله كم هذا التمازج اللغوي يضع القلب على ارجوحة الأحاسيس بين اختناقٍ ونفسٍ عميق من نسيم الحرية المكفّنة بأرواح الشهداء، هذا الخرق المفرداتي حين يضع الشهيد تاجا على رأس طفلة لم تبلغ سنّ ما بعد الدمى لتجد بيتهم محض ركامٍ في ذاكرتها الهشّة، ولطفلٍ نسي اسمه لأنّه صار ابن الشاهيد تعريفًا له، هو كاتب عجن الجمال بالوجع فاكتملت على يديه أيقونة الثورة، وهي الرواية الأولى التي لملمت أشتات الثورة بين طيّاتها لتخرجها من تحت مجهر التزييف وتكون بصوت شاهد عيانٍ عاش يتم الوطن وجُرّد من هوية البقاء بين أحضانه، وثابر كي يحتفظ بذاكرته وذاكرة وطنه على لسان أصدقاء ومعارف، وجاهد في نقل الأحداث في حقائب الحنين والسفر بها منه إلى قراء الرواية علّ الله يحدث بعد ذلك أمرا…

الأسير، والمهجّرُ، والذي يمشي تحت وابلٍ من الرصاص والقنابل ليفي بعهده للوطن، للجنود المرابطين على جبهات الشرف، أهدى الكاتب روايته وما فيها للذين سيصلهم حرفه قبل جفاف الحبر، وللمتأخرين عن صلاة الفجر بسبب الحواجز المجنّدة لحماية الوطن من أبنائه…

“لأمّهات خنساوات” هذا ما قاله الأديب في الإهداء، ولكلّ خنساء ألف صخر تبكيه بدموعٍ من وطن، ألهذا الحد استطاع الكاتب لمَّ شمل كلّ أطراف الثورة في إناء ناضحٍ بالألم..، كيف استجمع ثورة من المفردات ليجسّد لنا ثورة شعبٍ نام على وسادة الوطن ليستيقظ على صوت الرصاص…

ولم يتوقف الأستاذ الحريري إهداءه بعدُ فيقول إنّ عمله الأدبي المختوم بالحنينِ إلى وطنه مهدى أيضًا إلى رجالٍ ونساءٍ قدموا النفيس والغالي وهم يشعرون بزهيدِ ما قدّموه أمام رصيد الدماء والأرواح”، كيف يحمل كلَّ هذه الكثافة الحدثية واللغوية إهداء رواية كاملة مقدّمٌ في صفحةٍ واحدة!؟
كيف لكاتبٍ أن يجعل من قلمه رَصَنًا يقود به جواد اللغة على أرض معركة محتدمة دماؤها، ويجري بسرعة الأنفاس يجمع على لسان شاهد العيان ما بعثرته القنابل، ويرصفه في حلّة تليق بالموت من أجل الوطن!؟

هذا الإهداء الذي كان رواية لوحده اختتمه الكاتب بأنّه هدية لكلٍّ كاتب، وفنانٍ، ومغتربٍ حرٍ، ولكلٍ من قدّم خدمة للثورة” هو رواية اختصرت الشهادة والثكل واليتم، والفخر، والجهاد، والتغرّب المر لأجل وطنٍ يفدّى بالنفس والنفيس، ويصعب على قارئ حذقٍ المرور عليه مرور الكرام، بل سيكون المتلقي غير جديرٍ بقراءة عمل روائي بحجم “شاهد عيان” ما لم يقف دقيقة صمت على شاهد الرواية، والمتمثل في الإهداء المتربع على الصفحة الثانية من بياضها، والذي حمل المعجم الثوري من كلّ أطرافه لفرده على طاولة الاعترافات، ولنخوض معه في الرواية بمعجمٍ أكثر اتساعٍ كمن يغرف من بحرٍ مداده من أرواح الشهداء…

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق