ثقافة السرد

وجه الفجيعة

بقلم هارون زنانرة.

مسطول، تائه تتقاذفه شوارع المدينة في زحامها العتيق المـزمن ،يتبعثر ظله بين الأرصفة ، يتدثر معطفا بصقته كل ألوان الفصول المتعاقبة.
كشبح من قصص الليل المخيفة تلوكه ألسنة النسيان حينا، ثم من دون نقطة بداية ينبت في مكان ما بين الأزقة كمعلم ثابت من معالمها .
يجلس القرفصاء في سكون الناسك ،يتأمل فضولي وكأنه يراني للمرة الأولى -رغم جلوسي المتسائل أمامه كل مرة – أناوله السيجارة الثالثة أو الرابعة -أرشيه ككل مرةـ-ـ يسحبها بيد مرتعشة وشفة مزمومة ويلوذ برتابته ، عيوني الشاخصة إليه تستحثه : تكلم ، تكلم..
منذ أن انزلقت إلى جب الهوس بحكايات الزمن الأسود* وبلغتني بعض تلابيب حكايته ، أصبح جلوسي معه ولعا وطمعا في كل الحكاية.
في كل مرة يجد سبيلا إلى صدي بالصمت أو بالصراخ الفاجر حتى استنفذت كل سبله وحاصرته باصراري في زاوية من ليل منسي .
ـ اليوم سأسمع الحكاية ولو بحت بالنحيب والصراخ كل حبالك ،ولو خرجت عقيرتك تترجاني أو تهددني ، سأسمع منك الفجيعة بالجنون، بالبكاء ، بالهذيان سأسمعها.
يأخذ نفسا عميقا من السيجارة ،يحاول الاعتدال في قرفصائه ثم.. كالصفعات تنهال علي أول الكلمات.
ـ كالخطيئة يحاولون الدوس على جرحي ويقولون صالح ..
تتقلص حدقات العين البراقة الدوارة ، يتخذ الوجه شحوبا ضبابيا مبهما ، يثبت نظره على أفق غائر ، يضغط على الكلمات:
– يوم حمل أبي البندقية في وجه الظلام وتدثر الليل مطاردا سراديبه ، يثبت الأعلام التي نكسها الليل الزاحف ويرفعها بكل فخر- ذاك المزارع التي هجرته زراعته- لم تزكمه رائحة القبر المتربصة بكل خطواته في الجبال الغضارية المتمردة بقدر ما زكمته رائحة بيتنا الهزيل والأفواه المكشرة إليه كالخناجر تطلب ما يسدها..أمي ،أنا ،إخوتي ،كنا كشهقة، كجمرة في صدر أبي.
مع جوعنا وفاقتنا حمل البندقية،النوم الجائع الآمن ..أهون عنده من النوم المتخم بالخوف والأرق والحذر المرتعش.
على صغري تعلمت مع أبي العزف على الرشاش،كنت دون العاشرة حين بدلت كل تغاريد الدنيا بتغريدته المجلجلة ،أعترف أنني كنت أرتجف كلما انطلق له لحن أو هش له همس، هيأتني برودة الرشاش وتعاريجه النحاسية لأكون رجلا في العاشرة متنازلا عن طفولة لا جدوى منها ،الظلمة تكاد تسحبنا إلى بؤبؤتها الفوضوية فما النفع أن أكون طفلا ؟
وقبل أن تضرب الرجولة عصاها في داخلي وتعلّق أجراسها الفولاذية القاسية على صدري،قضى أبي بالمرض السريع قبل أن يقضي عليه عبُاد الظلام .. بل قضت عليه الغصة من نظراتنا المزمجرة الصامتة تتعلق بجبينه ،بجيوبه الفارغة تستقبله مودعة مع كل عودة له من المطاردات الجنونية المتواصلة لعباد الظلام في الجبال،في الثغور التي يحسب نفسه فاتحا لها،في الثغور التي التهمت تفكيره وحياته.
غرسناه ذات يوم بارد ،دفناه في أرض بور عقرت أن تحمل بالحياة ،وألا تحيا إلا بالموت، تشرب من الجسد الفاني والدمع المزمن.
وبقينا من بعده في الثغر دون مرابط ،أرملة ويتامى ،لم نقدر على تكاليف الرحيل واستسغنا مرغمين أن نبقى من خلف السور،.نتجرّع جوعنا وخوفنا ونكبتنا ….. حتى كان ذلك اليوم :
تتوقف العين الدوارة عن دورانها،.تتعانق الأهداب معدمة دمعة متمردة، ترتجف ذقنه في حركات هائمة، صاعدة ، نازلة ، يمرر راحته الخشنة على خد محمر متورم وكأن بركانا يتحضر تحت جلده، يمسك جبينه الأملس ويضغط عليه يبتغي سحقه، يدفع تنهيدة آسرة مع دخان السيجارة وكأنه يدفع روحه إلى الخارج ويعود بحشرجة :
ـ ذات فجر لا يرحب بالطارقين على بابه،من بين الجدران نزفوا ،من كل الجهات تمددوا ،خمسة أشباح من سدة الظلام نزلوا كالضباب الأسود انهالوا على البيت الهزيل ،لم تصمد بابه مع أول ركلة ، كان بينهم، عرفته دون أن أراه، كان جارا لنا ، صدته بالأمس بندقية أبي فلما انتكست ملك الباب والقفل .
هالني منظرهم ، انزويت في شوكة أجزئ جسدي على تعاريجها ،حتى أصبحت جزء منها، انبرت لهم أمي بكلمات فوضوية لا تنتمي لأي قاموس،وبين عويل وصراخ وسباب امتلأ فضاء البيت الضيق .
قذفوها كالوئيدة أمام عيناي الجامدة ،بثوا كل قوة في بطنها الخاوي ، بسطوها كالشاة..
ـ الله أكبر..الله أكبر
كبر الجار العابد ، كأضحية العيد مرر المدية على جيدها من الوريد إلى ..خلف الوريد.
تتزايد سرعة أنفاسه ،صدره يعلو وينخفض بجنون كأنه ينذر بانفجار وشيك، يضغط أسنانه ،يشكل في الفراغ قبضة لو جمعت كل فولاذ العالم لسحقته ، يمطر الجبين عرقا هاربا من سخونة الرأس ،يصمت برهة ثم يردف :
ـ انسحبوا وتركوها تتخبط وتضرب بيديها، برجليها، بعنقها المجدوع، تنتفض كشجرة شتاء داهمتها عاصفة هوجاء، شخصت عيناي لمنظرها، انطلقت مني صرخة مدوية ، طنت أذني فلم أسمعها ، ربما انتحرت في حنجرتي ولم تخرج،شلت حركتي تماما ،تجمد الهواء حولي ،فقدت حس المكان والألوان ودخلت في بوتقة فراغ لا أدري من أنا أو أين أنا وكأن صاعقة احتوتني في لونها الغامض وتفاصيلها المبهمة.
زحفت إليها ،أمي أو إلى ما تبقى من حياتها. قابلني نحرها الصارخ،وجهها المضرج بالدماء تندفع منه كسيل هامر من شلال متمرد،أنكرتها عيوني،أدفن رأسي في دمائها ،في حشرجتها الأخيرة ،في صعود روحها المعذبة، في نفسها الأخير،أتلوى بالدمع المتخثر لالتوائها ،لا حياة ،لا ضوء ،لا هواء..
غرسناها ذات يوم قائظ ،وغرست معها نفسي فما نفع الدنيا من دون أمي ..
انطلقت بعدها قطعة في مهب الضياع، تأخذني الكوابيس حيث جثة أمي دون رأس ، يد أبي المنكسة بلا بندقية، أنزوي إلى شحوب وحدتي ، في ثنايا الظلمة وتأوهات الرماد بعد نار ملتهبة .
وسطلت أول مرة، وتذوقت لاوعي العقار أول مرة،ووجدت نفسي أخرج من نفسي وتعتلي فسحة من التيه تيهي ،أتسلق سحابة حياتي السوداء نازلا ولا أدري أين أنا ولما أدري …؟ وجدت نفسي آخذ نفسي بالحضن إلى ينابيع الضياع راضيا ،وحدي في الظلمة ،في القاع رهين الانكسار ولما أهتم؟ أتتبع في صمتي خمرة معتقة من أيام قليلة متشعبة عن سمرة منها لم تبلغ السواد ،عن حضن أمي الشحيح وبسمة أبي الفقيرة،ولم أستطع كفن فجيعتي،أخرج من نفسي بإرادتي ،أو بدونها أبذر حشائش اللاوعي لأغسل أغلال التفكير والعقل لأطرد كوابيسي الصاخبة ،لأصرخ فيهم :لن أصالح ،إن يد أبي منكسة بلا علم،إن أمي نحرت كأضحية العيد ،إن أمي قربان في المعبد للظلام …
وسكت وبقيت مطرقا أردد كلماته الأخيرة في سري ، انتبهت أبحث عنه ، كان قد تبخر في الأجواء والليل جاوز نصفه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الزمن الأسود*:عشرية الدم والدموع في الجزائر1992 ـ2001

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق