ثقافة السرد

في الحركة بركة

بقلم: محمد وليد قرين

1
جالس على السرير في غرفتي وأستمع بالسماعت إلى موسيقى الشعبي المنبعثة من هاتفي (سمارتفون كوندور). فنجان قهوة موضوع على طاولة النوم، بجانب المصباح الليلي المشتعل. أستمع إلى أغنية “الحق عليه النور” للمرحوم الشيخ دحمان الحرّاشي:
“شوف وين راهو فرعون
غارق في وسط البحور
ثمة راهو مدفون
ما زاله ثمة يدور
الحق عليه النور، الحق عليه النور
شوفو الحق نهار يعوّل
قالوا عليه بلي منصور
غير في كلامك وعبّر
ما يتبدّل ولا يحول
شوفو الباطل قبيح ويحقر
يستحس به اللي مضرور
يا لائم لاش تلوم
اقرأ الدرس والعلوم
لازم الصح يدوم
ما تظلم المحقور
الحق عليه النور، الحق عليه النور
ثم أستمع إلى أغنية “ما يدوم غير الصح” لنفس المغني:
“ما يدوم غير الصح والصدق والصفا
والصدق والصفا
علاش رأيك تالف تجري بلا عقل
وما يدوم غير الله واللي ما شفى
واللي ما شفى
راح يندم في حياته كل ما عمل
آ سيدي كل ما عمل”
إيييه، صدقت يا الشيخ! الله يرحمك.
بينما كنت أستمع إلى الحرّاشي، اجتاحت بالي سلسلة من الأفكار، فأوقفت الموسيقى، أمسكت بكنّاش وكتبت:
كل شيء فوق هذه الأرض يتبدل أو قابل للتغير. لا شيء يستقر على حاله. لا توجد حالة جامدة إلى الأبد. البقاء لله!
لقد زال نظام الاستعباد التقليدي وزالت الإقطاعية وزال الاستعمار القديم وحلت مكانه أشكال جديدة من الاستعباد ومن الاستعمار الجديد. لقد زال حكم الآغوات والبايات ثم القياد والباشاغات واليوم نرى في بلدنا آغوات وبايات وباشوات جدد وقيّادا وباشاغات جدد وحركى جدد. انهزمت فرنسا في حرب الفيتنام التحررية وفي حرب التحرير الوطنية، هي التي كانت تعتقد أنها ستخلد في أرضنا وأن امبراطوريتها لا تتزعزع أبدا.
سلطة الجشع والحقرة لا يدومان إلى الأبد. المقاومة وُجدت دائما. في الحركة بركة، كما يقول مثلنا الشعبي. لكل فرعون موسى.

2
“باعوه الماتش باعوه!”
لكم كرّرنا هذه الجملة في الدقائق الأخيرة من عمر تلك مباراة. نحن أنصار النصرية غادرنا ملعب 20 أوت، شاتمين الإدارة وبعض اللاعبين. شعور بالسخط. شعور بأننا قد خُدِعنا…
انتشرنا بسرعة خارج الملعب، في شارع بلوزداد. كنّا جمعا غفيرا يتجه بصمت نحو محطّة الطرامواي بـالرويسو. كما لو كنا في جنازة. شعرنا بخيبة أمل كبيرة. أشعلنا سيجارة تلو الأخرى. أنا وصديقي سعيد كنّا نلتزم الصمت. لم أكن أرغب حتى في تصوير هذا المشهد! سمعت بعض تعليقات جيراني مثل: “خلاص يا خو! أنا ما نزيدش نحط رجلي في الصطاد! الرخاس باعوا الماتش!”.
شتم متواصل تجاه إدارة النصرية. أشبعنا الإدارة شتما.
نتيجة المباراة النهائية: نصر حسين داي 1-1 اتحاد الحرّاش. ماتش مخدوم! وكيلهم ربّي!
كان ذلك في يوم 6 أفريل 2018
كيف يُعقل أن نكتفي بالتعادل في داربي مهم كذاك الذي جمعنا بالحرّاش؟ كان يجب أن نربح المقابلة، خاصة وأن خصمنا كان ضعيفا ويحتل المراتب الأخيرة في البطولة. كل من شاهد المباراة لاحظ بأم عينيه بأنّ لاعبينا لم يكونوا يريدون تسجيل الهدف الثاني وأن مدرّبنا كان مقيّدا ومسمّرا في مكانه، هو الذي ألفناه ديناميكيا، وكأنهم تلقوا أوامر من إدارتنا بأن يلعبوا على التعادل فقط. إدارتنا باعت الماتش للحراشية في ذاك اليوم. كانت خيانة! باعت ألوان واسم الفريق وهذا أمر غير مقبول. اسمنا النصر، نصر حسين داي. نحن النهديست لم ننس هذا ولن نبيع مبادئنا ولم ننس تاريخ نادي القلب، المؤسّس سنة 1947 لتوحيد صف النضال وكسر عقدة المستعمَر والترويج للثقافة الوطنية ومكافحة الثقافة الاستعمارية المتمثلة آنذاك في نادي أولمبيك حسين داي الاستعماري. ويكفينا فخرا أنّ النادي الذي نحبّه جسّد عند تأسيسه ثقافة المقاومة وجاهد لاعبوه في سبيل استقلال الوطن، وعلى رأسهم الإخوة زيوي، أثناء حرب التحرير الوطني.
3
كنا قد وصلنا أنا وسعيد إلى محطّة الطرامواي بالرويسو فشعرنا بالتعب واتجّهنا نحو مقهى غير بعيد عن واد كنيس. ولكن ما أن تجاوزنا مسجد الرويسو حتى أطلقت عبارة فاحشة بسبب ما رأته عيناي: أرض جرداء تتبعثر عليها حطامات وأطلال. في السابق كان مكان الأرض الجرداء حوانيت لبيع التبغ والجرائد ومقهى وخفافجي ومبان بسكانها ومحلات لبيع الأثاث القديم ومستودعات مهجورة ومستودعات لإصلاح السيارات. لم يبق منها شيء الآن. سألت صديقي:
– واشنو هذا يا خو؟! واش صرا هنا؟!
– ما كنتش على بالك يا خو؟! يجيبني سعيد. ثم يضيف أنّ هذه الأرض الجرداء موجودة منذ شهر وأنّ كل شيء فيها تم تدميره بواسطة الجرافات ما عدا المباني التي نسفت بالديناميت.
تفوّهت بشتائم. لم أكن أتصور أنّ هذا المكان سوف يُدمَّر بكل ما فيه. أين هم سكان المباني الآن؟ لقد تم حتما ترحليهم ولم يكن لديهم الخيار. هل قاوموا عملية الترحيل مثلما قاوم سكان حي “ديار الشمس” قبل 7 سنوات، عندما تشابكوا مع عناصر الشرطة الذين كانوا قد جاؤوا لطردهم من منازلهم، من حومتهم العزيزة؟ هل حدثت مناوشات بينهم وبين عناصر الشرطة؟ كلها أسئلة كانت تدور في رأسي.
لم تكن مباني الرويسو مطلقا مهدّدة بالانهيار.
استذكرنا أنا (نبيل بن زيتون) وصديقي أكل الخفاف اللذيذ عند الخفافجي مع الشاي في أمسيات الشتاء الباردة، بعد عودتنا من إحدى مباريات الملاحة بـ20 أوت. ثم حدّثت سعيد عن المقهى الذي كان بجانب المسجد. كنت قد ارتشفت فيه أحيانا القهوة. كان مقهى يرتاده متقاعدون وشبان قادمون من ولايات بعيدة بحثا عن عمل في العاصمة. على أحد جدران المقهى كان معلّقا بورتريه للرئيس الراحل هواري بومدين، رحمه الله، وبجانبه المسجد الأقصى بالقدس المحتلة مرفقا بشعاره المشهور: “مع فلسطين ظالمة أو مظلومة.”
في ركن أحد المباني المدمرة كان ثمة نصب تذكاري على روح محمّد عبدالرحماني، رحمه الله، المدير السابق لجريدة المجاهد. لقد قتله الإرهابيون الكلاب بالرويسو. كانت الحافلة الذاهبة إلى القبة (والتي كنت أركب فيها أحيانا في طريق العودة إلى حومتي) تتوقف عند ركن النصب التذكاري.
ندمت على عدم التقاطي لصور الحي، صور للقهوة، للخفافجي، للنصب التذكاري، لكل هذه الفضاءات التي ضممتها إلى ذاكرتي الشخصية والتي ارتبطت بها. لم أكن أتوقع يوما أنّه سوف يتم تدمير حي بكامله.
4
ما رأيته في ذاك اليوم في الرويسو من خراب، من تدمير لمنازل السكان سبق وأن رأيته في حسين داي، في الحرّاش، في بلوزداد، خاصة في حي سرفانتس العتيق، في المرات التي سرت في شوارع كل هذه الأماكن، حاملا معي آلتي الفوتوغرافية وصورت بعدستي ضحايا الحملة على أبناء وبنات الطبقات الشعبية:
بقايا منازل ومبان دكتها الجرافات دكّا أو انهارت بسبب هشاشتها فهي قديمة جدا ولم ترمّم، أو جعلتها الأمطار الغزيرة تتفتت ثم تتساقط. لم ترمّم لأن سكانها ليس عندهم الإمكانيات المالية لترميمها ولأن ما عندهم من مال يخصصونه لحاجياتهم اليومية من أكل ومشروبات وملابس ودفع الفاتورات والتداوي والتنقل، إلخ.
كلّما تنهار أو تُدمّر دار أو بناية في حي شعبي ينمحي أثر من الذاكرة الجماعية ومن الذاكرة الشعبية للحي. يؤلمني قلبي كلّما شاهدت تلك الأطلال. حي القصبة العتيق ينهار بشكل رهيب، هذا الحي الذي دارت فيه معركة الجزائر التاريخية والذي ناضل فيه المجاهدون والمجاهدات ببسالة ضد المظليين الاستعماريين الفرنسيين. القصبة معلم ورمز قوي من معالم ورموز الجزائر الرئيسية ولكن السلطات الرسمية تتماطل في ترميمه ومن جهة أخرى تسارع في ترميم وسط العاصمة، وسط كان متنزّه ومسكن المستوطنين الفرنسيين الميسوري الحال في عهد الاستعمار.
كنت قد شاهدت بداية عملية هدم حي الباطوار (في الرويسو) في السنة الماضية، في أواخر شهر فيفري. جرافات هدّمت المنازل والورشات بلا رحمة ولا شفقة. هدّمت حيّا أجيال من الأطفال، من الفتيان والفتيات، رأت النور فيه وكبرت وتربّت فيه وجمع فيه سكانه القدامى الآلاف من الذكريات الشخصية ومن الواقع المعاش بجميله وقبيحه. ثم يتم ترحيل السكان عنوة ويتم قذفهم بعيدا عن الحومة، في أحياء-مراقد جديدة (تفتقر غالبا إلى المرافق العمومية)؛ كل هذه العملية تتم بأمر من السلطات المحلية. السكان المرحَّلون يشبهون الأشجار التي تُقْتَلَع بجذورها وتُغرَس في بيئة غير بيئتها. مثلما حدث مع حي ديار الشمس المنكوب. تم ترحيل سكانه بالستعمال العنف وعناصر الشرطة وكأن السكان “حثالة”، على متن شاحنات وسيقوا إلى بلدية نائية غرب العاصمة ثم تم هدم مساكنهم القديمة (عمارات بأكملها أصبحت حطاما) بلا رحمة، حتى لا يحاول السكان العودة إلى منازلهم. الحقرة عيناني! سلطة حقّارة! كم آلمتنا وأغضبتنا جميعا (أنا وعائلتي) رؤية عملية التهجير هذه، على حد تعبير أبي رحمه الله.
آجلا أم عاجلا، تنتفض الجماهير الشعبية على حكم الفساد وينقلب المظلومون ومعذّبو الأرض على ظالمهيم، على آكلي حقهم، على الحقّارين. إنها حتمية تاريخية. هكذا تدور عجلة التاريخ.
“كلّ نهر وله نبع..ومجرى..وحياة!/يا صديقي!..أرضنا ليست بعاقر/ كلّ أرض ولها ميلادها/كلّ فجر وله موعد ثائر!” كما كتب المرحوم محمود درويش في إحدى قصائده. الحق عليه النور، الحق عليه النور!

 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق