ثقافة المقال

‏قمرٌ على وجه الحياة‏ مابين مطرقة “العرب” وسندان “الغرب”‏

بقلم نوال السباعي

أوجه التحية في حديثي اليوم إلى بناتنا في أوروبا واللاتي تتراوح أعمارهن بين  الخامسة عشر والخامسة والثلاثين، هذه الشريحة المنسية شبه المُغيبة من خطابنا وإعلامنا -إلا فيم يتصل بالمتفوقات المتميزات سليلات العائلات العربية “الإسلامية” الكبيرة المعروفة في أوروبا-، هذه المجموعة الإنسانية التي لايكاد يلتفت أحد إلى معاناتها وألمها ، ولا يعترف أحد بما يجري عليها من أذى بالغ بسبب هذه الحياة الصعبة التي تعيشها في أوروبا ، بين مطرقة العادات والتقاليد السائدة في المنطقة العربية و”الاسلامية” المغرقة في الجاهلية، وسندان الصلف والصفاقة الغربية المغرق في التعنت.

مابين ظلم البيوت وظلم المجتمع، تضيع حقوق هذه الفتيات حتى بالاعتراف بإنسانيتهن، وماحققنه من نمو وتقدم وتحصيل علمي ومهني ورقي إنساني وسلوكي بجهدهن وجهادهن على مدى ثلاثين عاما ، في ألمانيا، في النمسة، في السويد، في بريطانيا ،وفي اسبانيا، جيل لايمكن وصفه إلا بجيل الجهاد الحقيقي ، بمعنى بذل الجهد وأقصاه لإحقاق الحق وترسيخ الخير للذات وللآخرين، جيل اقتحم الجامعات ومعاهد العلم والتقنية والعلوم الإنسانية، وفرض نفسه على المجتمعات الغربية بثلاثة أشياء: التحصيل العلمي ، والسوية الأخلاقية، والجدية والالتزام.

وإن جيلا مثل هذا يستحق منا وقفة احترام، كما يستحق منا الدعم والتكريم، ولكن دون أن نمنح هذا الدعم لفئة على حساب فئة، بل لابد من أخذ الجميع بعين الاعتبار على اختلاف انتماآتهن، ودرجة اِلتزامهن، وقدرتهن على الصبر والثبات، ومهما كانت المحن التي امتُحنّ بها، والزلازل التي أصابتهن في هذه الحياة، إنه الجيل الجديد من الشابات المسلمات القابضات على الجمر في أوروبا التي وأثناء تعاملها مع المسلمات الأوربيات تزلزلت دعواها عن الحرية والتعددية وحقوق الإنسان!، أوروبا التي يصيبها الفزع لرؤية الإسلام يتمدد في أرضها هويةً على رؤوس شابات مسلمات مولودات في أرضها، ناطقات بلغتها، يمارسن حرياتهن في اختيار اللباس الذي يحققن من خلاله قناعاتهن الشخصية والدينية، أوروبا التي لاتفرق بين عربي أو مسلم، ولايهمها إن كانت الفتاة محجبة أو غير محجبة أو حتى غير مسلمة مادامت تلتزم درجة معينة من الأخلاق تمنعها من مزاولة المنكرات دون شعور بالذنب ولا بالندم، أوروبا التي ترتعد أوصالها اليوم بسبب حفنة من بنات المسلمين دخلن الجامعات وبدأن بحيازة أرقى الدرجات العلمية التي لامناص معها من فسح الطريق أمامهن لشغل أعلى المناصب في المجتمع وهي كراسي التدريس الجامعي، أو المسؤوليات السياسية والاجتماعية ، أو أخطر منهما، وهو القدرة على التعبير، بالتفكير والبحث والكتابة، فالأكثرية ومن كل الاتجاهات في “أوروبا” وبالضبط كالأكثرية ومن كل الاتجاهات في “المنطقة العربية” لا تستطيع أن تستوعب أن بإمكان المرأة المسلمة أن تزاول حياة إنسانية كاملة متميزة مع اِلتزامها بقناعاتها الشخصية والدينية ، معظم الناس في أوروبا المغلقة على استكبارها يريدون- وبالضبط كمعظم الناس في المجتمعات “العربية” المغلقة على عفنها- ، مزاولة وصاية خاصة على المرأة المسلمة وتمرير قضيتها من خلال ثقب الإبرة التي يُنسَج بها مستقبل أسود للمنطقتين يقضي فيه العنف الثقافي والسياسي والإعلامي على كل أمل للبشرية بقيام مجتمعات تعددية حرة كريمة ، تحل المشكلات فيها عن طريق الحوار والاحترام والتعايش .

لا يلتفت أحد في المنطقة الأوربية -ولا في المنطقة العربية- إلى معاناة هؤلاء الفتيات وهن يمارسن حياتهن اليومية في ظلّ هذا الظلم المضاعف ، وهذا الضغط الإعلامي السفاح، وهذا التحرش الاجتماعي الأليم ، وهذا التضييق الحياتي على مزاولة الإنسان شعائر دينه وحريته الشخصية التي لا تكاد تمس حرية الآخرين بشيء. من هذا الذي يفكر في أوروبا بهذه الكومة من المشاعر الإنسانية المهملة على قارعة طريق الأحقاد والكراهية والرفض التي تشقها وسائل الإعلام الأوربية عامدة متعمدة نحو مستقبل مخيف، يكاد يبتلع إنجازات أوروبا الحضارية والإنسانية والدستورية في خضم تأجيج نيران العنصرية الدينية التي نرجو أن تطفئها جهود العقلاء من كل الأطراف.

أيام عصيبة جدا هذه التي تعيشها أوروبا ونعيشها وتعيشها الفتيات المسلمات “الأوربيات” في أوروبا مابين الصورة “العربية” للطهر غير الإنساني التي يريد أن يرسمها العرب عنوة للمرأة باسم الإسلام “المثالي” الذي لم ينزل للبشر ،والصورة “الأوربية” للانحراف الفردي والجنسي الذي تريده أوروبا للمرأة وعنوة باسم الدستور والقانون وخصوصية القيم الأوربية! .

لقد بدأت الأمور في أوروبا تخرج عن الحدّ المنطقي والمعقول في التعامل مع قضية المرأة المسلمة، ومن المضحك المبكي أن تكون “المرأة المسلمة” هي الضحية من جديد ، هذه المرأة التي ظنت أنها قد تجد لها في أوروبا ملجأ ومخرجا في ظل دولة الحقوق والقانون ، فإذا بالمعضلة تتفاقم في أطار ولادة جيل لم يكتف ولا يرضى بدور “الخدمة” !!، أوروبا سكتت عن حجاب المرأة المسلمة طالما كان ذلك الحجاب دليلا على الخضوع والذل والمهانة والخدمة في بيوتها ، ولكنها لم تحتمل أن يكون الحجاب على رؤوس بنات الجامعات في فروع الفلسفة والأدب والتربية والترجمة والطب والصيدلة والعلوم! بالضبط كما حدث في المجتمعات المسلمة في المنطقة العربية، التي طالما سكتت عن المرأة وهي تعمل في الزراعة والفلاحة ورعي المواشي والصناعات اليدوية والخدمة ، خدمة أهلها في بيتها وخدمة الآخرين في بيوتهم، لم نسمع رجل فكر ولا رجل دين اعترض على عمل المرأة في هذه المهن الاستعبادية في بلادنا، ولكن الأقلام والألسن جادت بكل قبيح خارج عن المنطق الإسلامي نفسه في تفنيد وتصنيف عمل المرأة المسلمة، يوم استطاعت المرأة المسلمة في بلادنا أن تتخلص من هذا النير وتصبح طبيبة أو محامية أو قاضية أو أستاذة جامعية، عندئذ انبرت الأقلام والألسن لتحديد عملها في مهن معينة، وتقنين خروجها واختلاطها بالرجال في هذه المهن، وقد انقضت مئات السنين ونساء الأمة منحنيات ظهورهن في الحقول، وراء الأفران التي تلفح نيرانها جباههن، وفي الخدمة في بيوت “الكُبراء” حيث انتهكت في الكثير من هذه البيوت الكرامة والأعراض!!، وهانحن في أوروبا اليوم نشهد الفصل ذاته من هذه المسرحية القاسية الظالمة ضد النساء المسلمات المظلومات مرتين مابين المنطقة العربية المنكوبة باستقالة “العقل”، ومابين هذه المنطقة الأوربية المبتلاة باستعلاء أعمى لهذا “العقل”.

لقد باتت الفتيات المسلمات وحدهن المسؤولات اليوم عن حمل الرسالة وتوريثها في أوروبا، “رسالة الحقوق والقانون” بين فكي هذه الكماشة التي لا تكاد ترحم ، بانتظار أن يخرج من هذا الجيل من يحمل مشاعل الأمل بالتغيير النابع من الحضارة، دون مساومة ولا مداهنة، وكما يقول “أحمد مطر”: ( هن المرافئ البيضاء التي تنبض بالنقاء العذب من خلال الضباب الكثيف، من أي أفق ولدن كنّ البرد المتوج باللهيب ، أقمار على وجه المياه، أوطان يلملن شتات الاغتراب، ليختزل الدنيا في كلمتين “أنا الحجاب” )، هذا “الحجاب” الذي لم يكن ولا يمكن اختزاله في قطعة قماش تنضبط بتقاليد معينة وشكل معين في مكان معين وزمان معين، لأنه سلوك وموقف في هذه الحياة ، التي كانت فيها بناتنا أقمارا من نور وأمل في هذه الأيام العصيبة التي يعيشها العرب والمسلمون في أوروبا بحثا عن هويتهم وانتمائهم في وجه رياح البغضاء والحقد والجهل التي تهب من أكثر من وجهة ومن أكثر من عالم على وجودهن الهش المثخن بالجراح ، مابين مطرقة العرب وسندان الغرب ، اللذان ظلما المرأة المسلمة مرتين ، وقمعاها مرتين ، تارة لحمايتها باسم الإسلام، وأخرى لحمايتها من الإسلام!!.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق