قراءات ودراسات

مصيبة اسمها العقر في “…عشق امرأة عاقر ” *..!!!

بقلم : حبيبة العلوي*

ليست في ألق “هلابيل” 1 ..غير أنّها يبدو نوت أن تنحو منحى مغايرًا ..لا يسير في طريق إمتاعك بقدر ما يتقصّد إيذاءك بحالة من قرف مقيت تتلبّسك كما تتلبّس كلّ تفاصيل هذا النصّ المريب..!  مؤذية هذه الرواية .. ومزعجة ..وأحيانا مستفزّة ..! معجونة بلغة جمعت كلّ مفردات القرف والقذارة الممكنة ..! معجمك مغمّس بالعياء يا قسيمي هذه المرّة …يثير غير قليل من التقزّز بتعبير المسلسلات المكسيكيّة التي باتت قديمة… فوجوه الأبطال كريهة …وروائحهم بغيضة …وحتى جيناتهم وهرموناتهم فيها الكثير من اللغط والاشتباه…مازال قسيمي يشتهي الخوض في عرض المنبوذين والمهمشين واللقطاء الخ من متغيرات “الشعب المسلوب من كل شيء ” 2 .. ما زال يحتفي بعرض أخبارهم الصغيرة التي لا يمكن أن تشبه ما تُتصدّر به نشرات الأنباء الوطنية جدّا..

تلك الأخبار التي ترهقك وترهقني لأنّها تشبهك وتشبهني… تلك التي تذكّرك بما أنت عليه ..! لأجل ذلك كان قسيمي مؤذيا هذه المرّة …
” في عشق امرأة عاقر”… رواية مكتملة.. !!
ليس بمعنى الكمال وإنّما لاستيفائها الأجوبة…أجوبتها ..بلغتها التي تفصّل بقدر ما توهمك بالمداورة والمناورة …ثمّة أمور محسومة مسبقا في هذا النصّ.
تلك الجمل الطويلة والثابتة التي لا تتغيّر مع تهالك الصفحات وتعاقب الأحداث.. تلك الجمل القارّة والتقريريّة التي تشبه ما يتلونه علينا يوميّا في نشرات الثامنة مع اختلاف في درجات الصدق والكذب كمثل: ” الوطن الاجباري ” .. ” الشعب المسلوب من كل شيء “.. ” المخرج المتذاكي ” …3
قد تضحك أحيانا بين جنبات هذه الرواية؛ عندما تغمزك بغير قليل من وقائع واقعك الكوميديّة قد تضحك ـ في فسحات استثنائية خادعةـ لكن ليس دائما فلو كنت جزائريّا مثلي لن تصبر عليها كثيرا إلاّ إذا كنت من هواة اجترار القرف اليومي تماما كمرتادي حافلات النقل العمومي …يشتهون لوك تفاصيل قرفهم بشكل مسرحي ومثير ومستفزّ…
ذلك لأنك ببساطة لست بحاجة مرَضية إلى احتساء تقيّحاتك اليوميّة ..فوحده الواقع يفيك وردك اليومي من القرف…
لكنّ هذا النصّ يجعلك تتذكّر آنك …صعب جدّا ومزعج في آن أن تتذكرّ آنك الذي تحاول جاهدا كلّ يوم وبكلّ الأمانة الممكنة أن تتجاوزه إلى غذ محتملٌ أن يكون مغايرا…كما هو محتمل جدّا أن لا يأتي بجديد..!
لا أعرف لم أراد قسيمي أن يعذبنا بهكذا نصّ.. ثمّة شبهة ساديّة ما.. في اقتراف كتابته .. وثمّة حتما شبهة مازوشيّة ما في اقتراف قراءته.. وهذا هو العقد الذي يبرمه على ما يبدو قسيمي مع قرائه المشبوهين تماما مثله !!!
قال إنّه كتبه في حالة غضب … وأنا أقول إنه كتبه في حالة “حنق”.. أعتقد أنّ كلّ الجزائريين على اختلافاتهم المجيدة يشتركون ويعيشون ذات الحالة في ذات اللحظة التاريخيّة.. حالة من التذمّر والتململ المزمن الذي لا دواء ولا حل له..!
مصيبة اسمها “العقر”.. عقر اللغة ويتم الخطاب !! لا شيء يقال وكل شيء يقال لكي لا يقال!!
كلّ الجزائريّن يبدو أينما حلوّا وحيثما رحلوا…لا تلتقي ألسنتهم إلاّ لتؤكّد هذه الحالة : ” ما كاين والوا” ** هذا هو المتّفق عليه “جزائريّا” من الرأس إلى القاع .. اللغة هي اللغة.. والجمل قليلة وبسيطة وساذجة ومفضوحة جدّا..!
كلّ الجزائريين يعرفونها ويرتّلونها يوميّا عن ظهر عقر: تماما كأذكار الصباح والمساء التي باتوا يحفظونها ـ من سنوات الدم والرعب ـ لتحفظهم من عواقب مدينتهم المريبة والمهيبة.. كلّهم يشتركون في ويتواطئون على حفظ هذا السرّ المباح: ” ماكاين والو” ..!!
غير أنّ قليل منهم فقط من يتواقح على هتكه كأخينا سمير هذا الذي يبدو أنّ له أو ما زال له من القوّة والهمّة والجلد والقدرة على الأذى و تحمّل الوزر ما يعينه على تجريح الجرح على رأي ” أم كلثوم ” في رائعتها ” فكّروني ” وعلى رأيها دوما نقول لسمير ” الله يهديه “:
” كانوا ليه .. ليه ..ليه
.. بيفكرووووني ” ..!

عن هذا العشق المرضي يحكي سمير قسيمي ..عن عشق لا يخلّف غير البوار …والتبرّم المزمن.. في لغة متأزمة بـ “الزنّ” على ذات الفكرة و “الأزّ” إلى ذات الاحتمال المحال ” في عشق امرأة عاقر ” حكاية مغلقة عن غد مستغلق…!!

ـ تنويه يبدو مهمّا للغاية: …فإن لم تكن جزائريّا مثلي.. فيمكنك أن تفهم ـ وتتفهّم ـ من هذه الرواية ما حصل وما سيحصل …و ما لا يمكن أن يحصل في أيّ حال في ذات جزائر!

الهوامش :

* ” في عشق إمرأة عاقر ” ، الرواية الأخيرة للروائي الجزائري سمير قسيمي، منشورات الاختلاف، الطبعة الأولى ، 2011.
1 الرواية ما قبل الأخيرة للروائي الجزائري سمير قسيمي، منشورات الاختلاف والدار العربية للعلوم ناشرون.
2 تتواتر هذه العبارة بإسراف على طول متن الرواية.
3…تبدو هذه العبارات كـ “لازمة” هذا النصّ .
** عبارة عاميّة تعني : “لايوجد شيء” ، كثيرا ما تتردّد في لغة الجزائريين حتى أصبحت وردًا يوميّا ، وهم يستعملونها عادة للتعبير بسخرية موجعة عن التذمّر من الوضع البوار فلاشيء كائن في الحاضر ولا هو كائن في الأفق: ” ماكاين والوا”..!


*كاتبة جزائرية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق