الموقع

فصل 20

بعد زيارة زكي الأولى لمنزلنا بشهور قليلة، تزوجت شقيقتي الأكبر مني، ومن شخص فلسطيني يمت بصلة قربى بعيدة لنا، لم يبق في بيت أهلي من البنات إلا فهيمة، بل لم يبق أعزباً إلا شقيقي شريف المطّ وفهيمة، ازداد ترابطي بأخي شريف الأكبر مني في العمر والأعزب، وأعتقد أن ذلك أضرّ به كثيراً، فكلما رشح أصدقاؤه فتاة له أبلغني عنها، وحين يعود للبيت يسرد عليّ ما سمع، ومن ثم يقارن بين طاعتي له والقيام مخلصة على خدمته، وإحساس كل منا بالسعادة بالحياة معاً في بيت صغير وبراحة نفسية اعتدنا عليها، وأغنتنا كلينا عن التفكير في الحاجات الجسدية الأخرى كالزواج. أخي شريف كان يحرص دائما على أن يعيد على مسامعي قائلاً:

– إن لم أجد فتاة تشبهك في أمور كثيرة يا فهيمة، فلا داعي لزواجي مادمت عندي.

كان شريف يعلم أنني معجبة بشاب عمّاني من أقارب والدي، وربما يعرف أن الشاب معجب بي هو الآخر، لكن شقيقي يتجنب الخوض في هذا الموضوع، ولم يصدف أن طرقه أو أظهر رغبة في التحدث عنه، وأظن أن باقي إخواني لاحظوا الأمر، اعتاد الشاب الأحمر أن يزور منزلنا، لمحت والدته إعجابه بي، بل هي التي كانت تدفعه للحضور لمنزلنا ربما، لكنني لم أكن أرتاح لتصرفاته أحياناً، فهو ناعم لدرجة تقترب من البنات، وحتى صوته كان يخلو من نبرة الشباب وخشونتها، وفي السادسة عشرة لعبت معه ورق الشدة (الباصرة)، وحين انتهت زيارتهما، سألته عن موعد عودته، فقال سأحاول أن أحضر ووالدتي كل أسبوع، قلت له مرحباً بك وبعمتي والدتك أي وقت، انتظرته سنتين عله يتكلم أو يفاتح إخواني أو والدتي، مشكلة البنت أنها تبدأ تحلم بالحب مبكراً، أحببته دون حديث عن حب منذ كانت سني الرابعة عشرة، وكان أكبر مني بعامين أو ثلاثة، من وقتها صرت أفكر فيه وأنتظر زياراته لنا، ولا أخفي أنني ما زلت أفكر فيه وأنا في الطائرة متجهة إلى عمان، كان شاباً وسيماً تتمناه كل فتاة، وبرغم أنني لم أكمل دراستي إلا أنني عاهدت نفسي في وقت مبكر أنني لن أتزوج من شاب لم ينجح في الشهادة الثانوية كحد أدنى، وله مستقبل في التقدم والارتقاء. أحببت ذلك الفتى وسميته (عزيز) مع ان اسمه كان غير ذلك، وكنت أناديه بعزيز، سألني مرة، عن سبب تسميته بهذا الإسم، ضحكت وابتعدت عنه كي يبقى في حيرته، قبل الإسم مع ذلك، وحتى إخواني صاروا ينادونه بهذا الاسم، ولنعومته صار إخواني يتخذون الإسم كنوع من التندر عليه، وأخي الأوسط كان كثير المزاح، فكان يناديه (زوزو) أحياناً، لم أبح لأحد عن مقدار إعزازي له، وتعلقي ببياض بشرته وشعره الأحمر، وبصحته وتناغم شكله مع جسده ظاهرياً، فأنا ككل الفتيات كنت أحلم بشاب أو حبيب أو زوج جذاب، وكأولئك الشباب الرائعين الذين نشاهدهم في الأفلام السينمائية، وخاصة الأجنبية منها، لكن حياتي مع أخي ومشاركتنا اليومية في الأحاديث عن الشباب والأزواج والزوجات والتندر بالتافهين والتافهات سلحني بحصانة ما، بحيث لا أتصرف بطيش أو حسب نبض قلبي، بل أداول الأمور في نفسي ثم أتشاور مع أخي، نفند كل صفة في كل شاب نعرفه أو بنت نعرفها، ما عدا إحساسي مع عزيز، فلم أفكر يوماً ما بكشف مشاعري نحوه لأي مخلوق بعد وفاة  والدتي.

كثيراً ما كلفني أخي بلقاء فلانة أو علانة من الناس، وللتعرف على ما فيها من حسنات أو سيئات، ونقاط محببة أو منفرة،  وعن قوة أوضعف، كنت أفعل كل ما يطلبه أخي، وبينت رأيي له عن أكثر من واحدة، ولأكن صريحة أنني أعجبت ببعضهن من العرب أو الشركسيات ، لكنني كنت أخشى على أخي كثيراً، فلم أشجعه على سرعة الزواج، كنت أتوقع أن يساعدني هو بدوره في إيجاد شاب مناسب لي من أصدقائه أو معارفه، أو إطراء عزيز او التفاهم معه، وذممت بعضهن، وقلبت صفات طيبات فيهن إلى صفات لا يحبها أخي، كانتقادات لاذعة لحركات أو كلمات يرددنها، سامحني يارب، كانت دون وجه حق أحياناً، وبعضهن تزوجن شباباً أفضل من أخي بكثير، وعشن حياة هادئة وسعيدة كما عرفت منهن، كلمتي عنده كانت مؤثرة ونهائية، ينسى أمر تلك الفتاة نهائياً، بعد سماع رأيي، وحين يسأله أصدقاؤه عن رأيه في فتاة لا يريدها، يكرر جملته التي يحفظها عن ظهر قلب، (إنني لا أفكر بالزواج إلا بعد سنوات خمس أوأكثر)، كثيراً ما راودت نفسي: ماذا لو غير شقيقي رأيه ووجد فتاة يتعلق بها؟

في العام الثاني لوجودي مع زوجي زكي في السعودية، أو بداية العام الثالث لزواجنا، سألته في إحدى الليالي الصيفية، حيث كنا نستمع لأغاني سميرة توفيق وصباح وفيروز من مسجلة صغيرة قديمة مستعملة اشتراها زكي بثمن بخس من أحد زملائه من المدرسين السعوديين

–      ألست نادماً على زواجناً؟ أو قدومنا للسعودية؟

–      أنت في حملك الأول وتنتظرين طفلاً بعد خمس شهور، وسؤالك هذا مقلق لي، وغير طبيعي من امرأة حامل وحديثة الزواج، وبدوري أسألك هل خسرت بزواجنا ماض تأسفين عليه؟

شرقت فهيمة في ريقها حتى كادت تختنق، بعد عودة زكي من المدرسة، تناول غداءه وصار يعمل في الخشب هوايته المفضلة حين لا يقرأ كتاباً، تفتح فهيمة أزراراً ثلاثة من أعلى ردائها البيتي الخفيف، يبرز هلال من بشرتها أسفل عنقها الذي لا تراه الشمس، شديدة البياض كأنه المرض، تشتكي فهيمة من شدة الحر في ذلك اليوم في مدينة الخرج قرب الرياض، وبعد العصر تمدد زكي كي يرتاح، تخرج فهيمة من حمام ماء بارد، مع انها كانت دافئة جداً أو حارة، وتطل برأسها من نافذة غرفة الطين الصغيرة تتأمل الشارع كعادتها، ثم إلى السماء تتأمل صفاءها الأزرق، تنشد إلهاماً فترتاح لذلك الجمال الهادئ الفسيح، توسلت إليه للنهوض، فقام وهو يتكئ عليها كعجوز مقعد، ابتعدا عن المروحة ليقف بجانبها أمام نافذة الطين الصغيرة، لكنه جذبها لغرفة النوم، ثم اضطرها للتمدد بجانبه، ينفرج قيمصها وانفرطت زران آخران، حاولت التباعد لإصلاح الأمر فوجد في صدرها مكانين للتشبث، وتسقط على صدره، فقال لها قميصك قد من قُبُلٍ، أرادت أن تجفل للخلف فشدد قبضته

–      إشارت نحوالنافذة لكنه لم يفهم قصدها،  مستسلمة عاجزة عن الحركة، فاتحة فاها تريد الشكوى والصياح، ولكن أنى لها أن يرتفع صوتها بصراخ، فهي في السعودية وتعرف المحظورات، نظراتها خليط من تذمر وتوسل و تاوهات، أرخت جسدها فانبطحت بجانبه على ظهرها، انفتح قيمصها أكثر.

وحين نهضنا بعد أكثر من نصف ساعة، نظرنا للخارج سوياً فشاهدنا الجو مظلماً، كأنه ضباب أحمر كثيف من شدة الغبار، ومن ذرات الرمل الصحراوي الذي يملأ الأجواء، يغطي المدينة ويحجب أشعة الشمس عن الأرض، رجعنا للتمدد مساء الخميس وأغلقنا باب الغرفة حتى أفقنا صباح يوم الجمعة نشتهي الشاي بالنعناع.

وفي ضحى اليوم التالي كان زكي في عمله في المدرسة القريبة، أسمع تصفيق يدين على السطح المجاور للحصن الطيني الذي يشكل الحبس الإنفرادي لي أثناء غياب زكي، لم أعتد على سماع ذلك من قبل، لكنه تصفيق ثم توقف، تصفيق ثم توقف، أحسست كأنه دعوة للانتباه، سمعت صوتاً أنثويا تنادي

–      يا بنت، يا حرمة، يا اهل البيت، لو كان صوت رجل لأسرعت بالهبوط للطابق الأرضي هاربة، ولاندسست في إحدى جحوره الطينية، وليس هناك أي نافذة من أي جهة أنظر منها إلا النافذة الصغيرة والباب الرئيسي الخشبي السميك الحصين، وصفحة السماء التي بحجم الساحة الصغيرة بين الغرف لتأمل صفاء زرقتها، فأحسّ أنني حرة أستطيع التحليق لو تخلقت لي أجنحة، اقتربت لجهة التصفيق، سألت الهواء بنطق مسموع

–      هل من أحد يقصدنا، قلتها بصوت رجراج متهدج منخفض، وكأنني أحادث نفسي.

أحسست بحركة وخرمشة على جدار الطين السامق والفاصل بين المنزلين، فإذا بسواد فوق رأسي، ومن أعلى السور الطيني الحاجز بين منزلنا ومنزل جيراننا أصحاب البيت الذي نستأجره، يزداد السواد بروزاً وبحذر شديد، عرفت جارتي أنني وحيدة، وفهمت من زوجها أن زكي يعمل مدرساً في مدرسة حكومية، ويغيب خمس ساعات منذ السابعة صباحاً، وحين رفعت رأسي مرعوبة أتأمل الشبح الأسود، بدأت تكشف وجهها، لتتأكد أنني وحدي، ورجلي غير موجود في البيت.

–      شلونك، ويش اسمك، أنا اسمي حصة، هل تتضايقين من كلامي معك؟

–       إسمي فهيمة، أردنية وزوجي ذهب للعمل، فتجيبها الجارة السعودية

–      تريدين تيجين يمي أو أجي يمك؟ ولأنني معتادة على بعض الكلام البدوي في الأردن، فهمت قصدها، فقلت لها

–       كيف أجي عندك أو كيف تيجين عندي؟ أنا ما أفتح الباب ولا أخرج، كانت شابة صغيرة تقاربني في العمر ربما، لكن تقاطيع وجهها لوحة فنية ملهمة، وليس بها أي عيب، بل أستطيع أن أقول أن وجهها وجسدها المنساب المتناسق  نموذج مثالي للمرأة العربية قمحية اللون، يفيض نعومة وسماحة وإنسانية، وجه عربي نظيف بشوش دون رتوش ولا تجميل، فتجيبني

–      ويش رايك أجي اشرب الشاي عندكم؟

–      أهلا وسهلاً تفضلي. فوجئت بالعباءة السوداء تحلق في الهواء ووقع قفزة على السطح الذي أقف عليه، يهتز السطح بقوة حيث هوت، لأن السقف من طين يرتكز على جسور خشبية وألواح وقصب، ارتج السطح مرات عدة كأنها زلزلة، وأجفلت متبعدة، بل مستعدة للهرب للأسفل، لكنني فطنت أنني أنا التي دعوتها لزيارتي، لم أتوقع أن تفعلها بهذه الطريقة، صرت أفكر هل كان تصرفي مناسباً أم لا، وقبل أن أفيق من صدمتي كانت تقبل وجنتيّ الاثنتين، فطنت فبادلتها السلام العربي، وأنا العربية ابنة عمان، وسلام عليك يا عمان في كل الأجواء، وماذا عندنا غير تقبيل الوجنات فيك يا عمان حتى لو كان نفاقاً.

–      راقبناك خلال الشهور الثلاثة الماضية ، وعرفنا أنك لا تخرجين ولا يزورك أحد، فتأكدنا أنك امرأة عربية زينة وبنت أصول، وكأن عاداتكم تشبه عاداتنا، لقد استأجرت قبلكم في نفس المنزل عائلة من بلد عربي آخر، كانت المرأة تخرج كل يوم، وأحياناً تكشف وجهها كما أخبرني زوجي، راقبتها من سطح منزلنا، فسمعتها تغني بصوت عال، ربما يسمعه أي رجل مار بالشارع.

وتدرين ان الزوجة ما تخرج إلا مع رجلها.

فهيمة لا تغير من طبيعتها، امرأة غامضة كتوم، وممثلة متثاقلة عفوياً أو تصنعاً، وهنا يجب الصمود، أخشى أن تستغل جارتي السعودية التعبير عن انفعالي فتتهمني بطيش أو لهفة للغرباء، وقد تخبر زوجها بذلك، وأضر سمعتي وسمعة  زوجي زكي، وفور دخولها وضعت إبريق الشاي على النار، وربما تخبر ضرتها أو ضرتيها، وهي واحدة من زوجات الرجل الثلاثة، واللاتي يجمعهن في بيت طيني كبير، لكل واحدة منهن جناح خاص بها، لكن الحوش مشترك وسط الأجنحة الثلاثة، وأثناء شربنا الشاي وأحاديثنا عن العادات والأسرة والأطفال، علمت أنها لم تنجب أطفالاً بعد، ولم يمض على زواجها أكثر من ثلاثة أعوام، وهي في التاسعة عشرة من عمرها. ألقيت نظرة  عابرة على الحياة خارج البيت من نافذتنا الصغيرة والتي بحجم صورة كبيرة، فشاهدت أكثر من سبع من الحميرعند حاوية القمامة وكأنها لا أهل لها، تبحث عن غذاء حول  الحاوية أو داخلها، لفتُّ نظرها لقطيع الحمير الكثيرة، فوقفت جارتي الشابة السعويدة تتأمل المشهد معي، فسألتها:

–  هل يحدث هذا دائماً أمام بيتكم يا جارتي؟ ، ضحكت كثيراً عندما ناديتها (يا جارتي)

–   قالت (ما أنت بجارتي؟)، أنت قصيرتي.

–         ها ويش أقول لك؟

–      جارتي يعني ضرتي بلهجتنا، وأنا لي جارتين فقط في البيت أي زوجتين أخريين لرجلنا، أنت قصيرتي، قصيرة يعني جارة.

–      نحن في الأردن نسمي الزوجة الثانية ضرّة، لكن بصراحة تسمية الضرة بالجارة أفضل، الله يعافينا من ضرر الضرة وكل ضرر أومضرة.

–      رجالنا من آل الصغيّر نادراً ما يطلقون حريمهم، يتزوجون حتى يصير الواحد عنده أربع حريم، وإذا يريد يتزوج واحدة جديدة يتفق مع الكبيرة أو أي واحدة عندها عيال كبروا، ويفتح لها بيت مستقل مع عيالها، ويطلقها وتصير مثل أخت أو صديقة له ولزوجاته التاليات. تعودنا على هالعادات وصار هذا شيء دارج عندنا. تنبهتُ للحمير ثانية، فلم أستطع ضبط نفسي ناديتها باضطراب طالبةً الوقوف لمشاهدة ما يجري.

نهضت جارتي ونظرت إلى الشارع من النافذة الطينية  الصغيرة. شاهدنا مشهداً عجيباً هزّ كياني، وبقدر ما أرعبني أضفى على روحي اطمئناناً وراحة وغرابة في الوقت نفسه، كنا نتبادل الوقوف على الفتحة  الصغيرة كي نرى، يومها أحببت مشاهدة الفطرة الحيوانية، صمدت وحاولت التثاقل ما استطعت، لكنني بقيت متجمدة طول الوقت، وكل فرائصي كانت ترتعد، أقول لها

–      انظري! انظري ذاك الحمار ويش يسوّي؟ راكب على حمارة.

–      ياويلي! تعالي! لا تروحين! ماتشوفين المهباش الأسود؟، يدق قهوة في الجرن، النجر عميق، والمهباش طويل طويل داخل خارج، ياويلي، هل شفت مثل ذا من قبل؟

–      كنت أشوف من بعيد في عمان، مثلهن على السيل وأنا ناء مرتفع في وسط جبل عمان، وهناك يتجمع الأولاد ولا تجد الفتاة أو المرأة مجالا للتأمل، أما هذا المشهد فشيء يجنن. تقول قصيرتي السعودية

–      عندما تزوجني كان عمري خمسة عشر سنة، كنت أضطرب وأخجل من أن أتألم، شوفي إشلون هالبلاوي، زين أن الرجل ما عنده مهباش مثل ذاك الحمار.

تتحرك وتتمعج، تفرك يديها ، وتمسك برأسها ، تنزل يدها الأخرى على صدرها بحجة ضربة تعجب، لكنها تلامس صدرها، وتنزل يديها الاثنتين، ثم تعتدل ثانية. وبعد طول كفاح يبدأ الحمار بالانسحاب التدريجي، يبتعد قليلاً قليلاً والمهباش ما زال ينسحب من الجرن، أضع يدي على فمي وشفتيّ، أتساءل في نفسي: أنعمة تلك أم نقمة؟ كاد مهباشه يلامس الأرض لطوله.

أمسكت بي ومنعتني من التحرك، انتظري وين تروحين، “خليك يمّي نشوف الحمار الآخر سوا” يعلوظهر أتانه دون رقابة ولا قلق، أنا ما أقدر اتحرك يا قصيرتي، أنا ما اقدر أزيح راسي ولا أتكلم، تقترب من النافذة الصغيرة أكثر وتلصق رأسها بأطراف النافذة الأربعة، تشوفين ياويلي كيف تتحمله؟، ياويلي أطول من ذراعي كله، أحسّ بسعادة لأنني حرة اليوم،  وأستطيع أن أنظر دون حرج، والله زين إني عندك، لو أي من جارتيّ كانت هنا لما جرؤت على الكلام، ولما تجاسرت على التأمل ومتابعة التفاصيل، والله زين، يا ويلي، سبحان الله، والله زين، والله شيء عجيب وجميل، سبحان الله، الدنيا كلها هكذا، وحين بدأ الحمار بالتراجع وإخراج ما تبقى، تقول قصيرتي، “أما قلت لك انه أطول من مهباش القهوة الضخم؟”، فأجبتها نسميه (قنوة) في عمان، الأتان متجمدة، لا ندري متألمة أم سعيدة، رأسها صوب الأرض، حينما ابتعد حمارها، استطاعت أن تلف رأسها بثقل، وتلقي عليه نظرة فيها كسل وارتخاء، لم ندرك معناها، ربما كل الحيوانات هكذا والصراصير والحشرات، والله أعلم إن كانت الصخور تستمتع بثقل بعضها على بعض!؟

دعوتها للاستراحة كي نكمل شرب الشاي، تأملت وجهي ثم نظرت لصينية الشاي، استغربت حجم الكؤوس الكبيرة التي نشرب الشاي بها، فقالت

–      ياويلي! ويش ذا؟ بيالات الشاي لازم تكون صغيرة، سأدلي لك بست بيالات بعد مغادرتي، وفي الأسبوع التالي تيجين أنت يمـّنا، نشرب الشاي والقهوة مع التمر.

–      أنا لا أستطيع تسلق الجدران، ولا أجرؤ على القفز.

ما زالت واقفة لا تريد الابتعاد عن الطاقة الصغيرة، ثم تجيبني

– لا لالالا، لا تقلقي لهذا الأمر، انا اطل عليك مثل اليوم، واخبرك أن تخرجي من بيتك، وتمشين خمس خطوات أو ست، تلاقيني أنتظرك خلف باب بيتنا.

جارتي السعودية ذات ذكاء فطري أخاذ، وخفيفة ظلّ، أحببت صداقتها ، لكن الحواجز النفسية والاجتماعية والبيئية والنفسية بيننا كثيفة، ولا أريد لزكي أن يعتاد على مجاورة رجل مزواج أو أن يصبح صديقاً له، ويكفيني ما بي من القلق، وأخشى أن يفعلها زكي يوماً ما، والرجال أسود أو نمور أو ذئاب أو ثعالب جائعة دائماً.

–      والآن ما رأيك بكأس ثانية من الشاي بعد أن طال وقوفنا، ألا تحسين برغبة في الراحة بعد وقفتنا الطويلة؟

–  لا أشتهي الشاي هذه اللحظة، جسمي به حرارة قوية، هل عندكم بيبسي؟ أجبتها بأننا لا نملك ثلاجة ولا نشرب البيبسي إلا عندما يحضره زكي ونشربه فور دخوله البيت، قبل أن تذهب برودته.

–  زين انتظريني، سآتي بقارورة لك وقارورة لي، حاولت ثنيها عن إصرارها، فقالت عيب، خلاص قلت وما أرجع في كلامي، والبيبسي عندنا كثير، زوجنا يحضر لنا صندوقاً كل يومين من قصر الملك في الخرج.

وضعت لها اثنين من الصناديق الخشبية التي يحضرها زكيل من السوق لهواياته، وقفت عليهما حتى أمسكت بطرف الجدار الطيني،  بعدها حلقت متسلقة كأنها غوريلا شابة خفيفة الجسم والحركة، ثم ألقت بنفسها على الجانب الآخر من العالم المجهول.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق