حوارات هامة

كاتب الأطفال المغربى أحمد بنسعيد:

((ندرة الكتابة للطفل تعكس عطش وجوع المكتبة المغربية لأقلام أبنائها)) !!

حاوره: محمد المطارقى

هو الصغير الذى تجرع مرارة اليتم منذ نشأته الأولى.. لاتزال تلك المرارة الموغلة فى الأعماق السحيقة تهيمن على عقله وروحه حتى اللحظة.. فهو المسكين الذى لم يجد من يحنو على قلبه، ويربت على رأسه، لم يجد تعويضا ولو بالكلمة التى يمكنها أن تعيد إليه قدرا ولو ضئيلا من الراحة.. الأب هو مصدر الحياة الأول، القوة العظيمة الهائلة التى يستند إليها الابن.. المدرسة التى يجوب فى شوارعها وأزقتها يتعلم مفردات الحياة، يلعب ويمرح، ويضحك ويحلم.. وفقدان الأب هو الحرمان.. من أجل ذلك كان عظم الأجر والثواب لمن يحسن الى اليتيم.. والنبى وكافل اليتيم فى الجنة..
لم يكن أمام الطفل اليتيم أحمد بنسعيد إلا أن يفر الى ذاته وأحلامه، إلى قراءة الكون الفسيح بإمعان، وتقليب صفحات الطبيعة بنظرات متعمقة أقرب الى نظرات الشيخ الحكيم. ومن هنا بدأت تتشكل رؤيته الإبداعية.. امتزج خياله الطفولى الجامح بعالم القراءة والكتب.. بواقعه وأحلامه.. وآماله وطموحاته.. لكن مرارة اليتم ظلت ملاصقة له، يستحضر طعمها فى حلقه لتظل متوقدة، فهى الينبوع الذى يستمد منه أجمل حكاياته ليربت بها على قلوب هؤلاء البائسون، الجياع الى الحنان والعطف والأمل.. فصارت قضيته الأولى… كتب العديد من الأعمال الإبداعية المتنوعة مابين النصوص المسرحية، والقصة .. والشعر.. يحرص على المشاركة المجتمعية، والالتقاء المباشر بعصافير الجنة.. يحكى لهم حكايات بطعم الأمل، يربت بها على قلوبهم الخضراء.. تبتهج بها خشبات المسرح لتنتزع الضحكات الصافية من قلوب تمتاز بالبراءة.. تمنحهم أروع مافى الحياة من سعادة وأمل.
فى هذا الحوار السخى، الماتع يطوف بنا أديب الأطفال المبدع أحمد بنسعيد فى أكثر من مكان.. كما قدم الينا صورة واضحة المعالم عن أدباء الأطفال فى المغرب.. وأهم المجلات التى صدرت.. بنسعيد الذى يتبنى قضايا الطفولة ويبذل قصارى جهده لتوصيل رسالته النبيلة.. هانحن نتحاور معه حديث القلب للقلب..
وهاكم الحوار:

حين يسترجع كاتب الأطفال “أحمد بنسعيد” زمن طفولته.. ما هي أهم الذكريات التي لاتزال ـ إلى الآن ـ رهن الذاكرة؟

اليتم، فقدان الأب، فقدان ذلك الحائط الذي يستند عليه الصغير لينشأ نشأة سوية، فقدان ذلك الصوت الذي يداعب صغيره ويلاعبه.. ويكرم ولده ويبتسم في وجه ولده.. يناديه الصغير: “أبي أبي..” ويناديه هو: “يا بني”..
أبحث عن الأب فيمن يحيط بي فلا أجده.. أبحث عنه في الجار، في فقيه الكتّاب، في المعلمين المتتالين.. ولا أجده.. لا أتذكر –في حياتي الدراسية- معلّما مسح على رأسي أو ربّت على كتفي قائلا: “كيف حالك يا ولدي؟؟..”
مجتمعات لاهية عن أطفالها وعن احتياجات أطفالها..
ولعل نعمة الكتابة للطفل والتوجه لعالم الطفل وصرف الحياة والوقت والجهد كله للاهتمام بالطفل هو سرّ من أسرار هذا الأمر..

شخصيات استطاعت أن تسهم في تشكيل وجدانك، وتقوم على تشجيعك للمضي قدما في طريق الأدب والإبداع ؟.
الذي شكل وجداني الإبداعي ليسوا أشخاصا وإنما هي دوافع طبيعية وأحداث قوية وتفاعلات داخلية يمتزج فيها الشعور بالعاطفة بالفكر بالتأمل في كل ما يحيط بنا: الشمس حين تغرب وتشرق، العصافير حين على الشجر تزقزق، المطر حين على الأرض يطقطق، الأرض حين تخضر، والبرق حين يبرق.. كنت أشعر أنني في حاجة إلى تعلم المزيد من اللغة لأعبر عن شلالات الأفكار والأحاسيس، وفعلا غطست في اللغة غطسات، ومع ثراء اللغة وتنوع وسائل التعبير.. انطلقت، انطلقت أتأمل في هذه المرحلة الأولى من مراحل الكينونة والوجود الإنساني؛ ذلك اللغز المحيّر الذي وقف عنده الفلاسفة والمفكرون والمبدعون طويلا..الإنسان حين يتطور جنينا ثم يولد فيكبر شيئا فشيئا..تأملت في احتياجاته المتعددة لينشأ عضوا نافعا ومساهما ومشاركا للوصول بأمته إلى أقصى درجات الرّقيّ.. خاصة في عصر المنافسة هذا.. ثم انطلقت أدرس وأسجل ملاحظاتي لأن الإبداع للطفل –مع وجود موهبة الكتابة له- محفوف بمجموعة محاذير، وله ضوابط يخطئ من تجاوزها.. ومع إلحاح الحاجة الثقافية لأطفالنا في مختلف الألوان قصة ورواية وشعرا ومسرحا.. انطلقت أكتب لهم وأكتب ولا أزال..

إلى أي مدى وصل أدب الطفل بالمغرب. ومن هم أبرز الكتاب المعاصرين الذين أسهموا في عملية الحراك الثقافي المتعلق بمجالات الطفولة والإبداع؟
عرف المغرب قبل سنة 1956م (وهي سنة استقلاله من المستعمر الفرنسي) كتابات محتشمة للأطفال، كان أغلبها بدوافع إثبات الذات أمام المستعمر.. ولا أريد أن أبث في موضوع متى ومن بدأ الكتابة للأطفال في المغرب لأنه موضوع مختلَف فيه،ولكنني لا أعتبر من كتب إبداعًا أو اثنين من المختصين في أدب الطفل، وإنما المختصون هم الذين أوْلَوْا كل جهودهم لهذا العالم وفيه أفنوا أعمارهم، وبين جوانبه تعثّروا وقاموا، وكُسِروا وجُبِروا وهؤلاء لم يظهروا إلا في وقت متأخر..
ويمكننا أن نذكر الأستاذ أحمد بوكماخ (ت. 1993م) الذي برز مباشرة بعد الاستقلال –مع رفقة من أصدقائه الغيورين- وأخرج سلسلة (اقرأ) المدرسية والتي نجحت بإبهار في مخاطبة الطفل وتجاوزت الحدود للعالم العربي؛ ولا تزال أذهان الجيل السابق تعلق بها حكايات مثل: “أكلة البطاطس”. “الفيل والسراويل”. “الرحمة لمن علمنا”. “الراعي والغنم”. “الثرثار ومحب الاختصار”. “كامل يتعلم النظام”. “كتابي”. “زوزو يصطاد السمك”..
وفي سنة 1989 – 1990م مع مصادقة الدول في “الأمم المتحدة” على (اتفاقية حقوق الطفل) ظهر اهتمام عالمي وعربي ملفت للنظر بالحقوق الثقافية للطفل إلى باقي الحقوق..ولقد كانت الكتابة للطفل من أولويات الأمور المتعلقة بالطفل لأنها هي التي تغذي الثقافة الطفولية الوطنية وتملأ الشاشات ومقررات التعليم والإعلام المرئي والمكتوب.. وذكر الباحثون في فترة الثمانينيات ظهور مجموعة مجلات مثل: “مغامرات السندباد” لمصطفى رسام بالدار البيضاء سنة 1982م، ومجلة “حدائق” عن وزارة الشؤون الثقافية سنة 1983م، ومجلة “ولدي” التي كان يشرف عليها فؤاد مكوار وعبد المجيد بن عبد الصادق، ومجلة “أحديدان” لمحمد الفيلالي بالرباط سنة 1986م، ومجلة “أمين” لناجي رشيد بفاس سنة 1987م… وفي التسعينيات ظهرت مجلة “الفلاح” لمحمد الوكيلي سنة 1990م، ومجلة “سامي” للعربي بن جلون سنة 1991م، ومجلة “ماهر” لحسن الصبار سنة 1995م، ومجلة “وصلة” لعبد الإله حسن عام 1995م، ومجلة “شادي” لعبد العلي الجابري بمدينة وجدة عام 1996م، ومجلة”صادو” لمحمد الحناطي بالدار البيضاء عام 1996م، ومجلة”سفير الطفل” لعبد الرزاق سميح بالدار البيضاء عام 1998م… وللإشارة فكل هذه العناوين أقبرت وأصبحت في خبر كان. وظهرت أخرى هي تشتغل الآن مثل: (واز) بمدينة أكادير عام 2008م، وأخرى ستولد قريبا بدعم من وزارة الثقافة وهي: (اقرأ) بفاس.
ضف لذلك بعض الجرائد الخاصة بالطفل مثل: جريدة “ولدي” لفؤاد مكوار وعبد المجيد بن عبد الصادق التي ظهرت سنة 1986م، وجريدة “سندباد” التي صدرت سنة 1982م، بإشراف: جواد بونوار، وجريدة “سندباد الصغير” لعلي فرحات بالدار البيضاء سنة 1989م، وجريدة “الخِلّ الصغير” لمحمد فيلالي ومحمد أوعكي وبوجمعة الكطكاط، سنة 1989م..وفي التسعينيات ظهرتجريدة” منبر التلميذ” (1994م) تحت إشراف حسن سعودي وعبد العزيز حيون، وجريدة “فضاء الطفل” لعبد الحق جابر وإبراهيم بوزيز وزكريا حراث (1995م)، وجريدة”واحة البراعم” لمحمد الدوردي ويونس الوليدي (1995م)، وجريدة “أخبار الشباب” بطنجة سنة 1996م، وجريدة “السنافر” لعبد اللطيف البقالي (1997م)، وجريدة” جريدتي” بالرباط سنة 1999م، تحت إشراف: حسن التاج، وجريدة “الطفولة” لعزيز حجي بالدار البيضاء في نفس السنة. ومع بداية الألفين.ظهرت: جريدة الرائدة سنة 2007م على يد: أمال محمد مسوحلي.
وظهرت مؤخرا بعض دور النشر المختصة في طباعة كتب الأطفال مثل: “دار يوماد” بالرباط لنادية السالمي سنة 1998م، و”دار ينبع الكتاب” بالدار البيضاء لأمينة العلوي الهاشمي سنة 2006م..
وفيما يخص المعارض المختصة بكتاب الطفل؛ فقد انضاف للمشهد الثقافي مؤخرا حيث بدأ معرض مدينة الجديدة لكتاب الطفل (أبريل 2014م) ليليه مباشرة وبعد بضعة أشهر فقط معرض الدار البيضاء لكتاب الطفل (نونبر 2014م)..
ومن أهم الأقلام المختصة في الكتابة للطفل نذكر: المرحوم أحمد عبد السلام البقالي (ت. 2010م) والأستاذ العربي بنجلون اللذان يحتلان المرتبة الأولى والأسبقية التاريخية في تخصص الكتابة للطفل.
ثم بعض الأسماء القليلة التي تتوزّع بين مُكثر في الكتابة ومُقلّ من أمثال: عبد الفتاح الأزرق، ومحمد سعيد سوسان، وزهير قاسيمي.. ولعل ندرة الأسماء المختصة في الكتابة للطفل تعكس عطش وجوع المكتبة المغربية لأقلام أبنائها في عصر تعرف فيه دول الغرب تخمة الثقافة الطفولية وقوة التعليم عموما..

ما الدور الذي يتحتم على الحكومات العربية أن تقوم به من أجل الارتقاء بثقافة وأدب الطفل؟
حتى أكون صريحا مع سيادتكم في هذه النقطة فأنا أومن أكثر بعمل الشعوب والعمل الأفقي.. هو بالفعل فالحكومات والوزارات تسهل العمل في مجال أدب الطفل وثقافته وتشكيل مؤسساته وتضمن لذلك الدعم، ولكن حين يطول الانتظار فلا حل أمام المبدعين وذوي التخصص سوى أخذ المبادرة وطرح الأفكار والمشاريع وتفعيلها بشكل فردي وجماعي فيما بينهم وفتح باب المنافسة والتسابق في عالم الإنتاج خاصة في عصر الانفتاح على العالم.. لا ينبغي أن نضيّع ثانية من الزمن، لأنه بالفعل ضاع منا كأمة الكثير والكثير..

باعتبارك أحد المشتغلين بالعمل التطوعي لصالح الأطفال اليتامى والمحرومين.. ماهو دور منظمات المجتمع المدني في خدمة ونشر الثقافة المتعلقة بالطفل؟
ما لاحظته وعشته في هذا المجال هو ضعف المتطوعين؛ عالم التطوع عالم لا يتحمله إلا القليل النادر، خاصة في عالم إلحاح “الخبزة”.. والمجتمع المدني رغم تعاطفه مع هذا المجال إلا أنه يقف موقف المشاهدة والتصفيق.. والقليل من يتحمل مسؤولية إشباع حاجة الأطفال اليتامى والمحرومين من جهة للكتاب، ومن جهة أخرى لإثارة المواضيع والاحتياجات التي تتعلق بهم في الكتابة..(الحاجة للأم، الحاجة للأب، الحاجة لكليهما، الحاجة لمنزل يِأوي الطفل، الحاجة للعبة، لرحلة، لبسمة، لحنان، الحاجة للتدريس، للأكل والشراب واللباس..) لم أعثر لحدّ الآن على قلم في هذا المجال، ولكن –لنفترض- أنه قد يتحمل معك مسؤولية العمل التطوعي لصالح أبناء وبنات الفئات الهشّة قلم أو حتى قلميْن فكنْ على يقين أنه سرعان ما سيدبّ لهما التعب لتجد نفسك وحيدا من جديد..هذا من جهة الكتابة أما من جهة دعم المجتمع المدني للكتابة في هذا المجال فلا توجد بحكم أننا نعيش في مجتمعات تفكر في حاجة “الخبز” أكثر من تفكيرها في الكتاب، ضف لذلك أن الداعمين القلائل منشغلون بالإحسان في مجالات أخرى.. وعليه فإنني أدعو من ارتاح لهذا المجال أن يتزود بقوة إيمانية راسخة حتى لا يسقط في الطريق..

لكم أكثر من مائتي مؤلف باللغتين العربية والفرنسية في مسرح الطفل، وأغنية الطفل.. وقصة الطفل.. حدثنا عن أهم هذه الأعمال.. وماهو اللون الأقرب إلى نفسك؟
بالفعل، كتبت في مختلف الأبواب الأدبية الموجهة للطفل: مسرح، شعر، حكاية، رواية، حكايات شعبية، سيرة، ترجمة…
ولعل اللون الأقرب إليّ والذي أكثرت منه هو الكتابة المسرحية.. لأن المسرح بالفعل هو أبو الفنون..
بدأت الكتابة وعمري 14 سنة ولا يزال مخطوطَا روايتان بالخط الأزرق كتبتهما في ذلك العمر بمكتبتي: (الشيخ الأمين) (القرية)…وكانت أول زيارة لي لأشاهد نصي المسرحي (وكان بعنوان: أطفال درب الحياة) على خشبة المسرح يؤديه الأطفال سنة 1999م وسألني صديقي صفوان لقاح الرسام المعروف بمدينة وجدة وكان يجلس إلى جانبي: “ما هو شعورك الآن وأنت ترى نصك وشخصياته وأحداثه فوق الخشبة؟” فقلت له وقد أعجبني سؤاله: “هو شعور لا تستطيع التعبير عنه باللغة”. نال العرض المرتبة الأولى على مستوى المدن، وأما على مستوى الجهات فقد تعرض للسرقة الأدبية.. كانت تجربة اختلط فيها الفرح بالحزن والتشويق بالإحباط..وخلال 10 سنوات بعدها كتبت حوالي 60 مسرحية استفاد من أغلبها الأطفال اليتامى والجمعيات الخيرية كما سبق.
رواية (مغامرات القرصان همام) إصدار سنة 2002م في 10 آلاف نسخة ما نفدت السنة حتى نفد التوزيع في صفوف الأطفال.. ولقد وضع لها مؤخرا العزيز عبد الله لالي قراءة نقدية جميلة جدا.
(فتيان الصحابة) (فتيات الصحابة) مع مؤسسة أنس في السعودية من أروع الأفكار التي اشتغلت عليها..
وفي نفس السياق ترجمت من الفرنسية للعربية سلسلة (سيرة الصحابة) للدكتور محمد بن حماد – مكتبة الكتاب بباريس 2014م.
(يتامى الحرب) (الفأرة المثابرة) (القط الطيب) (مدرسة النجاح)..2017م عن دار أصالة بلبنان
(أصنع مزلاجا) للطفولة المبكرة في مشروع “عصافير” الناجح بإدارة العزيز الفاضل عمرو أبو حميدان بالإمارات 2017م..
وكان لي شرف رعاية (الكتاب العربي التطوعي للأطفال) بمعية الأستاذة نجلاء النجار وبعض الأحبة، والذي شارك فيه نخبة من المبدعين العرب من مختلف الدول، وهو أول إنجاز من نوعه للأطفال أصدره مشكورا: المركز القومي لثقافة الطفل بالقاهرة، وهو كتاب ومشروع يستحق كل التنويه وينتظر من النقاد المزيد من إلقاء الضوء عليه..
ولا تعجبني الكتابة للطفل بدون هدف، لذلك تجدون كل كتاباتي سواء كانت كتابا مستقلا أو مشاركة في مجلة ورقية أو إلكترونية أو مقالا في جريدة..تجدها تصحح خطأ أو تنبه لشيء أو تناقش موضوعا أو تثري أفكارا إيجابية.. ولا تروقني قراءة كتاب للطفل لا أخرج منه بفائدة وأعتبره ترفا فكريا أبناؤنا في غنى عنه بما هو أهم وأرقى خاصة في عصر التحديات هذا..

هل ثمة محاذير ينبغي على كاتب الأطفال أن ينتبه إليها ويحتاط لها.. وما هي في نظرك؟

على كاتب الأطفال أن يحتاط من نفسه، أن تجره إلى ما يضر الأطفال من حيث يريد لهم الخير؛ فيضرهم بحسن نية كما يفعل الوالدان حين يسرفان في لوم وتوبيخ وتقريع أبنائهما ليحصّلوا الدرجات العليا..
ثم الحذر من الكسل أو الفتور إذا طال أمده لأن كاتب كتب الأطفال يُنتظَر منه الكثير، فإذا ضاع منه وقت الكسل والفتور فماذا بقي للأطفال يا ترى؟؟..
ثم الحذر كل الحذر من التكبر والتعالي إذا وصل إلى رتبة المشورة في هذا المجال، وليتواضع للعاملين في هذا الحقل خاصة الجدد وليبتسم في وجوههم وليفدهم..

هل الواقع المتردي، والمستوى المعيشي له تأثير على الحالة الصحية للإبداع؟
نعم بكل تأكيد له تأثير، ولكنني أعتقده إيجابيا على الحالة الصحية للإبداع وليس سلبيا، كيف ذلك؟ إن المبدع (أيا كان نوع إبداعه) في ظل ظروف قاهرة عليه أن يحوّرها لتصير منبعا للإبداع وصقل الإبداع وشحذه طريقا إلى التميز والنجاح؛ فكم من مترف كسول عن الإبداع.. ونعرف أسماء مبدعين تركوا إبداعات خالدة وكانوا يتخذون الجوع طريقا لهم.. انظر لنسبة المبدعين في العالم العربي، ستجدها قليلة جدا.. لماذا؟ لأن غالبيتهم يتعذرون بالمستوى المعيشي الضعيف والوقت يمر ولا يرحم.. الإبداع رغبة ومحبة.. وهو بالفعل شيء ثمين.. وهو منحة ولكنه محنة قبل ذلك وعرق ومرارة وطريق طويل جدا جدا..وانظر إلى الإبداعات الخالدة والناجحة وقد نبعت من ذوات عانت الكثير.. وإذا تأملنا نموذجا قريبا -في مجالنا الكتابة للطفل- وفي الظروف التي كتبت فيها (ج. ك. راولنج) كتابها الناجح (هاري بوتر) تأكدنا من ذلك..

من المؤكد أن ثمة فروقا لافتة بين “طفل الأمس..وطفل اليوم”.. و “كاتب الأمس.. وكاتب اليوم”..برأيك إلى أي * مدى وصل أدب الطفل (بين اليوم والأمس) على المستوى الإبداعي، وأيضا على مستوى التلقي؟

حين مارسنا طفولتنا كانت شاشة التلفزة في أول ظهورها، وحين مارس الجيل الذي قبلنا طفولته كانت التلفزة غير موجودة.. ويمارس الجيل الجديد طفولته وسط تعدد الشاشات (شاشة التلفزة والحاسوب والبليستيشن والهاتف..) وكاتب كتب الأطفال لا يرتبط فقط باحتياجات الطفل التي لا تتغير كحاجته: للأكل والشراب واللباس واللعب والمحبة والتمدرس.. بل وبكل ما يحيط بالطفل من أدوات وآليات وظروف وأحوال دائمة التغير.. ينظر إليها بعمق ويتناولها بقلم مبدع سيّال ويسبح به في عوالم الاحتمالات والأحلام..كما أن عليه أن يكون ذكيا جدا ومواكبا ومتابعا لما يصل اليوم لأطفالنا عبر الشاشات التي توفر له بمجرد نقرة عليها: مشاهد الصراع والعنف والدماء والقتل الجماعي ومشاهد الخلاعة والجنس والخمور والمخدرات.. كل ذلك يقدم في صور محببة ومثيرة في شكل ألعاب يسهر على إنجازها كتّاب ورسامون ومصممون ومبرمجون –في العالم- لا دراية لهم بخطورة ما يفعلون.. الطفل (بداية من سنتين) ينظر من حوله فيرى الجميع ملتصقٌ بشاشاته هل نحدثه –ككتّاب- عن أمّ كانت تمسك الإبرة والخيط وتخيط له غزلا جميلا في يوم مضى؟؟.. كيف نحارب ملل القراءة عن الطفل؟ ليسمع ويتفاعل أو يقرأ (قراءة ورقية أو إلكترونية) ويعيد القراءة كما يفعل باللعبة الإلكترونية التي يعيد لعبها عشرات ومئات المرات.. هو تحدٍّ أمام جميع العاملين للطفل (والكاتب على رأسهم).. نحن بالفعل في حاجة إلى جيل جديد من الكتّاب الذين يعملون ضمن مفهوم الفريق (فريق إنجاز كتاب الطفل المعاصر) ليجعلوا من صفحاته مجالا متعددا للتشويق والإفادة والترفيه ولا يصل الطفل (بمختلف مستوياته) إليه ويدخل بابه حتى يمتلك بطاقة الدخول.. فإذا دخل لا يحب أن يخرج منه لما فيه من تباري واكتشاف ومتعة وإفادة وحبس أنفاس.. كل ذلك في روح تربوية تعليمية عالية مناسبة لبيئتنا ولما لدينا من قيم.. فإذا اتضحت الرؤية وتشكلت هذه الفرق تَفتح المجال أمامها للإنتاج والابتكار.. واستشراف المستقبل..

يقولون بأن كتاب الأطفال يكتبون لأنفسهم.. وأن القارئ المستهدف مشغول بعوالم أخرى أكثر جذبا وإمتاعا.. رأيك في هذه المقولة؟
إذا كتبتُ للطفل الذي بداخلي فهذا جميل؛ لأن هذا الطفل سيكون مرشدي والضياء الذي ينير لي الطريق.. وإذا نجحت في استرضائه سأنجح في استرضاء كل الأطفال..وأسعد إذا جرّني لعوالم خيالية بعيدة، لأن تلك العوالم حتما ستُسعد كلّ الصغار..وإذا كتبت لابنتي وولدي ونجحت في استرضائهما ولَفْتِ انتباههما فسأنجح أيضا مع جمهور الأطفال.. و(العوالم الأخرى) –حسب تعبير السؤال- التي تستهوي الأطفال وتجذبهم لا تستغني عن كتابات الكاتب، بل هذه الكتابات هي المصدر الأول لغذائها.. ولندخل إلى عالم الإنترنت ولنطّلع على عالم الأطفال فيه سنجد إسهامات الكتّاب فيه حاضرة بقوة.. يعملون في تكتّل مع الرّسّامين والمصمّمين والمبرمجين.. فرضته الظرفية الجديدة للعصر، هكذا يفعلون وإلا تجاوزهم الزمن..

الأطفال كما هو معلوم هم فئات عمرية مختلفة..ما هي الشريحة العمرية الأصعب ـ في رأيك ـ عند كتّاب الأطفال.. وماهي المرحلة الأكثر شغفا التي تستهوي قلمك؟

العديد من الكتّاب يذكرون أن المرحلة الصعبة هي الطفولة المبكرة (من الولادة حتى السادسة) لكنني أعتقد أن الصعوبة في الكتابة تلازم الطفولة (المبكرة والمتوسطة والمتأخرة) بل هي تبدأ من مرحلة (الجنين) والكتابة بمختلف أصنافها صعبة.. هذا رأيي الذي لا أتنازل عنه؛ ولكن من أين تأتي الصعوبة يا ترى؟ جوابا على ذلك نفترض العكس؛ نفترض أن الكتابة للطفل سهلة ويسيرة.. إذن لكتب من يشاء ما يشاء..ولامتلأت مكتبة الطفل بالتافه الذي يثير سخرية الأطفال، أو بالمعقد المتعالي الذي لا يفهمه الأطفال، أو بالمكرّر والمقتبس والمسروق، أو بالداعي إلى العنف أو الرعب أو الجنس والممجّد لكل قبيح وسيء.. ويفهمني الذي اطلع على ما يوجد اليوم في المكتبة العربية والموجّه للأطفال..
أما المرحلة التي أعشق الكتابة لها فهي مرحلة الطفولة المتأخرة وبداية المراهقة (بداية من السنة التاسعة)

ما أهم المعوقات التي تحول بين كاتب أدب الطفل الحقيقي، وبين وصول منتجه الإبداعي إلى القارئ المستهدف؟
يتصوّر بعض الحالمين أن الكاتب يكتب خلف برجه العاجيّ يلاعب السحب ويكلم العصافير.. وعليه فلا أعتبر أن هناك أي عائق يحول بين كاتب أدب الطفل الحقيقي وبين جمهوره من الأطفال، بل عليه أن يقارع عالم الأطفال، ويتوجه إليهم أينما كانوا ليقرأ عليهم حكاياته وأشعاره ويخرج لهم مسرحياته..يحاورهم يلاعبهم يفيدهم ويستفيد منهم..بهذا فقط يحبه جمهوره وينتظرونه بشوق.. وبهذا فقط يخطو خطوات النجاح.. ليضع في ذهنه شيئا واحدا فقط: الطفل وليس شيئا آخر غير الطفل.. ليحبه من أعماقه، ليتنفس الطفولة..هكذا سيتحقق ذلك التواصل الكهربي الناجح وتشعل الأنوار ويضج بالفرح الصغار وهذا هو المنى والفخار.. إذا وضع الكاتب في ذهنه معوقات فلن يتخلص منها أبدا، فليكسر كلّ قيد وليحطم أغلاله وليتواصل مع الصغار.. وهم ولله الحمد في كل مكان حوله..

ما الذي ينبغي أن يفعله الأدباء الجدد في مجال الكتابة للطفل للوصول إلى مستوى يليق بهم كمبدعين، وبأطفالنا كمتلقين؟
أعجبني استعمال سيادتكم لكلمة (الجدد) عوض (المبتدئين) لأنني أسمعها كثيرا من الذين يطلبون المشورة في هذا المجال، ولا أحب هذا الوصف الذي يصفون به أنفسهم: (مبتدئون) لأنني أعتبر الْمنطلِق في هذا المجال يبقى دائما (مبتدئا) ولو طال به المسير يظل ينقصه الكثير ليستفيد منه، ومن قال: “وصلت” فقد أصابه الغرور وأخطأ خطأ فظيعا.. ولقد صادفت في طريقي شيئا من هؤلاء للأسف.. وجوابا على سؤال سيادتكم هذا أرجو لهذا الحوار أن يفيد المبدعين الجدد وهو المبتغى، ولكنني أضيف أن من يقرأ ويعيد القراءة، ومن يكتب ويعيد الكتابة، ومن يسأل ويدوّن الأجوبة ويعمل بها ويستفيد منها.. من يحضر الندوات والورشات ويتابع كل جديد ويعمل بكد وجهد في بذل وتواضع.. سينال حتما أهلية الكتابة للأطفال وسيصير حبيبهم ومربيهم في آن واحد..

وأخيرا رسالة تود تقديمها في نهاية هذا الحوار؟
قبل ذلك أريد أن أشكر سيادتكم العزيز محمد المطارقي على هذا المجهود الجبار في التحاور مع العاملين بهذا الحقل وتقديم زبدة تجاربهم في مائدة متنوعة أمامنا.. ثم أوجه رسالتي لكل العاملين من مخططين ودارسين ومبرمجين ومقتصدين وآباء ومدرسين ومربين ومكتبيين.. في الحقل الطفولي بأن يتكاتفوا ويتعاونوا.. لأن التحديات أعظم والنجاح درجات ونريد لأجيالنا القادمة أن تنجح –بعون الله- بإبهار..

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق