ثقافة النثر والقصيد

خربشات مرقمة

بن يونس ماجن*

خربشات اخيرة لشاعر جاوز الستين

لقد تارقت كثيرا من أجلها وسأنام مرتاح البال حال الانتهاء من كتابتها واخراجها الى الوجود

انها خربشات عفوية وليست بجنين مجهض تحت القسر

خربشة رقم 1

كل شئ جائز

تتشعب العناكب

في المسارات الحلزونية

التي تفضي الى مفاتن المصيدة

بحر يعج بالغرقى والقتلى

كانه قبر محفور

في سرداب مهجور

الجماهير تصيح

والذئاب تعوي

والببغات تتخاصم مع الصدى

حروب أهلية وطائفية

والموت المجاني

في طابورالمخلوعين

أمام حواجز التفتيش

يعلن المتظاهرون

الخروج الذليل للطغاة

من أرض الوطن

الأرض الحرة لم تولد بعد

لا نجد مأوى آمن

سوى في أحشاء أمهاتنا

يا أمة خرجت من جحرها

واتخذت العصيان الموسمي

وقودا لنارها

من شدة الوخز

تغوص في هيجان الثورات

كأنها أكباش فداء

ترمى في بئر بلا جدران

كل شئ جاهز

ها هو الزعيم المنهزم يتهيأ للرحيل

الكل يبارك ثورة الأحرار

الى درجة أنه يندس في ضجيج الهتافات

دون أن يعيرللجماهير أي اهتمام

يترقب الوصول الى حقول أكثر خضرة

تنتظره في الضفة الأخرى

كان يرحل دائما هكذا

في عناده الوحشي

فصاركالحيوان المجروح

وحيدا في زريبة الخنازير

خربشة رقم 2

2

في غيبوبة الحلاج

لا أحد يعرف أسرار خطاياه

من مرقده تشتعل الحرائق

حتى الآن لم ينل أحد

من جنونه

على النحو المطلوب

ما زال يبحث عن رماد

ينثره على نعشه

ينحث تمثاله

بنفس الطريقة

التي يكتب بها قصائده

أحلامه السرمدية

تطفو على مركب

من ورق غير عادي

خربشة رقم 3

مآذن استنبول

كانت تقلق نوم الزعيم التركي

وليرغد عيشا

بنى أنقرته

على أنقاض الحضارة العثمانية

ثم ألغى الخلافة

لم يستطيع تغيير ملامحه الشرقية

فأحرق طربوشه وعباءته

وتغرب حتى صار عبدا مسخرا

في بلاط الامبراطوريات الأوروبية

خربشة رقم 4

في البستان العربي

أزهر الربيع بزهرتين نادرتين

هما مصر الكنانة وتونس الخضراء

أما الخريف العربي الآخر

فما تزال أوراقه الشاحبة تتساقط ببطء

على صحراء ليبيا

وسوريا والبحرين واليمن و..و..

اذن من أفسد الثورة

هل الدروب الملوثة بأقدام الشيطان

أم الكلاب المشاكسة؟

أم الفقاعات  الخفية تحت  صفحة الماء العاكر ؟؟؟

خربشة رقم 5

عندما وصل “المسيح” الأسود الى البيت الأبيض

كبروا وهللوا ومجدوا

يا خيبتهم المنكسرة

يا ليتهم يعلمون

أن لا فرق بين الأبيض والاسود

في البيت الابيض

قالوا انه “المهدي المنتظر”

الافريقي  ذو السحنات الشرقية

ولكن بعد حين اكتشفوا أن ذلك الخروف الناعم

الرافل في صوفه  التلمودي

ما هو الا ثعلب ماكر

هذا “المسيح” لا يمشي فوق الماء

بل يدوس الأرض المقدسة

بأعوانه وحاشيته وربيبته الارهابية

وما عاد العرب الأحرار يثقون بوعوده الفارغة

ولا ابتساماته الغادرة

مازال العراق يرزح تحت نيران ترسانته

وأفغانستان وفلسطين تحترقان بغطرسته

خربشة رقم 6

لوكنت ما زلت شاعرا

لدعوت جميع أموات العالم

لحضور حفلة تأبيني

وأكتب لهم قصيدة غزلية وأدسها في جيوبهم

ثم أطير فوق نعوشهم الأنيقة

وأتوارى تحت الثرى المكهرب

خربشة رقم 7

وضللت أقول ما لم أقله في منامي

هذيان شاعر على حافة ستار مسدول

وأبحر في ليلة عميقة السواد

على ايقاع موسيقى جنائزية

ثم اخرج مسدسا كاتما للصوت

تكفيني طلقة واحدة

فتسقط الغيمة الشاردة في عرض السماء

وترفض أن تلقي بحمولتها

فوق رؤوسنا

ونحن نيام في العراء

تأخر مخاضها

فصار محض بقايا حبات مطر

عندما دمعت العين من كثرة الكحل

المطرز برماد لا يشبهها

خربشة رقم 8

مروحة من الريش المشاكس

في مهب الريح

تستنجذ ب “دون كيشوط”

فيشحنها بالهواء المدجن

خربشة رقم 9

دفاتري متعبة

أقلامي معوقة

أفكاري ملطخة بطباشير صفراء

ومرآتي نسيت وجهي

ولم تضرب لي موعدا مع تجاعيدي

منذ ستين عاما وأنا  قاب قوسين من قصيدة مخاذلة

قصيدة تحصنت بنزيف الوقت الضائع

أضناها  الانتظار تحت أعمدة الانارة

ومن ثقب العتمة

تنسل خيوط الظل

ثم تذوب في اللحظة

المطلة على الصمت الرهيب

خربشة رقم 10

الى من لا يعنيهم الأمر

قبل أن أكون شاعرا

كنت ماسح أحذية

وراعيا للغنم في مزرعة اسبانية

نظفت شوارع أوروبا ومراحيضها

وغسلت الآلاف من الصحون في مطاعمها

ودونت تجاربي ومعاناتي بذات الشعر

ففي مسودتي المتآكلةالآن

خربشات مرقمة غير منشورة

تحاول الخروج من رحم قصيدة  انتهت صلاحيتها

فألفظها في ورقة  بيضاء

لأروح عن نفسي وأتخلص من تحرشها بي

*شاعر مغربي مقيم في لندن

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق