ثقافة السرد

الفصل 13 من رواية (حرير الوجد)

لمحمد حيزي / تونس

فصل الوشائج المهملة:

وأنا طفل كنت أمضي خفية عن أمّي إلى جبل السّلّوم مع رفاق أكبر منّي سنّا . كنّا نجني ثمار البلّوط ونتسلّق إلى أعشاق الطّيور في أعلى أشجار الصّنوبر . كانت السّاعات تمضي سريعة دون أن نحسّ بها . مع أوبتنا كنت أملأ كيسا من الطّين وسط دهشة رفاقي وأعود به إلى الحوش . ظلّ الطّين هاجسي إلى اليوم ولم أفلح في الفكاك منه …

كنت مرتبكا وأنا غارق في الحديث عن مصطفى الضّاوي …
ظلّت ليلى تراقب شفتيّ وما يعتمل فيهما من يبس وخوف كما لو أنّني أقبل عليها من قفر خال . وأنا أتهالك وأتقطّع في نطقي كانت عيناها غارقتين في الدّموع . توقّعتها متأثّرة بعد كلّ الطّواف المرّ الّذي ألمّ بي طيلة أعوام مضت . كانت دموعها غزيرة تقبل من زرقة بليغة أقرب إلى موج الشّاطئ القريب وهو يندفع في لين فاتن . لم أع أنّها تتهالك في ماضيها بكلّ ذلك الشّجن أيضا . بدوت أفتح جرحا كان منسيّا ولا تريد الخوض فيه رغم ما أظهرته من قوّة ونسيان لكلّ ما فات . هل كانت تتظاهر فقط أم أنّها أشفقت عليّ أيّامها حتّى أخرج من الهوّة الّتي كانت تجذبني إلى أسفلها وتحاول هلاكي ؟ هل كان وجعها أشدّ من وجعي ولم تجد بدّا من قتله فيّ كي تبرأ منه فيها ؟ ألم تشر بكلّ قلبها إلى أنّ الحبّ هو خلاصنا معا وسبيلنا حتّى نعيش أسوياء خاليين من كلّ تشوّهات ماضينا الكافر ؟ ما بها تتورّط مرّة أخرى في نبش سنواتها البعيدة أيضا وتتراجع عن كلّ امتلائها بصباحنا المقبل ؟ أكانت تتجمّل أمامي لتسحبني من هاويتي إليها فقط ؟ لماذا تدمع بكلّ هذه الحرقة وتشرخ لهفتي وأنا أغرق في حضن أب لقيته من يوم مضى ؟
( ط )
( دفعت يديّ إلى وجه لا أراه حتّى أشرخه وأنا أطلق صرختي الأولى بعد مخاض عسير جدّا عليها . توقّعت حضنه سخنا كخبز قمح شهيّ بعد أن صرت سنبلة ضربت جذورها في الأرض عميقا وتاقت لحاصدها . لم أجد إلاّ خواء بغيضا وأمّا أجهدتها ولادتي القاسية كما لو أنّني أرفض أن أجيء إلى هذه الدّنيا بدونه . كانت يداها المتعبتان تزيلان الشّوك من حولي حتّى أكون حصيدها النّقيّ . دمعت وهي تشدّني إليها حتّى أدرك حليبها . كان مرّ المذاق وهي تدسّني إلى صدرها الحافي … ) .

توقّفت عن الحديث حتّى أهرب من حزنها الّذي تحوّل إلى عتمة حولها . قد أقتله قبل أن يبتلعها وأنا أراه يستدرجها إلى كوّة ويحكم قبضته عليها . ظلّت تتملّى تسمّر المفردات على شفتيّ وشلل نطقي إلى حين منتظرة استرسالي مرّة أخرى في وجعها الّذي تبدّى متحفّزا نحو توغّلي في تداع مضن . أحسّت بهروبي من ترحالها إلى أمسها فانهمكت في إزالة دموعها وابتسمت متلهّفة ما تبقّى من انفراطي السّائب وتشوّفي إلى لحظات خارجة عن ذلك الحيّز الّذي سجنت فيه روحي من حين تدبّرته كي لا تتقهقر أكثر في أمّها وأبيها وحضورها المفاجئ إلى ذلك البيت وردّة فعل بيّة الذّابحة وهي تشير إلى ذلك المكان الرّخيص :
– وبعد ؟
قالتها في تشوّف وهي تمضغ وهم أب لم تتوقّعه .
– كان ذلك حمقا . لم يعن لي شيئا إلى هذه اللّحظة . مجرّد خرف توقّع أنّني ابنه بعد موت ابنته وزوجته . صار وحيدا مترمّلا في صدمة سنواته الأخيرة ويريد أن تكون له وشيجة ما تسحبه من قوقعته الّتي تردّى فيها . تركته وخرجت دون أن أرتبك أو أغرق في حرارة سؤاله .
– فقط ؟
– هذا كلّ ما حصل لي معه .
– لكنّك كنت ضائعا مثيرا من لحظات مضت ؟ كما لو أنّك غريق في كثبان رمل رخو وتحاول بلوغ الماء على شبر منك ؟
– هو وهم من لا صلة له وتداع انفرط للحظات مربكة ثمّ غاب بلا رجعة .
– أنت تهرب منّي حتّى لا أتحرّق مثلك .
– لنكفّ عن هذا الهراء ونلج ليلتنا . كما لو أنّني غبت عنك دهرا . تخيّلي وجدي القصير هذا . إنّه أبلغ غياب عنك وأعسره .
– أربكتني وتريد منّي الكفّ عن الوقوع في بارحتي ؟
– هو كلام في الرّيح أدهشني فبحت به إليك ولم أسع إلى النّبش في سنوات خلت حتّى تغرقي في أمس نحرناه معا .
– والآن … ؟ هل اندمل ما فيك ؟
– لماذا تتمسّكين بشجن لسنا في حاجة إليه ؟
– لقد أوقعتني فيه وإن كنت أدركته في عينيّ فتخلّصت منه قبل غرقي . لقد ورّقتني كمدا وولجت روحي حتّى هتكتها . لماذا تحرمني من تجلّيها وهي تبلغ بي أقاصي لم أعشها منذ وعيت قيدي وحطّمته وسحت في هذه الدّنيا دون وجل منها ؟
– مجرّد توقّعات خائبة لا أكثر . لقد ورّطتك في هواجسي ومطبّاتي . أنت تدركين حسمي ولا أظنّك ترمين إلى وشيجتي . لقد كانت مزقا ووجدتها فيك . لقد صرت قبلتي وما عاد يعنيني سواك . لا تهوّمي في براح بور تخلّصنا منه معا ونسعى إلى خصبنا وبذرنا آخرين بعد كلّ هذا الذّبح . كوني وجهي وسبيلي حتّى نتمكّن من مصيرنا الّذي سطّرنا . ألم نقسم على ذلك ؟
– ومصطفى الضّاوي هذا ؟
– ألم ننته منه ؟
– كيف لك أن تتخلّص منه وأنا أراه اللّحظة يجوب وجهك في حميميّة ملتهبة به لا أبلغ منها ؟
– أنت مربكة جدّا هذه اللّيلة . بتّ لا أقوى عليك . سأتركك وأجلس في الشّرفة وحدي . لقد برّحك الأمس وتمكّن منك فتحوّلت إلى أسئلة لا آخر لها . توقّعتك في توق إليّ لكنّني خبت هذه المرّة .
تركتها ومضيت إلى الشّرفة في خطو كامد متعثّر . ظلّت خلفي تتوقّع أوبتي إليها . تتوقّع يديّ تمتدّان إليها وتجذبها إلى حضني . تسمّرت ثمّ التفتّ وفتحت ذراعيّ . خطت نحوي وارتمت بين أحضاني وانهمكت تبكي . كانت تلك لحظات تجلّي روحها كما داهمتها . نشيجها بلغ أوجه إلى حين ثمّ خفّ شيئا فشيئا إلى أن غاب . أزالت دموعها على صدري . كانت حارّة جدّا على جسدي . تراجعت إلى الخلف في رقّة وابتسامتها خفيفة تتبدّى على شفتيها :
– كنت أستردّ ضياعي وتيهي . الآن تجشّمت ما لا طاقة لي به .
طبعت قبلتي على جبينها . كنت منذ لقيتها أجد فيها طهرا غريبا وشفتاي تحطّان عليه كما لو أنّه خلاص لذيذ من كمدي . مضت إلى الحمّام مخلّفة وراءها ضياعها :
– سأوافيك في الشّرفة بعد حين .
تهالكت على كرسيّ هزّاز في الشّرفة كانت ليلى قد اقتنته من أيّام مضت . قالت إنّه مريح يفضي إلى تلك القباب والشّرفات الأخرى ولن تحسّ بتعب وأنت جالس عليه . تبدو كأمير خرافيّ وأنت تتطلّع أمامك وتكتشف هذه المدينة ليلا . كانت غارقة في مزاحها وهي تتخيّر مكانه المناسب . أحسست بصفاء غريب وأنا أوصد ذلك الباب الصّدئ في وجهها حتّى لا تتوجّع أكثر . لا أدري لماذا تعتعني لقاء مصطفى الضّاوي بذلك الشّكل ؟ كنت قادرا على كتم تفاصيل لقائي به وما أحدثه في من هواجس لا حصر لها . كنت قادرا على اختصار مشاعري في كلام قليل دون أن ألج داخلها وأجرحها بتلك الطّريقة الحمقاء . أن أختلف عنها فجأة وأشير إلى جذور أخرى ظهرت سخف وقعت فيه وهي المندفعة نحو حفر بدء لنا معا دون أن نحفل لأمسنا أو وشيجتنا بأحد . كان ذلك حلمنا الّذي راودنا حتّى ملأنا وتحوّل إلى يقين يوما بعد آخر .
ألم أكتو بعد بذلك الشّجن البعيد ؟ ألأنّ مصطفى الضّاوي تبدّى بعد انخرام أتسلّل من حلمنا وحيدا وأتركها هناك ؟ تضاءلت مرّة أخرى أمام نفسي وهي تتعقّب تهالكي في قلق بليغ . أيّامها كنت أهفو إلى أسرة صغيرة أخرى . لا وجود فيها لعبد الرّحمان العامري والعارم وحليمة وربح . هكذا كنت أحلم وأنا عائد بكيس الطّين من جبل السّلّوم البعيد . كنت أغرق في عرقي وأنا أحمله في إجهاد إلى أن أبلغ به الحوش أخيرا . أفرغ الطّين في ركن الحوش ثمّ أشبعه ماء وأنهمك في عجنه طويلا إلى أن يصير طيّعا بين أصابعي . حينها أشكّل لي منه أمّا أخرى . أجعل لها جسما وأطرافا ووجها وشعرا تتراكم أطرافه على كتفيها . أضعها تحت أشعّة الشّمس إلى أن تجف وتتحوّل إلى صلبة . أعجن لي أبا طويل القامة مفتول العضلات رياضيّ الجسم تماما كنجوم الرّياضة والسّينما . أخطو به في حذر وأحاذيه لأمّي حتّى تحرقه الشّمس ولا يتهشّم . تمضي أصابعي الصّغيرة بعد ذلك في تشكيل شقيقتيّ . أجهدهما طويلا حتّى لا تكونا شبيهتين لحليمة وربح . أقترب من تماثيلي الّتي تراءت لي أسرة أخرى لا تشبه أسرتي . أجمع الورق المهمل وبقايا الخشب . أجذب معولا وأنهمك في تجزئة شبّاك صغير استغنينا عنه . أشعل نارا في الرّكن وأدسّ فيها تماثيل الطّين إلى أن تميل إلى لون بنّيّ تشوبه حمرة خفيفة . أستخرجها واحدا بعد آخر . أحملها بعد أن تفقد حرارتها وألج غرفتي . أخرج أقلام زينتي وأبيّن ملامحها . أغلّفها بكلّ ألواني المشتهاة وأتملّى فيها لحين . أراها فاقدة لنطقها لا تستجيب لأسئلتي الصّغيرة . أغرف من روحي وأهبها الحياة إلى أن تنطق أخيرا . أنهمك في الحديث إليها طويلا . أشكوها أمري إلى أن يغلبني النّوم حذوها وأنسى الآخرين من حولي ولا أهتمّ لهم . أحسّ أنّ لي أسرة جديدة شكّلت أفرادها بنفسي وبعثتهم أحياء . يااااا … كم كنت طفلا حالما أيّامها . كنت أقوى على بعث آخر وتشكيل عالم جميل من الطّين فقط بعيدا عن ذلك الحوش ورجسه . كان الطّين عندي مدنا أقيمها وبساتين لا حصر لها أغرسها شجرة شجرة وأطفالا لا عدد لهم ألاعبهم وأداعبهم وأغيب معهم في ألواني وتوقّعاتي الجميلة . أنسى كلّ شجني وأحوّل الحوش إلى كائنات من كلّ نوع وشكل . أغرق في الطّين بكلّ أحاسيسي وأتوقّع أنّ كلّ العالم طوع أصابعي وأستطيع أن أبنيه كما أشتهي . لا أحد يقوى على منعي من تهشيم ما أبغض وبعثه آخر جميلا . ظلّ الطّين هاجسي ومتعتي وغيابي الآسر عن الكلّ ومازال لهفتي إلى الآن . به أستطيع تغيير هذا الكون من حولي وأنا أدفع أصابعي في دفئه واستسلامه لي .
خرجت ليلى من الحمّام بعد . ولجت الشّرفة كما لو أنّها طفلة . شعرها المائل إلى صفرة ناعمة تبدّى أنصاف دوائر تتهالك إلى أسفل متمدّدة متقلّصة . جذبت كرسيّا وجلست قبالتي . مدّت لي مشطا وطلبت منّي تسريح شعرها . نقاط الماء على ظهرها كانت تتدفّق أضواء صغيرة منفلتة في ذلك اللّيل السّاكن . متاهات شعرها تبدّت تماما مجاهل صحراء ذات كثابين متعرّجة فاجأتها مطر صيفيّة وأشبعتها لحين ثمّ رحلت . رائحتها وهي تلتصق بي كانت أقرب إلى عطر أميرة فاطميّة تتوارى خلف ستار شفّاف منتظرة وصول عاشقها خلسة عن العيون . أحطتها بيديّ من الخلف واحتضنتها وغبت في روحها السّائبة حولي كما لو أنّني أنفصل عن هذه الدّنيا وأسيح في ملكوتها وأذوب في وجدها . بدت لي حبيبتي وأمّي وشقيقتيّ وكلّ وشيجتي . تشكّلت في عينيّ مسافة تختصر كياني ووجهي وكلّ سنواتي المتراكمة . تراءت لي ترحالا أبديّا بدونه أحفى وأهلك .
كانت لحظات حميمة كالرّواء لظمآن كاد ينتهي …
صباحا تركت ليلى غارقة في نومها . تسلّلت من غرفة النّوم على أطراف أصابعي حتّى لا أوقظها . ظلّ نومي عصيّا عليّ طيلة اللّيل . كان مصطفى الضّاوي ككابوس لم يفارقني . توقّعته أكثر من مرّة أمام الباب يطرقه وينتظر خروجي على أحرّ من الجمر كي يحتضنني إليه في حرقة بالغة . كنت قلقا على ليلى من قدومه المباغت . إنّها تريدني كما أنا بدون أب . هكذا ترى اكتمالنا معا وولوجنا إلى هذه الدّنيا . قد تحسّ بدون ذابح إن أنا اختلفت عنها . لعلّ حلمها ببدء الخليقة فينا كما رأت سيتهالك لحظة وصول مصطفى الضّاوي بكلّ خرفه ويتمه وحمقه .
( 57 )
( بعد مدّة طويلة من الهذيان عاد عامر الوافي إلى عاداته القديمة . ما عاد يحذّرني من الطّين والدّود كما كان يفعل . عاد لخمرته ونرجيلته وصار ودودا معي . عاد لأيّامه الأولى مستعيدا لقاءاتنا البعيدة في ذلك الـ…. . كما لو أنّه يعشقني من جديد لكنّه بدا لي أنّه يتضاءل ويتواطأ ويسرف . صار يقبل على البّيرّة والنّبيذ في لهفة أشدّ ويقبل عليّ كلّ ليلة في حمّى غريبة ولا يهتمّ إن أنا تمنّعت . يقضي وطره منّي ويغرق أغلب اللّيل في ثرثرة طويلة إلى أن يباغته النّوم . كان في نطقه شيء من الحزن وإن أبدى غير ذلك . ظللت على قلق شديد إلى أن خفّت حالته يوما بعد آخر . صار يجلس إلى أمّي الّتي ما عادت تتحاشاه وتلج غرفتها ويباغتها بأسئلة غريبة لم أفقه منها شيئا . تبتسم له وتنهمك بدورها في حديث عجيب لكنّه ممتلئ بأسر خالص ومتعة لم أدركها . بقدر فرحتي بأوبة أمّي من غيابها ونطقها أخيرا بدا لي أنّ هناك ما هو مريب مثير وعليّ أن أتسلّل إليهما كي أرتوي منهما وإن توقّعت ذلك أقرب إلى مستحيل أو ما يشبه الوعر المستعصي … ) .

لهفتي لوجه يشبهني صارت بغيضة . قد تدمّر حياتي مع ليلى مرّة واحدة . لن تجد فيّ نصفها الرّوحي كما قالت . سأصير كأولئك الّذين لهم آباء . مجرّد رجل محصور في غيره له أسرة وصلة رحم . سأتحوّل في عينيها إلى رجل عاديّ جدّا . خال من الأسئلة والخصب . لا معنى له وهو يتبدّى كالآخرين .
متاهة تفضي إلى أخرى وأنا أتمنّى أن لا يأتي ذلك الرّجل الّذي يسعى نحوي حتّى يكون أبي . تراءى لي كجاثوم مفاجئ كي ينغّص عليّ حياتي بعد أن نكّل بي منذ تسعة وثلاثين عاما مضت . كنت في حاجة إليه وأنا طفل … وأنا مراهق … وأنا شابّ … ماذا سأفعل به وأنا في سنّ الأربعين ؟ بعد أن برزت في شعري شعيرات بيضاء قليلة بدأت تزحف من سنة تقريبا وتربكني ؟ تشير إلى منعطف آخر في حياتي وتتربّص بي وتدفعني نحو الخمسين في صمت مريب ؟ ما نفع أن يكون لي أب وأنا في هذه السّنّ ؟ هل أتركه يتسلّل إليّ بعد كلّ لهفتي الّتي انطفأت وخيبتي المريرة ؟ الآن ترهّلت الأحاسيس وخبا بعد ذلك البركان الهائل في أعماقي . ما عاد يعنيني مصطفى الضّاوي أو غيره . لقد تلاشى كلّ شيء وصار الأب في سؤالي كذبة وبلها وتوقّعا كالقفر . لقد ركمت كلّ الماضي خلفي رمادا وانبلجت مع ليلى شمسا أخرى تتّقد دفئا وتورّق صباحاتها المقبلة ألقا لا مثيل له .
بعد أن استيقظت من نومها وأعدّت فطور الصّباح انتبهت إلى الإجهاد البادي على وجهي . ظلّت لحين غارقة في صمتها ثمّ رفعت عينيها نحوي في توجّس وريبة :
– هل سيأتي ؟
– من تقصدين ؟
– مصطفى الضّاوي .
– أنا لا أعرف شخصا ما بهذا الاسم .
– هل ستتجاهله بهذه اللاّمبالاة الغريبة ؟
– لقد حسمت في هذا الأمر البارحة وانتهيت منه .
– أتتوقّع هذا ؟
– لماذا كلّ هذا الشّكّ البادي في عينيك ؟ مصطفى الضّاوي لا أكثر من رجل استدرجته الصّدفة إليّ . مجرّد نزوة ميّتة حدفها في الوهم ومضى دون أن يلتفت خلفه . ظلّ هاجسا وتحوّل إلى مضغة تافهة وسؤالا بغيضا .
– لكنّه أبوك ؟ وشيجتك الّتي نالت منك وكادت تهلكك من سنوات هاتكة ؟ أيمكن أن تتخلّى عنها هكذا ؟ بكلّ هذا الارباك الّذي يعتمل فيك ؟
– يكفي نبشا موجعا يا ليلى . أريد أن أنسى . لست في حاجة لأحد .
( ظ )
( حبوت أخيرا …
تمسّكت بجدران الحوش وخطوت . صرت في طول سنبلة قمح بلغت أوجها ذلك الصّيف في أرض موات . ظلّت أمّي تترصّدني حتّى أنزرع حقل قمح وأكفّ عن السّؤال وأخرج من ضيق الصّدور وهاجس الوجه الّذي ظلّ يطاردني ولم يتهالك لوهم الحقيقة الّتي تسعى حتّى تكون خطاي ومقصدي الأخير . لم أستسلم لها وهي تحاصرني وتقتاتني إلى أن صرخت وانفرطت ومحت رجلا بغيضا لم أحسّ يوما أنّه أبي … ) .

خرجنا إلى تلك السّاحة . من أيّام مضت فكّرنا في فتح محلّ كبير لعرض التّحف والصّناعات التّقليديّة . ظلّت ليلى تلحّ عليّ حتّى يكون لنا كيان ضارب في هذه المدينة ومورد رزق يوفّر لنا دخلا محترما . كنت محرجا لأنّني لا أملك مالا كافيّا لكنّني استسلمت أخيرا لإلحاحها وإن تمنّيت فتحه وحاولت أن أخفي ذلك . كان عليّ أن أجد عملا يوفّر لي ضروريّات العيش . مال ليلى الكثير أشعر به ثقلا يربكني . وأنا طفل كنت أغتصب المال من الصّخر . لا أجد حرجا في استدراجه إليّ بكلّ الحيل الممكنة . لم أدفع راحتي الصّغيرة لأحد حتّى يعطف عليّ . نادرا ما كنت أطلب بعضه من أختيّ . عشت ورأسي تهفو دائما إلى أعلى. لم أنكسها لأحد. كيف لملك ماسحي الأحذيّة الصّغار أن يتقهقر ويتوسّل غيره ؟ بقيت ملكا وأنا أكبر يوما بعد آخر . لم أتحوّل إلى صعلوك أو قاطع طريق . صرت دون أن أعي كبيرا رغم حجمي الصّغير . دائما ما أحسست أنّني أمسك زمام الأمور . تماما كربّان قويّ لا يخشى عاصفة . كنت سأشعر بالخذلان إن مددت يدي لعبد الرّحمان العامري . لم أكن أكترث لذلك المال الكثير الّذي يحطّ على راحة يده كما لو أنّه يختلسه . بدا لي أيّامها نجسا له رائحة كريهة لا أقوى على الاقتراب منها أو لمسها لأنّها توحي بالقرف . كانت القطع النّقديّة الّتي أحصل عليها من ماسحي الأحذيّة أبلغ وأنقى . ظلّت وهي تحدث رنينا في جيبي الصّغير أعمق من تلك الأوراق النّقديّة الّتي يدسّ بها عبد الرّحمان العامري في جيبه كالجثث المنتنة . بعد أن تخلّيت عن التّدريس للأطوار الّتي حاطت بي ظللت متيّقظا للأيّام البخيلة الّتي قد تمرّ عليّ . كانت المبالغ الصّغيرة الّتي أودعتها بين الحين والآخر في البنك كافيّة حتّى لا أحتاج لغيري إلى أن عثرت على ليلى أخيرا . حاولت أكثر من مرّة العودة إلى عملي الّذي أحببت لكنّني لم أوفّق في ذلك . ظلّ الأطفال عالمي الرّحب الجميل الّذي افتقدته . وجدت فيهم سلوى خالصة لا تقدّر بثمن . كنت أتحوّل وأنا أغرق في وجوههم الصّغيرة إلى طفل مثلهم . أمرّر الدّرس لهم وهم يضحكون . لم أضع عصا يوما على مكتبي أو في محفظتي كي أربكهم . دائما ما أترك همّي خلفي وألج القاعة الواسعة مبتسما كما لو أنّني ألقاهم بعد غياب طويل . بقوا هاجسي لسنوات . لا أسهو عنهم أبدا . أجهد نفسي لساعات متأخّرة من اللّيل حتّى أقبل عليهم ممتلئا قادرا على العطاء . لم أبخل عليهم ولو للحظة واستمرّ ضعيفهم مقصدي حتّى آخذ بيديه وأخرج به من قلّة حيلته إلى أن يتمكّن بعد تعب طويل . ظللت ميّالا إلى الفقير واليتيم وفاقد السّند منهم . أرعاهم كغرس ظامئ وأشبعهم قدر ما أستطيع . أشدّ على المنكمش منهم حتّى تسري فيه الحركة ويتيقّظ وأهتمّ للمشاكس فيهدأ ويثق بي ويحبّني ويغرق في درسه ويترك كلّ ما من شأنه أن يغضبني . كنت أبا لهم جميعا حتّى أمتلئ بأب لا أعرفه .
هكذا ببساطة قال لي :
– لقد تخلّيت . لم تقدّم شهادة طبّية ولا رخصة عمل . القانون جليّ ولا غبار عليه ولا يمكنك أن تعود إلى التّدريس .
– لكنّني كنت مثالا يحتذى به ؟
– هذه قوانين الإدارة ولست ملزما بتجاوزها .
– لقد وهبت سنوات من عمري لهذا العمل ولم أبخل . لا أذكر يوما غبت فيه عن أطفالي . دائما ما كنت حريصا على ساعة الدّخول والخروج . لم أتأخّر ولو لدقيقة عنهم . أهذا جزائي بعد كلّ احترامي وتقديسي لعملي ؟
– لن أنفعك في شيء . دوري ينتهي هنا .
– لكنّه قانون جائر . لا يحترم نفسه .
– أنا مجرّد موظّف هنا أطبّق قانون الوزارة كما تراه هي لا كما أراه أنا . قد أتعاطف معك لكنّني لا أستطيع أن أعيدك للعمل .
– كيف ترى الحلّ إذن ؟
– تستطيع الذّهاب إلى الوزارة . اشرح لها ما ألمّ بك .
– الوزارة لن تهتمّ لي . رؤسائي في العمل هنا هم الّذين يقدّرون كفاءتي وعطائي . أنا هناك نكرة . مجرّد مدرّس تخلّى عن العمل وفصل بقرار لا رجعة فيه .
– ألا ترى أنّ صوتك قد علا واحتدّ ؟
– من حقّي أن أصرخ وأصيح حتّى ينتبه إليّ الجميع . أنا من أبناء هذا الوطن الّذي أحبّ . لست غريبا عنه حتّى أغرق في الصّمت . الخوف ولّى وانتهى في هذه الأرض والضّيم قبّرناه من سنوات مضت .
– لكنّك منفعل في وجهي كما لو أنّني من وقّع على قرار فصلك ؟
– لماذا يتبدّى لك أمري شخصيّا ؟ أنت مواطن مثلي وعليك أن تسندني وتقف إلى جانبي . ماذا لو كنت مكاني ؟ هل ستلوذ بالصّمت وتعتبر الأمر انتهى وعليك أن تخرج خائبا تجرّ وجعك في خطو متعثّر ؟
– أنت عاطفيّ جدّا . يمكنك الانصراف ونسيان هذه الثّرثرة الّتي لا تنفع .
– ومن أنت حتّى ترى في عاطفتي تجنّيا عليك ؟ أنت موظّف مثلي . جلست على هذا الكرسيّ من أجلي . تتقاضى راتبا لأنّك تقدّم خدمة لي ولغيري . لم أطرق باب بيتك حتّى تثور في وجهي هكذا .
لا أدري كم بقيت ممسكا بخناق ذلك الموظّف وقد شددته إلى الحائط في غيظ بالغ . عدّة موظّفين آخرين كانوا قد حضروا بعد وخلّصوه منّي . تحوّلت إلى هائج فجأة دون أن أعي . وهو يضرب سطح مكتبه براحتيه معا ويشير إلى الباب في حسم عال :
– لقد تخلّيت ولن تعود إلى العمل . إن لم تغرب عن وجهي ستندم .
كنت بعد قد خطوت نحوه ورفعته من خلف مكتبه إليّ كخرنق وأنا أصيح بأعلى صوتي فيه وأنفاسه تتقطّع :
– أمثالك لا مكان لهم هنا . أنت لن تنفع في هذا الكرسيّ . هناك من هو أبلغ منك وأحقّ به . يفوقك سعة صدر ويتفهّم دون توتّر . يذلّل السّبل ويرشد وينصح . من يخرج من عنده تتجلّى طمأنينته وإن لم يفلح في طلب . من سمح لك بالحسم ؟ من حوّل لسانك هذا إلى سليط دون وجه حقّ ؟
بعد أن أبعدوني عنه وهدّأوا من غضبي أشاروا عليّ بالذّهاب إلى الوزارة . هناك سأجد ضالّتي . قالوا لي إنّ زميلهم هذا لا لوم عليه . قد يصرخ ويصيح دون سبب لكنّه يحمل قلبا طيّبا . هذا طبع فيه لم يتغيّر . هو هكذا إن لم يجد مخرجا . دائما ما يعلو صوته إن أفرط زائره ولم يتفهّمه . لو طرقت بابه لما ثار في وجهك . أشباهه كثر في هذه المدينة . سرعان ما يغضبون لكنّهم يعودون طيّبين كما كانوا . لعلّك تشبهه دون أن تعي ذلك ؟
من يومها لم أطرق أيّ باب . ما ألمّ بي بعد أيّام كان كاف حتّى أنسى التّدريس نهائيّا . وجدت نفسي أمضي في سبيل متعرّج لا خروج منه . كانت الدّنيا من حولي قد تحوّلت إلى جهمة وأنا أسعى حتّى أعثر على وجهي . ليلتها تهالكت العارم وتردّت في عتمة ذابحة وهي تروي تفاصيل ليلة بعيدة وقد تعتعها عطشها البليغ وهي تريق كأسها في حلقها دفعة واحدة وتنهمك في ضحكة فاجرة إلى حين ثمّ تبلغ أوج صمتها وانفلاتها المفاجئ دون ضابط أو وزن . ارتجافة شفتيها كانت تنبئ بكشف لأسرار خارجة عن يقظتها . لو لم يطل ليلها لما سقطت في ذاكرة منيّبة كتلك الذّاكرة الّتي هتكتني وهي تروم بعض مزالقها :
( ع )
( – لا تتردّد …
ستعثر على وجهك فيه . إنّه هو ولا شكّ . تملّ وجهه جيّدا . إنّه شبيهك تماما . دمه هو دمك وروحك هي روحه . الأمّ لا تخطئ خصبها بنيّ مهما تردّت . لقد أحسستك تنزرع فيّ ليلتها كوجد لذيذ . حدسي لا يخيب أبدا . غيابي بين أحضانه كان عجيبا . لم أكتشف أسرا بليغا كذلك الأسر وهو يفيض بي كدفق شديد . مصطفى الضّاوي كان رجلا غريبا . لا أحد مثله قادر على بلوغ الأنثى كما بلغ وأحسست . لقد غيّبني في ملاذ شجيّ شهيّ وأيقظ نارا فيّ كانت قد خبت . لقد اقتفاني مسالك آسرة لا يقوى عليها إلاّ ماكر مثله أدرك بعد خفايا النّساء وتوهّجهنّ السّرّي … لهفتهنّ البليغة وتشوّفهنّ الحارق . كان لهابا ومقاصد كالجمر في ذلك اللّظى السّليب … ) .

ونحن نكاد نبلغ المحلّ تسمّرت في مكاني فجأة وأنا أنظر قبالتي …
دهشت ليلى لأمري ثمّ مضت مع عينيّ . على خطوات منّي وقف مصطفى الضّاوي وأمّي . تلك اللّيلة البعيدة تنفلت مرّة أخرى من سجنها وتستعيد تفاصيلها الآن مع نفس الرّجل ونفس المرأة .
( غ )
( من القاتل ؟
هل هو الرّصيف الّذي تربّص بها ؟
قلبي أراه يعلق بخطايا وأنا أقتفي أثره إلى أن بلغها عند مصباح الشّارع في تلك اللّيلة الباردة . هناك قامت ورطتي وأنا ألهث خلف وجهي المعفّر بجريرة ضربت أوتادها حولي ولم أجن على أحد . هل كنت أقوى على جلدي حتّى يكون لي أصل كغيري فلا أباغت بترمّلي باكرا ؟ إنّهما معا مرّة أخرى ؟ تكاد تلك الغرفة تبوح بحلم بعيد عشته بتفاصيله وهما يجزّان سنابل بضّة قبل بلوغها وينفرطان في شتاء بارد كالموت ويسهبان في ما يشبه الكفر ويردّدان صلاة مترهّلة دون وضوء أو تيمّم . عطشهما محا الماء وقتل الرّيق وقبلاتهما كانت بدون رضاب . نفس اللّيلة تتبدّى لي أخرى مختلفة لا روح فيها ولا وشيجة كما لو أنّها مشطورة من زمن خائب لم ينتبه إليه أحد . ليلة لم تحصل . ليلة خارجة من عتمة مدبرة في العدم . هل حلمت فعلا ببعثي وأنا أراهما يلجان تلك الغرفة في ظلمة غابرة ؟ لعلّني كنت أهذي في ذلك القبو وأنا أحاول أن أقبض على ما يشبه الكذبة وأحوّلها إلى حقيقة لا غبار عليها حتّى أحسّ بسكينة ما وأدرك أنّ غيابي في السّؤال مهربا روحيّا بالغا يمكن أن يقتاتني يوما بعد آخر إلى أن أصفو عميقا وأتلاشى في طهر عجيب يخلّصني من متاهتي فأقبل آخر على الدّنيا بدون أثقال أو هواجس مدمّرة ؟ )

إنّهما أمامي من جديد يرتكبان نفس الخطيئة ويستلبان روحي ويخنقان أنفاسي ويحفران هوّتي المرّة . لم يكتفيا بعد وها هما يباغتانني من جديد ويتربّصان بي . يريدان محوي وسرقة بعثي هذا ويرومان بي مذابح أخرى لا تنتهي . كنت سأركض لحظتها وأهرب بعيدا كطفل خائف من خرافة جدّته المرعبة وهي تسحبه في شهوة حكي إلى غول رهيب وتسهب في وصف جفّ له الحلق وانتفض له القلب وارتعشت له الشّفتان واتّسعت له العينان الصّغيرتان . تمسكه من يده وتمضي به إلى رهبة وظلمة وهو يتوق إلى أوبة أخرى كقصّة البارحة المليئة بالدّفء والحلوى . ظلّ دائما يحتفي بجدّته وهي تورّق له الدّنيا لذّة مشتهاة ودون أن يدري قطعت به سبيلا ارتبكت له ركبتاه وكاد يتسلّل من حضنها ويفرّ ولن يتشوّف إليها وهي الّتي كانت تحيك له من القصّ أطوارا تستلبه وتأخذ بمجامع قلبه .
( ف )
( لاااااا …
إنّهما معا مرّة أخرى . لا أصدق من الحلم حين يصير مقصدا وهو يحفر مسالكه إلى الرّوح ويرجّها حتّى تستيقظ كفاجعة وتروم ما لا أريد في هذه اللّحظة القاصمة لحسمي وأنا أراني آدم وهو ينبعث من الطّين ويستلب حوّاءه الموعودة من أضلاعه ويعيش مخاضه بدنيا هو بدايتها ولا أحد سواهما لبدء الخليقة مرّة أخرى . كان يمكن أن يكونا روحين لروح مبعثرة لو التقيا دون أكفان وعويل ومحو ونزوة . كانا قادرين على شهوة أعمق لو خلّفا لي متّسعا كاليقين فأنبت في طينهما سنبلة لها جذور ضاربة دون أن يحفرني البور وتتفرّق بي السّبل . يااااا … تنطلق منّي كفجوة لا أقوى عليها ولا أستطيع أن ألئم لها مصيرا لتظلّ هاوية لا تستجيب للنّطق واللّهاب يصرخ في حلقي عطاشا بشعا فلا أتمكّن من قول : ” – هذا أبي … تلك أمّي … أنا نطفته الّتي انحدفت في رحمها ذات ليلة باردة كالقهر فجئت حقيقة لا مثيل لها … تماما كسنبلة قمح قامت في تربة خصبة لهذا الطّين الماثل أمامي ولا يقين سواهما ولا وجهة لي إلاّ حضنه ووجهها ولا ملامح سائبة تقوى على كلّ ضيمي الّذي عشت وكابدت ” كنت سأصيح بأعلى صوتي إلى أن يبلغ أقاصي حلقي فأجتثّ ورم خرسي : ” – أبيييييي … ” وأنحدف طفلا كما كنت إليه لأتسلّق ركبتيه وأبلغ صدره وأبكي طويلا في نشيج ضارب وأقبّل وجهه إلى أن أكسوه بدمعي وأظلّ هناك عالقا إلى أن أمّحّي وأعود نطفة وألج رحم أمّي وأبعث مرّة أخرى منها وطعمه ورائحته وطينه سبيل لي حتّى لا أكون قاسم العامري هذا الغائب في محنة لا تبرأ ولا تنتهي وهو يراهما في هذه اللّحظة الّتي لا يمكن أن تروي غليلي أو تشبعني بعد كلّ جوعي وظمئي وتطوافي الطّويل في بوار خيبتي ومرارة سؤالي . هل هذه هي اليقظة ؟ هل هما أمامي فعلا ؟ هل يستطيع ذلك الحلم أن يكون هوسي ولا أراه إلاّ صحوا في لحظة أشبه بالتّلف ؟ ليلتها تمنّيت لو كنت شهوتهما العالية حتّى أكون . ليلتها كان عبد الرّحمان العامري يطاردني حتّى أمنحه دمي . كان يبكي خلفي وإن لم ألتفت إليه أو أمنحه فرصة يقيني بتعقّبه لي ورصدي من بعيد . أدركت رائحته ورائي وهو يتسلّل في حيطة حتّى لا أراه . دموعه كانت مهملة صوبي لتتراكم في خطاي وأنا أجرّهما في لهفة ووجل نحو أمّي والغريب . كم أحسست حينها بوجيعة عبد الرّحمان وهو يتوسّلني في صمت جريح كي أكون بعض وجهه العاثر وبعض دمه المراق ولو للحظة كاذبة … ) .

ارتجفت وغزاني عرق لا عهد لي به . كما لو أنّني تمثال من الطّين أخرجته أصابع محروقة في لحظته من نار لاهبة وأغرقته في ماء بارد جدّا . لم أقو على الحركة والخطو إلى الأمام . قدماي رصاص ثقيل . تغوصان بي عميقا في أرض رخوة . شوك لا حصر له يفلق جسدي ويتمدّد إبرا من إصبع قدمي إلى رأسي . عطاش بالغ يقتات حلقي ويحفر له شروخا في صدري ويمضي سكاكين فيّ . دوار فظيع انتابني وطال أمّ رأسي في لحظات قصيرة .
( ق )
( بين جهمة وضوء … بين نوم كالموت ويقظة كالحياة … بين الحلم وصفعة مرارة الواقع … بين لذّة المتاهة وانخرامها … أفقت أنا قاسم . كلّ ما فات تشكّل بغتة أمامي . كلّ ما هو محتمل خاب واستحال ماثلا فيهما ولا مهرب في شكّي أو أسئلتي مرّة أخرى ولا يمكن أن أتوقّع كما كنت . الحلم الّذي كان يتواطأ قبالتي ويخرج من أورامي أمنية ممكنة امّحى فجأة ورام بي وعرا لا قدرة لي عليه … أخيرا أستسلم لليقظة … أورّقها أمامي دون غياب … تتبدّى المسالك مبعثرة والصّمت ركاما والنّطق عطاشا يلتهمني وأنا لا أملك ولو خطوة تقوى على دفعي ولو شبرا إلى الأمام … ) .

بدا كلّ شيء أمامي سائبا لا ملامح له . يسيح هائما حولي ويسوطني في حدّة وشدّة . تمنّيت لو أصرخ بكلّ ما أملك من قوّة … لو أصيح عاليّا وأجد نطقي الّذي شلّ . ظللت مسمّرا فقط كتمثال الطّين المهمل للفح شديد وقد تسرّب كلّ ذلك الماء البارد إليه ولم يشبعه بعد أن امتدّت له نفس الأصابع الخربة مرّة أخرى وأخرجته قبل أن يلتئم وتتشكّل ملامحه في ذلك الرّواء المباغت الغادر . كنت كمن يقطع صحراء متراميّة بلا وجهة أو دليل وقد تمكّن منه الإجهاد والتّعب والعطش والخرس …
( 58 )
( … وآب من رحلة بدت لي طويلة : ” – تتمّة الحكاية حانت يا ابنتي . ليلتنا المقبلة سيكتمل فيها القمر . ستشبعين وسترتوين إلى أقاصي روحك وتخومها . هذه المدينة بلسم لا ينضب . ستمتلكين سرّها بعد أن أترعتك الحكاية وتوغّلت فيك وتضوّعت في روحك وهذا الياسمين الّذي وهبته ليلى الآسرة بدء للتّفاصيل العامرة فيك وحولك . الحكاية هي التّميمة فاحفظيها لأطفالك ومدينتك حتّى تقيهم وتقيها من العين والحسد والبغضاء ” . كانت عيناي لحظاتها تجوب مدينة الحمّامات وتسيب فيها وتتقصّى كلّ ما يعتمل من وعود متبقّية في ليلتها التّالية بين شفتي الشّيخ العامر بالحكي والحلم والماء … ) .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق