قراءات ودراسات

رواية لصاحبة القلم المتمرد

بقلم: ليلى زيرق

“كنكهة المطر يطيح صوتك بي…” هذا ما فعله الحب بالكاتبة …وبنكهة الأدب المعتق المنساب كالرذاذ على صحارى قاحلة أتت لنا باكورة أعمال منجية إبراهيم بعد السلسلة الساخرة مقالات “السيد نون”، صدرت روايتها الأولى “من بعيد أجمل” عن دار ”الخلدونية ” بالجزائر، والتي تسقي فيها الأديبة رمق عشاق الأدب وتسعف لهفتهم للسياحة بين السطور ،لتعطي للقراء أدبا صرفا كما يشتهون. تمتد أسطر الرواية إلي ١٤٤ صفحة تتضمن شخوصا خيالية قد تكون واقعية لحد ما في حياة الكاتبة تريد أن تظهرها للعلن، بما تحمله من شوق وحب وطموح. من الصعب أن تكتب عن صديقة لطالما أعلنت الإعجاب بما يخط يراعها،لا أريد أن أرهق الثناء والمدح في حديثي عن روايتها الجديدة،بل حاولت أن أتجرد من كل تلك المشاعر التي أكنها لحرفها الدافئ.

 

كان بإمكانها أن تكتب أفضل من ذلك بكثير، لأنها تملك الموهبة والحرف معا، وإن كانت هذه الرواية تعد الأولى في عمر كاتبتنا إلا أنها تعد بولادة كاتبة من طراز الإبداع وأنها تتهيأ لتشرق في عالم الأدب والحظ أمامها كبيرا والطريق طويل لما تملكه من قدرات لغوية كبيرة.

مميزاتها:

تحمل بطلتها تحدي وإصرار وعناد منجية الذي لا يخيب عن احد عرفها عن قرب.

وإن كان الأدب هو الكلام البليغ، الصادر عن عاطفة، المؤثر في النفوس .فهذا ما كتبت منجية إبراهيم في أول بذرة تخرج للنور، سيجد القارئ ما يلهمه ويلهبه ويشده حينا ويمده أحيانا من عبارات ممشوقة القد لا تنبئ إلا عن كاتبة موعودة.

“من بعيد أجمل” إنما هي لهفة المشتاق ليعانق سراب من يحب، يبدو له النور فيه ومنه، لكن لطالما احترقت الفراشة من زهوة النور وبريق النار.

فوفاء الملقى على عاتقها دور السرد ودور البطولة، تأخذنا من الوطن إلى الغربة لتحمل معاناة من أجل تحقيق الحلم وتحدي حب كان جميلا وبات مؤلما ثم تعود بنا حيث الأصل..إلى الوطن.

وقد لعبت دورا كبيرا ومحوربا فتارة تأخذنا لأعماق نفسها المتخبطة في الآلام والفراق وتارة أخرى تلقي ظلالها على الآخرين لنسمع منهم بلسانها.

الشخصيات والتي تدور كلها حول فلك البطلة وفاء، تتحدى واقعها البسيط وتخرج من العباءة المحلية لترفرف نحو العالم الآخر, وإن صح التعبير ذلك العالم القاسي البارد الشرير لتتقاطع براءتهم وقلة خبراتهم في الحياة والحب والسياسة والعداء الذي لا يفهمون محلهم منه إلا أنهم متأكدون أنهم أصحاب الحق المظلومين في بلد هم يدركون جيدا أنه من يخيط لهم سترة الحزن والدمار في بلدانهم.

عالجتها الكاتبة بأسلوب روائي واقعي ملون بالخيال سلس تزخرفه عبارات غاية في الجمال والإتقان.

رغم أن الموضوع قد لا يكون جديدا، وقد تداوله كثير من الكتاب، لكن ما يميز الرواية هو أن اللغة تستحق التوقف عندها والتأمل كثيرا، حيث جاءت مفرداتها منتقاة بحرفية تنم عن كاتبة مثقفة تجيد الغوص في الكتب بعين قارئ محترف يعرف كيف يصطاد الجماليات، ويغتنم الكنوز الأدبية ليرفع قلمه عاليا في منافسة شرسة ليثبت أدبيته.

ولوفاء الأهل والوطن والحبيب الأول دور كبير في رسم الحبكة البسيطة الممتنعة التي تسرد لنا قصتها وتحولات كبيرة في حياة فتاة صغيرة، لم تكن تعرف أن زيارتها لاقتناء كتاب من مكتبة يغير لها روتين أيامها ويغير لون الحياة في عينيها ،ليدور في فلكها المواطن والمغترب والشوق للأرض من نوافذ الطائرة المسافرة إلى حيث لا حبيب ولا سكن.

تتلخص الرواية في عدة محاور:

حب من أول نظرة: هل هناك حب من أول كتاب؟حب من أول قصيدة؟حب من أول سؤال؟

عندما تقرأ الرواية ستجد الإجابة عن أسئلة عديدة طرحتها الكاتبة وأجابت عليها على لسان إحدى شخوصها

لمن يغني القمر؟هل تعلمون أن القمر يغني؟ بوصف راقي جاءت الإجابة: “أيتها الموشومة بالصقيع..المترعة بالزمهرير يا ضحكة آذار تزهر حدائقي في عينيك..تستعير منك الورود عطرها..لك السماء تتأنق وتهندم طقسها.ولك ! القمر يغني ..”

من بعيد أجمل:من بعيد أجمل: قد يعني أن يبقى الإنسان متعلقا بالوهم الجميل ألا ينكسر حلمه على جليد الواقع الصعب المؤلم وهكذا تجري الأحداث مع وفاء بطلة الرواية، فالحب عبر سطور في كتاب أشهى وأصدق” اسكبيني قطرة عطر في رسغك وتنشقي..أسافر فيك واحتل كل الشرايين”

الغربة:في الغربة حيث اختلاف الألوان والأجناس واللغات تتوحد هذه الفسيفساء كلها في نشيج الوحشة وبرد عاصف لحنين دفين ..هي الغربة التي تعبث بكل نفس ولا تأبه لأحد: “ديترويت الباردة..تتعامل مع الغريب كأنه سطر هامشي في كتاب لا تمتلك الوقت لقراءته تخفض نظارتها السميكة قليلا إلى منتصف البصر لتلقي عليه نظرة خاطفة ثم تعود لتفترس الوجود التي الفتها وتتفحصها بعمق”

الحلم الأمريكي العداء للغرب: تصور الكاتبة من خلال أبطالها المغتربين آلام المعاناة في بلاد بسطت سيطرتها على كل شي في حياتهم وتاريخهم وماضيهم وحاضرهم واقتصادهم وجغرافيتهم وحتى أحلامهم، فهي تطاردها هنا وهناك وحتى في بلاد الحلم الأمريكي تحضنهم بالشوك المخبوء بين أوراق الورد..”حريات؟هذه الحريات لا توجد إلا في الحلم ..في الحلم الأمريكي الذي يبقى حلما!!

تقول الكاتبة:”في حضرتك ،أوقع هدنة مع الكلمات والحروف، أفسح المجال لزرقة البحر في عينيك كي تتحدث”.

ولم نجد متحدثا شيقا افصل من رواية “من بعيد أجمل” فهي جميلة أيضا عن قرب.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق